الحري يكتب: المغرب في حاجة إلى جرعات مكثفة من الديمقراطية والعقلانية

التفاعل مع الخطاب الملكي، بمناسبة ذكرى 18 لاعتلاء العاهل المغربي عرش المملكة، يؤدي بالمرء إلى القول أن المغرب يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى جرعات مكثفة من الديمقراطية والعقلانية، لإنعاش مسيرته السياسية والتنموية، وإنقاذها من وضعية الاحتباس و”البلوكاج” التي تعرفها، فتفعيل المبدأ الدستوري ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي أكد عليه الملك، يقتضي، من جهة أولى، حياة ديمقراطية حقيقية، تؤسس لممارسات رقابية مستمرة وناجعة وفاعلة، وتؤسس من جهة ثانية لحياة سياسية وإدارية ومؤسساتية ديمقراطية، قائمة على أرضية عقلانية، تضمن النجاعة والتنظيم والاستغلال الأفضل للموارد المادية والبشرية، وتفعيل القوانين واحترامها وتطبيقها على الجميع بكيفية متساوية.

والحقيقة أن كبار المثقفين بالمغرب ظلوا يرددون هذه الأطروحة منذ زمن بعيد فالراحل علال الفاسي، وكذلك الأمر نفسه نجده أكثر وضوحا عند المرحوم محمد عابد الجابري، والموقف ذاته ما فتئ المفكر المغربي عبد الله العروي يؤكد عليه في مختلف كتاباته وحواراته ذات الصلة بالوضع السياسي المغربي، آخرها حواره المهم مع قناة “سكاي نيوز”.

إن العالم اليوم يسير في اتجاه لا يطلب فيه من الدولة أن تحل كل مشاكل الناس، بقدر ما يتعين عليها أن توفر له الضمانات السياسية والقانونية والمؤسساتية التي تجعلهم قادرين على حل مشاكلهم، خاصة منها ذات الطبيعة المحلية والجهوية، بأنفسهم من خلال من يختارونهم بإرادتهم الحرة بعيدا عن تدخل الإدارة في فرض هذه الجهة الحزبية أو تلك على الساكنة، ضدا على الإرادة الحرة لتوجهات الكتلة الناخبة.

إن الانتخابات الحرة والنزيهة هي القادرة على تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث تستطيع الساكنة والفئات الناخبة عموما معاقبة الهيئات والأحزاب والشخصيات التي لم تف بوعودها الانتخابية، ولم تلب مطالب الناس التي منحتها أصواتها وثقتها.

وفي هذا الإطار تندرج مسؤولية الأحزاب السياسية الأخلاقية والوطنية، حيث يفترض فيها أن تقدم للناس أطرا كفئة قادرة على تدبير مشاكلها تدبيرا عقلانيا ونزيها، وقدرة على ليس تقديم أشخاص عديمي الكفاءة والقدرة على الفعل والمبادرة.. ذلك أن عددا من تجارب التسيير الجماعي بينت فقرا فادحا لدى أحزابنا السياسية في هذا الجانب الهام جدا.

لكن مهما كانت الصعوبات والمشاكل والعوائق فلا حل لمشاكل المغرب السياسية والتنموية إلى بمزيد من الديمقراطية والعقلانية، على كافة المستويات السياسية، من خلال تكريس القوة الرقابية للقوات الشعبية من خلال ممثليها في كافة المؤسسات المنتخبة، ومن خلال تجاوز اقتصاد الريع والاستفادة لفائدة اقتصاد الإنتاج والمنافسة، وهو ما سينعكس إيجاباعلى مستوى الحياة الاجتماعية للمواطنين المغاربة.