سياسة

دراسة للهاكا تحذر من الوجه الخفي لمنصات التواصل: الخوارزميات والتضليل يهددان النقاش الديمقراطي

حذرت دراسة حديثة للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري من تنامي المخاطر التي تطرحها منصات التواصل الاجتماعي على جودة الحياة الديمقراطية، بعدما تجاوزت وظيفتها التقليدية في التواصل وتبادل المعلومات لتتحول إلى فاعل مؤثر في تشكيل الرأي العام وتوجيه النقاش السياسي والاجتماعي.

وأكدت الدراسة، التي أنجزها فريق العمل “تنظيم الإعلام والوسائط الرقمية”، أن هذه المنصات وفرت إمكانات واسعة أمام التعبير الفردي والمشاركة والمبادرة والتعبئة، لكنها في المقابل أصبحت فضاءً تتقاطع فيه مخاطر التضليل والتلاعب الخوارزمي والاستقطاب السياسي، بما قد ينعكس على الثقة في المؤسسات وعلى جودة النقاش العمومي.

وأوضحت الدراسة أن الخوارزميات باتت تضطلع بدور مركزي في تحديد طبيعة الواقع المعلوماتي الذي يحيط بالمستخدمين، من خلال انتقاء وترتيب المحتويات التي تظهر أمام كل شخص وفق بيانات مرتبطة بسلوكه الرقمي وتفاعلاته السابقة. ورغم أن هذا التخصيص يقدم باعتباره وسيلة لتحسين تجربة المستخدم، فإن الدراسة تنبه إلى أنه قد يؤدي إلى تقليص تنوع الآراء وحصر الفرد داخل “فقاعة معلوماتية” تركز على مضامين منسجمة مع قناعاته السابقة، بما يعزز الاستقطاب ويحد من فرص التعرض لوجهات النظر المختلفة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالنقاش السياسي.

وفي السياق نفسه، سجلت الدراسة أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي أضاف بعداً جديداً إلى مخاطر التضليل، بعدما أصبح بالإمكان إنتاج صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية شديدة الواقعية بواسطة أدوات رقمية متطورة، من بينها تقنية “التزييف العميق”.

وحذرت من أن هذا النوع من المحتوى يمكن أن يجعل التمييز بين الحقيقي والمزيف أكثر صعوبة، في وقت تساهم فيه خوارزميات التوصية في توسيع نطاق انتشاره، الأمر الذي لا يؤثر فقط في قدرة المستخدمين على التحقق من المعلومات، بل يطرح تحديات مباشرة أمام الثقة في الفضاء العام وفي العملية الديمقراطية.

الخوارزميات تصنع “فقاعات” معلوماتية وتغذي الاستقطاب

وبحسب الدراسة، فإن الخوارزميات لا تشتغل بصورة عشوائية، بل تعتمد على كميات كبيرة من البيانات التي يتم جمعها من نشاط المستخدمين. وتشمل هذه البيانات معطيات صريحة، مثل الإعجاب والتعليق والتقييم، وأخرى ضمنية تعكس سلوك المستخدم، من قبيل المدة التي يقضيها في مشاهدة محتوى معين، وسجل التصفح وطبيعة التفاعلات المختلفة، ومن خلال تقاطع هذه البيانات، تعمل أنظمة التوصية على تحديد تفضيلات المستخدم وعاداته وأنماطه الاستهلاكية، والتنبؤ بالمضامين التي يحتمل أن تثير اهتمامه، قبل تعديل التوصيات باستمرار وفقاً لسلوكه الجديد.

وتشير الدراسة إلى أن هذه العملية تعتمد على مجموعة من التقنيات، من بينها “الترشيح التعاوني”، الذي يقوم على مقارنة سلوك مستخدمين متشابهين، والمقاربة القائمة على المحتوى، التي تركز على خصائص المادة نفسها، فضلاً عن أن بعض الأنظمة تعتمد معيار الشعبية لإبراز المضامين الأكثر مشاهدة أو تفاعلاً، غير أن هذه الآليات، وفق الدراسة، يمكن أن تنتج تحيزات خوارزمية، لأن الأنظمة تتعلم من بيانات بشرية تحمل بدورها تفضيلات وصوراً نمطية واختلالات مختلفة.

وتوضح الدراسة أنه عندما تكون بعض الآراء أو الفئات أو أنواع المحتوى ممثلة بشكل أكبر في البيانات، فقد تميل الخوارزميات إلى منحها أولوية أكبر في التوصيات. ومن هنا تتشكل “فقاعات التصفية”، التي يجد فيها المستخدم نفسه داخل بيئة معلوماتية متجانسة تعزز مواقفه السابقة بدلاً من تعريضه لوجهات نظر مغايرة.

ويصبح هذا التأثير أكثر وضوحاً في المجال السياسي، إذ إن التفاعل المتكرر مع محتوى منسجم مع موقف أيديولوجي معين يمكن أن يقود إلى مزيد من الاستقطاب والابتعاد عن النقاش القائم على تعدد الآراء.

ولا تقف آثار هذه العملية، بحسب الدراسة، عند حدود المحتويات التي تظهر أمام المستخدم، بل تمتد إلى الطريقة التي ينظر بها إلى الواقع نفسه. فالخوارزميات تنتقي وترتب وتبرز بعض المضامين على حساب أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى تشكيل تصور جزئي وشخصي للعالم يعتقد صاحبه أنه يعكس الواقع الموضوعي، بينما يكون في جزء منه نتيجة لعملية فرز خوارزمية.

وتحذر الدراسة من أن هذا الوضع قد يضعف التنوع الضروري لتكوين الرأي في المجال الديمقراطي، ويزيد من حدة الانقسامات، ويجعل الوصول إلى التوافق والتسويات أكثر صعوبة، فضلاً عن إمكان استغلال هذه الانقسامات من طرف فاعلين يسعون إلى توسيع نفوذهم.

التضليل ينتقل إلى مرحلة جديدة مع الذكاء الاصطناعي

وتوقفت الدراسة عند طبيعة البيئة التي توفرها منصات فيسبوك وإكس وتيك توك لانتشار المعلومات المضللة، مشيرة إلى أن اعتماد هذه المنصات على التفاعل وجذب الانتباه يجعل المحتويات المثيرة للخوف أو الغضب أو المفاجأة أو الاستنكار أكثر قابلية للانتشار من مواد صحيحة قد تكون أقل إثارة. وبذلك، يمكن لمعلومة كاذبة أو مبالغ فيها أن تصل إلى جمهور واسع قبل أن تتاح للمستخدمين فرصة التحقق من صحتها.

كما لفتت الدراسة إلى أن المستخدمين أنفسهم قد يتحولون، من دون قصد، إلى وسطاء لنشر التضليل، عندما يقومون بإعادة مشاركة محتويات لم يتحققوا من مصدرها أو صحتها. ولا تقتصر الإشكالية، وفق الدراسة، على الأخبار الكاذبة التقليدية، إذ جعلت أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج محتويات مزيفة شديدة الواقعية أكثر سهولة، وهو ما يبرز بشكل خاص من خلال تقنية “التزييف العميق”.

وتوضح الدراسة أن مقطع فيديو أو تسجيلاً صوتياً مزيفاً يمكن أن يبدو حقيقياً إلى درجة تجعل اكتشاف التلاعب صعباً على المستخدم العادي. وفي المقابل، تستطيع خوارزميات التوصية تضخيم انتشار هذه المواد، بما يخلق سلسلة متكاملة تبدأ بإنتاج محتوى مزيف، ثم دفعه إلى جمهور واسع، ثم إعادة تداوله على نطاق أكبر، وصولاً إلى التأثير في التصورات والمواقف.

وتحذر الدراسة كذلك من الاستخدامات السياسية لهذه الأدوات، مشيرة إلى إمكانية توظيف الحسابات الوهمية والروبوتات الآلية والحسابات الاستفزازية والإعلانات الموجهة للوصول إلى شرائح محددة من الجمهور، كما تجعل تقنيات “الاستهداف الدقيق” السياسي عملية التلاعب أكثر صعوبة في الكشف، إذ يمكن لكل فئة أن تتلقى رسالة مختلفة وفق خصائصها واهتماماتها، بما يفتح المجال أمام التأثير في السلوك الانتخابي والرأي العام بطريقة لا تكون بالضرورة ظاهرة أمام الجمهور ككل.

من التضليل إلى التأثير في الانتخابات والثقة في المؤسسات

وترى الدراسة أن التضليل والاستقطاب والتلاعب الانتخابي ليست ظواهر منفصلة، وإنما يمكن أن ترتبط ضمن دائرة واحدة تؤثر في المجال العام. فتراجع الثقة في المعلومات يمكن أن ينعكس على الثقة في المؤسسات، بينما تستطيع الحملات الموجهة التي تستغل البيانات الشخصية التأثير في الاختيارات السياسية، في الوقت الذي يؤدي فيه الاستقطاب إلى تضييق مساحة التسويات وتشجيع الخطابات الأكثر حدة.

وتؤكد الدراسة أن الخطر لا يكمن بالضرورة في منشور مضلل منفرد، وإنما في تراكم مجموعة من الآليات التي يمكن أن تؤثر في قدرة المواطنين على بناء مواقفهم انطلاقاً من معلومات متنوعة وموثوقة، وفي هذا السياق، تستحضر نماذج دولية لتوضيح طبيعة هذه المخاطر، من بينها الحملات المرتبطة بالانتخابات الأمريكية لسنتي 2016 و2020، وحملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتسريب وثائق مزيفة خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية سنة 2017، فضلاً عن تنامي دور المحتويات المتطرفة والمؤامراتية التي استفادت من آليات الانتشار الخوارزمي.

وتخلص الدراسة إلى أن الشبكات الاجتماعية لم تعد مجرد أدوات للاتصال وتبادل المعلومات، بل أصبحت فاعلاً قادراً على التأثير في العمليات الانتخابية وفي النقاش العام، وعلى تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية. ومن ثم، فإن حماية المجال العام، بحسب الدراسة، لم تعد مرتبطة فقط بمواجهة الأخبار الكاذبة، وإنما تستوجب التعامل أيضاً مع البنية الخوارزمية التي تحدد ما يصل إلى المستخدمين، ومع الأدوات التكنولوجية التي تتيح إنتاج محتويات مزيفة وتوجيهها إلى جماهير محددة.

التربية الرقمية والتنظيم في مواجهة المخاطر

وفي مواجهة هذه التحديات، تقترح الدراسة مقاربة تجمع بين التربية الرقمية والتنظيم، معتبرة أن مواجهة التضليل والتلاعب لا يمكن أن تقوم على مسار واحد. وتدعو في هذا الإطار إلى إدماج المواطنة الرقمية في المناهج التعليمية ابتداء من مرحلتي التعليم الإعدادي والثانوي، إلى جانب تكوين المدرسين وإطلاق حملات توعية موجهة إلى مختلف الأجيال، بما يعزز قدرة المواطنين على التحقق من المصادر والتعرف على التحيزات المعرفية والتعامل مع النقاش العمومي بصورة مسؤولة.

كما تدعو الدراسة إلى إلزام المنصات الرقمية الموجودة في المغرب بمجموعة من واجبات الشفافية والإشراف على المحتوى، مستحضرة في هذا السياق نموذج “قانون الخدمات الرقمية”، بما يشمل توضيح آليات اختيار وترتيب المحتويات التي تقترحها الخوارزميات على المستخدمين.

وتؤكد الدراسة، في خلاصتها، أن التربية والتنظيم يمثلان مسارين متكاملين للتعامل مع المخاطر التي تطرحها البيئة الرقمية، وأن تعزيز المواطنة الرقمية وحماية المجال العام يتطلبان، إلى جانب رفع وعي المستخدمين، مزيداً من الشفافية بشأن آليات عمل المنصات وطريقة إدارة المحتوى وانتشاره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *