وجهة نظر

من الجسر الخشبي إلى الدولة الريعية المصغرة

تقمص السلطة وإعادة إنتاج منطق الاستحواذ على المجال العام

لم تكن واقعة نصب جسر خشبي بسيط فوق ساقية صغيرة بمنابع أم الربيع وفرض رسم رمزي للعبور لا يتجاوز درهمين مجرد حادثة عابرة أو سلوكا فرديا معزولا، بل بدت وكأنها مشهد سوسيولوجي مكثف يختزل تحولات عميقة تعرفها علاقة الأفراد بالمجال العام وبالسلطة وبفكرة الملكية الجماعية. فخلف ذلك الجسر المتواضع تختبئ أسئلة كبرى حول كيفية تشكل الوعي الاجتماعي، وحول الطرق التي يعيد بها المجتمع إنتاج أنماط السلوك المهيمنة داخله، وحول الكيفية التي ينتقل بها منطق الاستحواذ من المؤسسات الكبرى إلى الممارسات اليومية للأفراد.

لقد أثارت الواقعة استغرابا وسخرية لدى البعض، وغضبا لدى آخرين، لكنها في العمق تكشف عن ظاهرة أكثر تعقيدا: ظاهرة تقمص الأفراد لمنطق الدولة الريعية وإعادة إنتاج آلياتها بصورة مصغرة داخل الحياة اليومية. فالأمر لا يتعلق هنا بمجرد فرض درهمين للمرور، بل بمحاولة رمزية لتحويل منفعة عامة إلى مورد خاص، أي إعادة إنتاج المبدأ نفسه الذي يعتقد كثير من المواطنين أنهم يشاهدونه يوميا في تدبير الموارد والثروات والمجالات المشتركة.

في علم الاجتماع لا يتعلم الناس فقط عبر المدرسة أو القانون أو الخطاب الرسمي، بل يتعلمون أساسا عبر الملاحظة والتجربة والمعايشة اليومية. فالمجتمع، كما يرى بيير بورديو Pierre Bourdieu، لا ينقل القيم فقط، بل ينقل أيضا أنماط الفعل الممكنة. وما يسميه بورديو بـ”الهابيتوس” ليس سوى ذلك المخزون من التصورات والاستعدادات الذي يكتسبه الفرد من خلال عيشه داخل بنية اجتماعية معينة. وعندما يرى المواطن أن النفوذ يفتح أبواب الامتياز، وأن القرب من مراكز القرار يمنح إمكانية الاستفادة من الموارد العمومية، وأن الثروة كثيرا ما تتولد من التحكم في المنافع المشتركة أكثر مما تتولد من الإنتاج، فإن هذه الوقائع لا تمر دون أثر؛ بل تتحول تدريجيا إلى دروس اجتماعية غير معلنة.

ومن هنا يصبح الجسر الخشبي شكلا من أشكال التعلم الاجتماعي المعكوس. فالأفراد لا يطالبون فقط بالعدالة أو ينتقدون الاختلالات، بل يبدأون في استنساخها على نطاقهم الخاص. وكأن الرسالة الضمنية التي استوعبوها تقول: “إذا كان من المشروع أن تتحول الثروات الكبرى إلى مصادر للريع، فلماذا لا تتحول الساقية الصغيرة بدورها إلى مورد للدخل؟”

إن ما يجعل الواقعة ذات أهمية سوسيولوجية ليس قيمتها المادية الضئيلة، بل طابعها الرمزي. فهي تمثل انتقالا من ثقافة المواطنة إلى ثقافة الغنيمة. ففي المجتمعات التي تتأسس على المواطنة يكون المجال العام ملكا للجميع ومسؤولية الجميع. أما في المجتمعات التي تترسخ فيها ثقافة الغنيمة فإن المجال العام يتحول إلى فضاء مفتوح للاستحواذ، ويصبح السؤال المركزي ليس: “كيف نحافظ عليه؟” بل: “كيف نستفيد منه قبل الآخرين؟”

هذا التحول سبق أن حلله عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر Max Weber عندما تحدث عن الأنماط التقليدية والزبونية للسلطة. ففي الأنظمة التي يختلط فيها الخاص بالعام، تتراجع الحدود الفاصلة بين ما هو مشترك وما هو شخصي، وتصبح الموارد العمومية امتدادا لمجالات النفوذ الخاصة. ومع الزمن لا يقتصر هذا المنطق على الدولة، بل يتسرب إلى المجتمع نفسه، حيث يعيد الأفراد إنتاجه في علاقاتهم وممارساتهم اليومية.

إن أخطر ما تكشفه هذه الحادثة هو تآكل الثقة في فكرة المصلحة العامة ذاتها. فالمصلحة العامة ليست مجرد مفهوم قانوني؛ إنها بناء ثقافي وأخلاقي يقوم على اقتناع المواطنين بأن هناك أشياء لا يجوز تحويلها إلى ملكيات خاصة لأنها تخص الجميع. لكن حين يضعف هذا الاقتناع، يبدأ المجال العام في التفكك قطعة بعد أخرى. ليس بالضرورة عبر عمليات نهب ضخمة، بل عبر آلاف الممارسات الصغيرة التي تبدو عادية في ظاهرها.

وقد وصف عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ميرتون Robert K. Merton هذه الحالة من خلال مفهوم “الأنوميا” أو اللامعيارية، حيث تصبح القواعد الرسمية موجودة نظريا لكنها تفقد قدرتها على توجيه السلوك فعليا. ففي ظل الشعور بغياب العدالة وتفاوت الفرص، لا يعود احترام القواعد قيمة في حد ذاته، بل يصبح رهينا بحسابات المنفعة والخسارة. وهكذا يتحول تجاوز القاعدة إلى استراتيجية للتكيف مع الواقع بدل أن يُنظر إليه باعتباره انحرافا عنه.

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الجسر الخشبي باعتباره شكلا من أشكال المقاومة الساخرة. فالفقراء الذين لا يملكون أدوات النفوذ الكبرى يعيدون تمثيل المنطق نفسه بطريقة كاريكاتورية تكشف تناقضاته. إنهم لا يسيطرون على عقارات استراتيجية، ولا يدبرون صناديق استثمار، ولا يحصلون على امتيازات ضخمة، لكنهم يعلنون بطريقة ضمنية أنهم فهموا قواعد اللعبة. فإذا كان الآخرون يجنون الأرباح من الطرق الكبرى والمشاريع الكبرى، فهم سيجنون درهمين من ساقية صغيرة.

هنا يصبح الجسر الخشبي أقرب إلى “مرآة اجتماعية” منه إلى مشروع اقتصادي. إنه يكشف ما ترسب في المخيال الجماعي من تصورات حول السلطة والثروة والحق في الانتفاع. ولذلك فإن ردود الفعل الساخرة التي رافقت الواقعة لم تكن موجهة إلى أصحاب الجسر وحدهم، بل كانت في جزء كبير منها موجهة إلى الواقع الذي جعل مثل هذا السلوك يبدو منطقيا ومفهوما لدى كثيرين.

لقد بين إميل دوركهايم Émile Durkheim أن تماسك المجتمع يقوم على وجود منظومة أخلاقية مشتركة تحدد ما يجوز وما لا يجوز. وعندما تتعرض هذه المنظومة للتآكل، يبدأ المجتمع في فقدان قدرته على التمييز الواضح بين الحق والامتياز، وبين الخدمة العامة والمصلحة الخاصة، وبين المواطنة والغنيمة. وحينها لا يصبح الاستيلاء على المشترك فعلا شاذا، بل يتحول إلى سلوك متوقع وقابل للتبرير.

إن الجسر الخشبي إذن ليس موضوعا للسخرية بقدر ما هو مؤشر اجتماعي يستحق التأمل. فهو يكشف عن مجتمع تتعرض فيه فكرة المشترك لضغوط متزايدة، وعن أفراد أصبحوا ينظرون إلى المجال العام باعتباره موردا قابلا للتملك لا فضاء يستوجب الحماية. كما يكشف عن انتقال عدوى الريع من البنيات الكبرى إلى الممارسات الصغرى، بحيث تتحول ثقافة الاستفادة من الامتياز إلى ثقافة عامة تتجاوز الحدود الطبقية.

وفي نهاية المطاف، لا تكمن خطورة الظاهرة في قيمة الدرهمين، بل في الدرس الاجتماعي الكامن وراءهما. فحين يقتنع المواطن بأن النفوذ هو الطريق الطبيعي للاستفادة، وأن المشترك لا يحميه أحد، وأن المجال العام مجرد فرصة مفتوحة لمن يسبق إليه، فإن المجتمع يكون قد انتقل من منطق الحق إلى منطق الغنيمة، ومن ثقافة المواطنة إلى ثقافة الاستحواذ. عندها لا يعود الجسر الخشبي استثناءً، بل يصبح مجرد نسخة مصغرة من بنية اجتماعية أوسع، يتكرر داخلها المشهد نفسه بأحجام مختلفة: من الساقية الصغيرة في أعالي الجبال إلى الثروات الكبرى في قلب الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *