وجهة نظر

الحقيقة لا تبنى بالضجيج بل بالمؤسسات

في كل موعد سياسي مفصلي، تطفو على السطح إغراءات سهلة: شعارات قوية، مزايدات إعلامية، ومطالب تبدو “ثورية” لكنها في العمق تفرغ العمل السياسي من جوهره. واليوم، ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، نجد أنفسنا أمام اختبار حقيقي: هل نريد برلمانا يتنافس على البرامج والرؤى، أم برلمانا يتنافس على من يحدث الضجيج الأعلى؟ وقبل أي حديث عن لجان تقصي الحقائق أو آليات استثنائية، يبقى السؤال الأول والبديهي: هل استمعنا أصلا إلى تقييم الحكومة نفسها لهذا البرنامج، وإلى رأيها الصريح في مدى تحقيقه للأهداف المرجوة منه؟

بين الفحص والجراحة العاجلة

تخيلوا معي مريضا دخل المستشفى يتألم، فطالب البعض بفتح غرفة العمليات فورا. لكن الطبيب الحكيم أوقفهم: قبل أي تدخل جراحي، لا بد من الفحص والتحليل والتشخيص. وعندما أجريت الفحوصات، تبين أن العلاج كان أبسط بكثير من “العملية” التي طالب بها المتسرعون.
هذه هي بالضبط معضلة العمل السياسي اليوم. أمام كل ملف، يبرز من يطالب بـ”لجنة تقصي الحقائق” كحل سحري وفوري، متجاهلا أن هذه الآلية ليست أداة تواصل سياسي، بل وسيلة دستورية استثنائية، لا تستدعى إلا حين تعجز كل الآليات الرقابية الأخرى عن أداء مهمتها.

المؤسسات تعمل، فلماذا القفز عليها؟

الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون هي أن البرلمان يمارس الرقابة يوميا: الأسئلة الشفوية، اللجان الدائمة، مناقشة الميزانيات، الاستماع للوزراء. هذه ليست شعارات نظرية، بل آليات فعلية ومفعلة. وإلى جانبها، توجد مؤسسات رقابية ومالية وإدارية متخصصة، تمتلك الخبرة التقنية والقانونية لتدقيق الملفات بدقة تفوق أي لجنة سياسية مؤقتة. وفي مقدمة هذا التدرج المنطقي، تأتي الحكومة نفسها، بصفتها الجهة المنفذة لبرنامج الدعم، والمفترض أن تكون أول من يبدي رأيه بشفافية في مدى تحقيقه لأهدافه، قبل أي تفكير في تجاوز هذه المرحلة نحو آليات استثنائية.

فحين تكون هذه المنظومة قائمة وفعالة، بما فيها التقييم الحكومي الذي لم نستمع إليه بعد، يصبح اللجوء المباشر إلى لجان تقصي الحقائق ليس فقط غير ضروري، بل خطوة تفقد هذه الآلية مصداقيتها وهيبتها، وتحولها من أداة لكشف الحقيقة إلى أداة للمزايدة والفرجة السياسية.

النتائج لا الانطباعات

أي تقييم سياسي رشيد يجب أن يقوم على المعطيات الموثقة والمؤشرات الرسمية، لا على الروايات المتداولة في الفضاء الرقمي قبل صدور التقارير المؤسسية. فبعض القرارات والسياسات التي تبدو مثيرة للجدل، إنما اتخذت في سياقات استثنائية، كالجفاف وارتفاع الأسعار عالميا، وتقييمها يقتضي النظر في النتائج الفعلية، لا الانفعالات اللحظية.

رسالة إلى الناخب قبل 23 سبتمبر

نحن لسنا ضد كشف الحقيقة، بل نحن أول من يطالب بها. لكننا نرفض أن تكون الحقيقة ذريعة لإنتاج الفرجة السياسية بدل البحث الجاد عن الوقائع. ومسؤوليتنا، كفاعلين سياسيين، ليست مسايرة الضجيج اللحظي، بل حماية مصداقية المؤسسات واحترام تدرج آليات الرقابة التي أقرها الدستور.
قد يكون الانضمام إلى موجة المزايدة أكثر “راحة” إعلامية، لكن المسؤولية السياسية الحقيقية تقتضي الانتصار لمنطق الدولة والمؤسسات، لا لمنطق ردود الفعل والضغوط الظرفية. فالحكمة في العمل السياسي ليست أن نفعل ما يطلبه الشارع في لحظة غضب، بل أن نفعل ما يخدم الحقيقة والمصلحة العامة على المدى البعيد.

ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، يصبح هذا المعيار هو الفيصل: من يقدم برنامجا ورؤية ومشروعا للدولة، ومن يقدم فقط صوتا أعلى في الضجيج السياسي.

نحن مع كشف الحقيقة كاملة، لكننا لسنا مع استعمال الحقيقة ذريعة لإنتاج الفرجة السياسية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *