تركيا تختار مستقبلها..
https://al3omk.com/146026.html

تركيا تختار مستقبلها..

نجح داوود أوغلو في تحصين المكتسبات الانتخابية لأردوغان وضمن لحزب العدالة والتنمية تشكيل الحكومة الرابعة على التوالي بعدما حصل على 316 مقعدا في البرلمان التركي من أصل 550، أي بزيادة 41 مقعدا على الانتخابات السابقة.

هذه النتائج تحمل دلالة سياسية واحدة، وهي أن الناخبين الأتراك وضعوا ثقتهم في حزب العدالة والتنمية ولازالوا يعتقدون بأن تركيا مع هذا الحزب ستكون أفضل، كما أثبتت عدم دقة التحليلات التي اعتبرت نتائج الانتخابات السابقة إيذانا بنهاية ” ظاهرة العدالة والتنمية”، وأبرزت وفاء الشعب التركي لمن يخدمه أكثر…

حصيلة الإنجازات الكبرى التي حققتها تركيا مع أردوغان ورفاقه ناطقة بالعديد من الأرقام المعبرة، وإذا تحققت رؤية 2023، التي تتزامن ومرور 100 سنة على قيام الجمهورية التركية، فإن تركيا ستصبح من بين العشر اقتصاديات الأولى في العالم، حيث من المرتقب أن يتضاعف الناتج الداخلي الخام لتركيا من 1000 مليار دولار إلى 2000 مليار دولار، وسيتجاوز معدل الدخل الفردي السنوي 25 ألف دولار، وستستضيف تركيا 50 مليون سائح سنويا عِوَض 42 مليونا الآن.

طبعا، من الصعب تفسير السلوك الانتخابي للناخبين الأتراك بمؤشر واحد يتمثل في الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية، ومن المؤكد أن هناك الكثير من المعطيات التي تفاعلت فيما بينها لصناعة المشهد التركي الجديد ولتجاوز كبوة الانتخابات التي جرت قبل حوالي ثلاثة أشهر من الانتخابات الأخيرة.

لقد كان لعامل البحث عن الاستقرار دورا مؤكدا في هذا التصويت، فبعد العمليات الإرهابية التي استهدفت تركيا خلال هذه السنة، وبعد عودة حزب العمال الكردستاني إلى عادته القديمة، فضل الناخب التركي التصويت المفيد على الحزب القوي في البلاد القادر على فرض شروط الأمن والاستقرار، كما وجه رسالة واضحة برفض العنف السياسي مهما كانت مبرراته..

كما استفاد الحزب من الانشقاق الذي حصل في الحركة القومية، في أعقاب الخلاف الكبير الذي نشب بين قياداته حول الموقف من المشاركة في حكومة ائتلافية يقودها حزب العدالة والتنمية، والذي أدى برئيس الحزب المتشدد إلى طرد ابن الزعيم المؤسس للحزب توغرول توركيش، الذي فضل الالتحاق بصفوف حزب العدالة والتنمية والترشح على قوائمه، وهو ما جعل نتائج القوائم الانتخابية لحزب الحركة القومية تفقد ما يعادل نصف النتائج المحصلة في نونبر الماضي، من 70مقعدا إلى 41 مقعد، وهو ما يعادل حجم المقاعد التي أضافها حزب العدالة والتنمية إلى رصيده.

يضاف إلى هذا العامل قرار مناضلي حزب السعادة التصويت على حزب العدالة والتنمية، وهو الحزب الذي ترجع جذوره إلى حزب الفضيلة وقبله حزب الرفاه نفس الجذع الذي انشق عنه حزب العدالة والتنمية.

العنصر الآخر الذي ينضاف إلى هذه الاعتبارات هو التعديل الذي عرفه القانون الداخلي لحزب العدالة والتنمية بالسماح لأعضائه بالترشح لأكثر من ولايتين، هذا المقتضى القانوني تضرر منه الحزب كثيرا في الانتخابات السابقة حيث تقدم بمرشحين جدد لم يتعرف عليهم الناخبون، وهو ما تم تداركه في الانتخابات الأخيرة وجرى ترشيح عدد من الوجوه المعروفة مما سمح للحزب بتأكيد قوته في عدد من الدوائر الانتخابية في البوادي والمدن.

كل هذه المعطيات الداخلية تفاعلت فيما بينها لتخدم الاستراتيجية الانتخابية لحزب العدالة والتنمية، يضاف إليها شعور الناخب التركي بثقل العوامل الإقليمية وتأثيرها على مكانة تركيا وخاصة فيما يتعلق بالأزمة السورية التي أفرزت مأساة اللاجئين، وهو ما يتطلب قيادة تركية قادرة على قراءة التفاعلات الإقليمية وما تفرزه من تهديدات وفرص للفاعل التركي..

طبعا، من المؤكد أن هناك العديد من التهديدات الخارجية التي تواجه الولاية الحكومية الرابعة لحزب العدالة والتنمية، فالموقف التركي من الانقلاب العسكري في مصر والداعم بشكل واضح لقوى المعارضة، والمطالب باستئناف المسار الديموقراطي والرافض للمعطيات السياسية لما بعد 30 يونيو، خلف ارتدادات قوية من القوى الداعمة للانقلاب مما سيعقد من مهام الدور التركي في المرحلة القادمة في علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية وبدول الاتحاد الأوروربي وبالعديد من دول الخليج..

كل هذه المعطيات تجعل القوى الكبرى تتعامل بتوجس مع تركيا الصاعدة، يزداد هذا التوجس مع الموقف الإسرائيلي الذي ينظر بعين السخط لسياسات أنقرة ولمواقف الحكومة التركية الرافضة للاحتلال الإسرائيلي والداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني.

وحتى ما يعتبره البروفيسور داوود أوغلو بمثابة العمق الاستراتيجي، ينظر بعضه لعدم الرضا للديموقراطية التركية الملهمة للديموقراطيين في العالم العربي، في إمكانية استنبات ديموقراطية فريدة في العالم العربي متصالحة مع الدين وتؤمن بإمكانية العيش المشترك بين جميع الفرقاء السياسيين، بغض النظر عن مرجعياتهم الفكرية والمذهبية والسياسية..

وبغض النظر عن هذه التهديدات الحقيقية فإن تركيا اختارت مستقبلها مع العدالة والتنمية.. والقادم حافل بالمفاجآت…

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.