صوت العقل والحكمة

يمر الحزب بظروف عصيبة يعتبر الخطأ فيها مكلفا، ذلك أن وضعيته التنظيمية صارت رهانا سلطويا ونضاليا في الآن ذاته، والأخطر من ذلك أن التراشقات التي يخوضها البعض ضد البعض أصبحت تخدم الرهان السلطوي أكثر مما تخدم الرهان النضالي المراهن على تدبير ديمقراطي لخط سياسي واختيار تنظيمي.

لا حرج عندي أن يكون النقاش الديمقراطي على أشده بين مكونات الحزب، ولا حرج عندي أيضا أن تصطرع الأفكار على قاعدة تقدير مقابل تقدير، وعقل مقابل عقل، فهذا مفيد للتجربة ومغن لها، حتى ولو برز الاصطفاف أوانفرزت المعسكرات إذا صح أن نصف الوضع بهذا التوصيف.

قوة الأفكار وتباينها ليس مؤشرا على تفكك الحزب، بل مؤشرات التفكك تبدأ بتبخيس الأفكار ونسبها إلى حالات مرضية أو اتهام الإخوان أو تقديسهم أو التعبير عن مواقع بدل التعبير عن مواقف خادمة لخط سياسي إصلاحي.

من هذا المنطلق، أعبر عن رفضي لعملية بهدلة رموز الحزب كيفما كان تقديرهم السياسي، وأعتبر أن المسار الذي انخرط فيه عدد من الإخوة في تشويه مسار الأستاذ الرميد وغيره أو الزعم بوجود مؤامرة قادها إخوة في الحزب خدمة للتحكم، أعتبر أن هذه المسلكيات تقود إلى خلق شروط الانقسام.

وفي المقابل، أرفض الحملة التي يقودها البعض لنسبة تقدير سياسي إلى حالة نفسية أوعاطفية مرضية أو نسبتها إلى قطيع تابع يعيش وهم الماضي ولا يتمتع بأدنى درجة من الوعي الواقعي، كما أرفض أن تنخرط أي هيئة كيفما كانت، من خارج الحزب في مسار صناعة مستقبله.

أرفض مطلقا أن يقسم الحزب إلى أغلبية ناضجة وواعية تشتغل في الميدان وتفهم شروط الواقع، وأقلية مصدومة وبعيدة عن العمل الميداني، لم تتحمل صدمة إعفاء رئيس الحكومة.

الحزب الذي تربينا فيه يعلمنا أننا في اللحظات الصعبة، وبالتحديد حين يصعب علينا التوافق، نجتمع ويبدي كل واحد منا رأيه ويدافع عن اختياره وتحسم الآلية الديمقراطية الموقف.

حزبنا هو حزب المؤسسات، وحزب الفضاء الحر في التفكير، وحزبنا قبل هذا وذاك، ليس حزب الأمانة العامة وإنما هو حزب جميع المناضلين، والأمانة العامة بمقتضى مساطر الحزب وقوانينه ليست محصنة عن المحاسبة والمساءلة.

سنناقش بكل حرية، وسنقول رأينا ولن نجامل أحدا، ولن نخدم أحدا، متحررين من المواقع، غير مرتهنين لأي مصلحة سوى خدمة الخط الإصلاحي للحزب وتمنيع استقلالية قراره وحمايته من السلطوية، وبعدها فليأخذ الحزب وجهته، وليقرر كل واحد منا طريقه.