وجهة نظر

أزمة النخب السياسية بين شرعية الصندوق وفقر التصور وصعود التكنوقراط

ليست كل أزمة سياسية أزمة انتخابات، وليست كل أزمة انتخابية أزمة مشاركة. ففي عمق الحياة السياسية توجد أزمة أكثر هدوءا، لكنها أكثر خطورة: أزمة إنتاج النخب.
فالديمقراطية لا تختبر فقط في لحظة فتح صناديق الاقتراع، ولا تنتهي بإعلان النتائج. فالسؤال الأهم يبدأ بعد ذلك:

ماذا تنتج الديمقراطية؟
هل تنتج فقط من يفوز؟ أم تنتج أيضا من يستطيع أن يحكم؟
فالانتخابات تمنح الشرعية، لكنها لا تمنح بالضرورة المعرفة. والصندوق يحدد من يتولى المسؤولية، لكنه لا يضمن دائما أن من يصل إلى موقع القرار يمتلك تصورا واضحا لما ينبغي فعله ومن هنا تبدأ المفارقة: قد تكون الانتخابات سليمة من الناحية الإجرائية، وقد تكون المؤسسات قائمة من الناحية القانونية، وقد تكون الشرعية الانتخابية متحققة، لكن ذلك كله لا يجيب بالضرورة عن سؤال الكفاءة السياسية.

فالسؤال ليس فقط: من يحكم؟
بل: هل يعرف من يحكم كيف يحكم؟

أولا: السياسة ليست إدارة للحاضر فقط

السياسة، في معناها العميق، ليست مجرد تدبير للمشكلات اليومية. إنها القدرة على التفكير في المستقبل أي دولة نريد بعد عشر سنوات؟ أي اقتصاد؟ أي إدارة؟ أي تعليم؟ أي سوق للعمل؟ وكيف ستتعامل الدولة مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتغيرات سوق الشغل، والضغوط المتزايدة على المالية العمومية؟ هذه ليست أسئلة تقنية هامشية إنها أسئلة سياسية بامتياز.

ولهذا فإن النخبة السياسية الحقيقية لا تقاس فقط بقدرتها على الحديث عن مشاكل الناس، وإنما بقدرتها على تحويل هذه المشاكل إلى تصورات، والتصورات إلى أهداف، والأهداف إلى برامج، والبرامج إلى سياسات عمومية، والسياسات إلى نتائج قابلة للقياس. وهنا تحديدا تظهر الأزمة.

فالكثير من البرامج الانتخابية تكتب وكأنها قوائم للرغبات، لا باعتبارها مشاريع للحكم. بحيث نريد تحسين التعليم، وتطوير الصحة، ومحاربة البطالة، وتقوية الاستثمار، وتحسين الإدارة، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد الوعد:
كم سيكلف ذلك؟ من سينفذه؟ ما المؤسسة المسؤولة؟ ما الإطار القانوني؟ ما الموارد البشرية؟ ما الجدول الزمني؟ وما مؤشرات النجاح؟
فالبرنامج الانتخابي الجاد ليس مجرد مجموعة من الوعود، بل تصور متكامل للحكم.

ثانيا: حين يصبح الفوز أهم من القدرة على الحكم

لم تكن الأحزاب السياسية، في أصل وظيفتها، مجرد آلات انتخابية. كانت مدارس للتكوين السياسي، ومختبرات للأفكار، وفضاءات لإعداد القيادات انما كان يفترض أن يتدرج الشخص داخل الحزب، وأن يتعلم، ويؤطر، ويتحمل المسؤولية، ويكتسب الخبرة قبل أن يصل إلى مواقع القرار غير ان عندما يتحول الحزب إلى مجرد أداة للفوز بالانتخابات، يتغير السؤال.
لم يعد السؤال:
من الأكثر قدرة على الحكم؟
بل:من الأكثر قدرة على الفوز؟
والفرق بين السؤالين كبير.
فالفوز في الانتخابات يتطلب مهارات معينة، بينما الحكم يتطلب مهارات أخرى. وقد يكون الشخص قادرا على التواصل مع الجمهور، لكنه غير قادر على فهم الميزانية وقد يكون قادرا على بناء شبكة انتخابية، لكنه غير قادر على قراءة مشروع قانون او صياغة نص قانوني او فهم الابعاد القانونية او توازناته واثاره وهل يحقق فلسفة العدالة والامن القانوني وقد يكون قادرا على تحقيق الفوز، لكنه غير قادر على بناء مشروع او تصور او برنامج على مستوى الماكرو وهنا ينبغي التمييز بين النجاح الانتخابي والنجاح السياسي فالنجاح الانتخابي هو الوصول أما النجاح السياسي فهو القدرة على تحويل الوصول إلى أثر.

ثالثا: المواطن الذي لا يشارك لا يخرج من السياسة

غالبا ما يتم التعامل مع المشاركة الانتخابية باعتبارها مجرد رقم ولكن المشاركة ليست رقما فقط، إنها تعبير عن علاقة المواطن بالمؤسسات، وعن مدى إيمانه بأن صوته قادر على إنتاج أثر، وحين يتراجع الإقبال على الانتخابات، فإن السياسة لا تتوقف فالفراغ السياسي لا يبقى فارغا إن من يشارك يكتسب وزنا أكبر في تحديد النتائج، وكلما تقلصت المشاركة ارتفع الوزن النسبي للفئات الأكثر تنظيما وقدرة على التعبئة وهذا لا يعني أن النتائج الانتخابية تصبح غير شرعية، لكنه يعني أن الشرعية القانونية لا تعني دائما التمثيلية الاجتماعية الكاملة.

فالمواطن الذي لا يشارك لا يختفي من المجتمع، لكنه يترك للأخرين مساحة أكبر لتحديد من سيمثله وقد يتحول العزوف، في بعض الحالات، إلى تفويض غير مباشر للأخرين لكي يختاروا نيابة عن الجميع وهنا لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا لا يشارك المواطن؟
بل ينبغي أن نسأل أيضا:
هل يشعر المواطن أن الانتخابات تقدم له اختيارات حقيقية بين مشاريع مختلفة؟
فحين تصبح المنافسة بين الأشخاص أكثر وضوحا من المنافسة بين البرامج، وحين يصبح السؤال «من نعرف؟» أكثر حضورا من سؤال «ما المشروع؟»، فإن السياسة تفقد جزءا من معناها.

رابعا: من اختيار البرامج إلى اختيار الأشخاص

من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب الديمقراطية أن يتحول الناخب من الاختيار بين المشاريع إلى الاختيار بين الأشخاص. وفي الحالة الأولى، يكون السؤال:
أي تصور نريد؟
أما في الحالة الثانية، فيصبح السؤال:
من نعرف؟ ومن يستطيع أن يفوز؟ ومن يستطيع أن يقدم خدمة مباشرة؟
وهنا يتحول التمثيل السياسي من اختيار لمشروع عام إلى إعادة إنتاج لعلاقات اجتماعية وشبكات انتخابية. لكن الدولة الحديثة أكبر من العلاقات الشخصية والإدارة أعقد من الوعود الفردية والسياسة العمومية لا تبنى على النوايا وحدها، وإنما تحتاج إلى معرفة وبيانات وتخطيط وموارد وتقييم، فالسياسي الذي يعرف مشاكل الناس لكنه لا يعرف كيف يصوغ الحلول، يظل جزءا من المشكلة، حتى لو كانت نواياه حسنة.

خامسا: التكنوقراط: الحل أم علامة على وجود الفراغ؟

كلما عجزت السياسة عن إنتاج ما يكفي من الكفاءات، ظهر التكنوقراط وهنا لا ينبغي النظر إلى التكنوقراطية باعتبارها عدوا للديمقراطية.، فالدولة الحديثة تحتاج إلى الخبرة، وتحتاج إلى من يفهم الإدارة والميزانية والقانون والاقتصاد والتخطيط ولكن التكنوقراط لا يمتلك بالضرورة الشرعية السياسية، كما أن السياسي لا يمتلك بالضرورة الخبرة التقنية.
وهنا تظهر المعادلة: السياسي يملك الشرعية، والتكنوقراط يملك الخبرة.

الأول يعرف كيف يخاطب المجتمع، والثاني يعرف أحيانا كيف تشتغل الدولة و لكن الدولة الحديثة تحتاج إلى الاثني، الى ان المشكلة ليست في وجود التكنوقراط، بل في أن يصبح التكنوقراط بديلا عن النخبة السياسية فحين يتم استدعاء الخبير لكي يملأ الفراغ الذي تركته الأحزاب، فإن المشكلة لا تكون في الخبير، بل في عجز النظام الحزبي عن إنتاج النخب القادرة على الجمع بين الشرعية والمعرفة.

من شرعية التمثيل إلى شرعية الأثر ربما تحتاج الديمقراطية اليوم إلى الانتقال من سؤال:
من يمثلنا؟
إلى سؤال آخر:
ماذا أنتج تمثيله؟
فالشرعية الانتخابية ضرورية، لكنها ليست نهاية النقاش، إنما هي بداية للمساءلة وقد يكون المنتخب شرعيا لأنه فاز، لكن الشرعية السياسية ينبغي ألا تتوقف عند لحظة إعلان النتائج.
بعد الانتخابات تبدأ شرعية أخرى: شرعية الإنجاز.
فيمكن التمييز بين ثلاث مراحل:
شرعية الوصول، وتمنحها الانتخابات.
شرعية القرار، وترتبط بجودة الاختيارات.
ثم شرعية الأثر، وترتبط بما إذا كانت تلك الاختيارات قد أحدثت فرقاً حقيقياً في حياة الناس.
وهنا تتحول الديمقراطية من مجرد نظام لإنتاج السلطة إلى نظام لإنتاج المسؤولية.

سادسا: من تدبير المقاعد إلى تدبير الكفاءات

لقد انتقلت الإدارة الحديثة من النظر إلى الإنسان باعتباره مجرد وظيفة أو منصب إلى النظر إليه باعتباره كفاءة ورأسمالا بشريا والسياسة تحتاج إلى التحول نفسه.
فلا ينبغي أن يكون السؤال:
كم مقعدا حصل عليه الحزب؟
بل:ما نوع الكفاءات التي وصلت إلى المؤسسة؟
ولا ينبغي أن يكون السؤال:
كم شخصا تم انتخابه؟
بل:ما القدرة التي دخلت مع هؤلاء الأشخاص؟
وهنا ننتقل من تدبير المقاعد إلى تدبير النخب، ومن شرعية العدد إلى شرعية الأثر، ولكن الديمقراطية التي لا تهتم بنوعية النخب قد تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج السلطة، لا إلى وسيلة لتحسينها.

الخلاصة: هل تنتج الديمقراطية المستقبل؟

ربما لا تكمن أزمة الديمقراطية في أنها تسمح للناس بالاختيار، بل في أن المجتمع قد يختار أحيانا دون أن تكون أمامه تصورات متنافسة فعلا ربما لا تكمن أزمة الأحزاب في أنها تتنافس على السلطة، بل في أنها قد تتنافس على السلطة دون أن تكون قد أنتجت دائما النخب القادرة على ممارستها.
وربما لا تكمن أزمة التكنوقراط في أنهم يدخلون المجال العام، بل في أن دخولهم قد يصبح ضروريا لأن السياسة لم تعد قادرة دائما على إنتاج المعرفة التي تحتاجها الدولة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل نريد سياسيين أم تكنوقراط؟
بل: هل نستطيع إنتاج نخبة تجمع بين شرعية السياسة وصرامة المعرفة؟
فالديمقراطية لا ينبغي أن تكون مجرد آلية لاختيار من يحكم، بل ينبغي أن تكون آلية لإنتاج من يستطيع أن يحكم بحيث ان الانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد منافسة على المقاعد، انما منافسة بين تصورات للحاضر للمستقبل، والحزب لا ينبغي أن يكون مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، بل مدرسة لإنتاج النخب والبرنامج الانتخابي لا ينبغي أن يكون مجرد وعد، بل عقدا سياسيا قابلا للتقييم والمساءلة، أما الناخب، فلا ينبغي أن يكون مجرد رقم في معادلة انتخابية، بل شريكا في إنتاج النخبة التي ستحدد جزءً من حاضره ومستقبله.
ففي النهاية، قد تكون أكبر أزمة سياسية ليست أن يصل إلى السلطة من لا يملك كل المعرفة فلا أحد يملكها كاملة ولكن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما لا يملك من يصل إلى السلطة الرغبة في التعلم، والقدرة على الاستعانة بالخبرة، والشجاعة في بناء القرار على المعرفة، والمسؤولية في تحويل الشرعية إلى أثر.
وهنا يبقى السؤال مفتوحا:
هل نريد أن ننتخب من يمثلنا فقط، أم نريد أن ننتخب من يستطيع أن يصنع لنا مستقبلا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *