https://al3omk.com/144514.html

في الحاجة إلى تصحيح مقاصد الأعياد الوطنية

“إذا نحن بحثنا في تاريخ المغرب العربي وجدنا أن الوطنية بمعنى الدفاع عن النفس والذب عن الكيان والميل للحرية الفريدة والاجتماعية صفة أظهر من الصفات التي امتاز بها المغاربة في جميع مراحلهم وتجاربهم التاريخية… فلم تقف أمة من الأمم ولا شعب من الشعوب في وجه الدولة الفاتحة أو العناصر الأجنبية المهاجرة كمثل ما وقفته أمة المغرب العربي في جميع عصورها. وإذا كان الفاتحون قد استطاعوا أن يتغلبوا أحيانا على بعض أجزاء المغرب دون أن يمتلكوا الشواهق أو ينفذوا إلى مراكش الممتنعة، فإن وجودهم لم يكن وإن طال أمده إلا مروراً عاديا وعبورا لا يترك أثراً ولا ذكراً… على أننا نحس من حاضرنا وكفاحنا بما يشعرنا بأن عوطفنا التي تدفعنا اليوم لمقاومة المستعمرين في غير هوادة وفي غير بغض، ليست إلا العواطف التي كانت تملأ روح أجدادنا منذ أقدم العصور إلى اليوم… فقد عرف المغرب من قبل أن يعرف الإفرنج ببلاد إيمازيغ أي الوطن الحر، وعرف سكانه أسلاف البربر بالإيمازيغن أي الرجال الأحرار وهذه التسمية وحدها دليل على الروح التي كانت تملأ روح أجدادنا منذ أقدم العصور إلى اليوم” (علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، و.ز)

رغم ما يمكن أن يبدو لدى القارئ لرأي الوطني علال الفاسي من اعتراض بخصوص كون تواجد الفاتحين والمستعمرين في المغرب هو عبور عادي لم يترك أثرا إلا أننا نتفق مع العلامة حول الحساسية المغربية في قضية الحرية والتحرر والخصوصية والاستقلال والدفاع عن النفس، وهي صفة وراثية لدى المغاربة منذ القدم. ولا شك أن ما يحدث في كل مناسبة وطنية من تمجيد لرموز الاستقلال ومآثر المقاومين وكذلك من تقيل من قيمة الاستقلال وتخوين للوطنيين، دليل على أن هذه الحساسية لازالت أعراضها إلى اليوم لكنها تحولت من رفض للدخيل على الجسد إلى رفض أعضاء الجسد لبعضها.

عيد العرش، عبد الاستقلال، المسيرة الخضراء، ثورة الملك والشعب… أعياد وطنية تعاقبت على أيام وسنين المواطن المغربي، جعلت لإحياء وإيقاظ حس الوطنية والانتماء في الشعب قاطبة، كما دأبت جميع الأمم على إحياء مآثرها، غير أن هذه الأعياد ظلت مناسبة للتعظيم الزائد أو الأعمى للسلطان والتاريخ وإما للتقليل والتبخيس من شأنه أو التشكيك في شرعيتة ومشروعيته التاريخية والدينية والسياسية، وتكاد لا تسمع صوتا معتدلا ينادي باحترام الهوية والتاريخ من خلال هذه الأعياد الوطنية، واعتبارها مناسبات لتصحيح مسار _الاستقلال والوحدة الترابية…_ وهذا هو مقصد الحس الوطني وحس الانتماء.

ومن خلال قراءة المضامين البيانات والبلاغات الصادرة بهذه المناسبات عن الهيئات السياسية والمدنية ترى صفحات من اللغة الخشبية المكررة التي يملأها الحشو والإطناب والإسهاب في تمجيد وتخليد التاريخ دون الوقوف على نواقصه ودون الدعوة إلى الاستمرار في تحصين المكتسبات التاريخية والعمل على تأكيد الوحدة الترابية والسيادة الكاملة لهذا البلد، الأمر الذي يوضح عدم إحساس هذه الهيئات السياسية بمسؤوليتها في التاريخ والحاضر، وهو خطاب يفرغ هذه المناسبات من معناها ومقاصدها ويجمد الوضع السياسي حيث يتجنب الفاعل فيه الاصطدام مع السلطة المحتكرة للتاريخ والحاضر، ويكتفي بالاسترزاق على المقاعد والحقائب والغرف.

في المقابل احتفظت قوى سياسية وفكرية بمواقفها من الاستقلال الناقص محملة المسؤولية للسلطة والنخب التاريخية وبعض الرموز السياسية في العطب الذي حل بتاريخ المغرب رافضة شكل السلطة والسيادة والتراب، ورافضة للمشاركة في الحياة العامة ورافضة لكل أشكال الحوار والتصالح ما لم يسلم لها الحق في تقرير مصير الأمة، وحتى اليوم لم يزدد هذا الخطاب إلا بعدا من الواقع السياسي والجيوسياسي، ولم يزد كذلك إلا تنفيرا من السلطة والسياسة وإغراء لأعداء السيادة والوحدة الترابية وتشكيكا في الوطنية وتخوينا في من يدعو لها. وهي التي تنتج ظاهرة الصمت والعزوف السياسي وعدم الثقة في الحكم والحاكم، تخوين السياسة والسياسي.

ويظهر الخور واضحا في تعاطي الدولة الفلكلوري مع هذه المحطات الوطنية، في المؤسسات والمناهج الدراسية والمنابر الإعلامية، حيث تتحول الشوارع والشاشات والجرائد والمؤسسات والمناهج إلى اللون الأخضر والأحمر، ويتردد النشيد الوطني ومعه أناشيد وأغاني تاريخية ووطنية (صوت الحسن، رد بالك هادي بلادك…) منذ بداية اليوم الوطني وحتى نهايته، وتفوت على المغاربة فرصة قراءة التاريخ والارتباط به وبناء هويته وتثبيت الاحساس بالانتماء والتذكير بالواجب تجاه الوطن.

هذه المقاربات _التمجيدية، التخوينية، الفلكلورية_ تفوت فرصة تصحيح وتكميل نواقص التاريخ الوطني وتشوه مفهوم الوطنية وتربطه بالسلطة والسياسة والفلكلور، وهو خطأ مشترك يحتاج إلى تصحيح، فالوطن للجميع والتاريخ هو إرث الجميع فإما التصالح والعمل على قراءة التاريخ بدون أدلوجة والتوحد ضد العدو الفرنسي الذي لا زال يراهن على التفرقة والتشتيت وعدم التصالحات الوطنية وإما الهلاك في مستنقعات الصراعات التاريخية التي لم نختر منها شيئا وفي النهاية نسلم الوطن طواعية للمستعمر بإنهاك الدولة والمواطنين بنقاشات لم تقدم للمغرب والمغاربة غير السخط والحنق والجهل منذ ستين سنة.

الأعياد الوطنية هي محطات لإنتاج السواعد والأقلام والأدمغة والأفئدة الوطنية النزيهة ومحطات لتجديد روح الانتماء للوطن، وموقف للترفع عن الخلافات التاريخية التي تفوت على أصحابها فرص الانطلاق في مشاريعها السياسية والمجتمعية. هذه الأعياد فرصة لإعادة قراءة التراث الوطني قراءة علمية محايدة، لتصحيح الحاضر وتجاوز أخطاء التاريخ، ومناسبة لتصحيح مفاهيم الوطن والوطنية والمواطن. الأعياد الوطنية أيام للتربية على الواجب والبذل والمبادرة والعطاء للوطن دون أخذ.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)