مؤتمر الاستقلال بين ضرورة التوافق الداخلي وحاجة المجتمع للحزب

قدر حزب الإستقلال أن يكون أول حزب يعقد مؤتمره الوطني 17 بعد غضبة الملك في خطاب العرش على الأحزاب السياسية، وبعد حراك الريف الذي أعاد مطالب حركة 20 فبراير إلى الواجهة وأخرج عبر ربوع البلاد مسيرات احتجاجية على تفشي الفساد في المؤسسات المنتخبة و الإدارات العمومية وتغول مافيات العقار ونهب المال العام بالموازاة مع تواري الأحزاب السياسية إلى الخلف، بعد أن تحولت إلى مجرد نوادي سياسية على حد توصيف عدد من المتتبعين.

قدر حزب الإستقلال أن يكون إذن أمام امتحان تخليق العمل السياسي و تأهيل الحزب عبر مأسسته من خلال تجسيد الديمقراطية الداخلية أفقيا وعموديا على مستوى التنظيم، واعتماد الحكامة والشفافية في تدبير الشأن الحزبي. وهذه المهمة تتطلب نقدا ذاتيا جماعيا وفرديا للتوجهات والممارسات التي زاغت عن مقاصد العمل السياسي النبيل وللاستقلاليين في ذلك عبرة ومنهل من مرجع تاريخي اسمه “النقد الذاتي” للزعيم علال الفاسي.

ولن يستقيم النقد ما لم يقم بتشخيص واضح لاختلالات المشهد السياسي الوطني و إعادة صياغة خارطة طريق جديدة للجيل الجديد من الاستقلاليين تؤسس للوضوح في الرؤيا والبراغماتية في الممارسة و مصارحة المواطنين.

لهذه الاعتبارات كلها أصبح الخوض في النقاش حول إصلاح أعطاب الممارسة السياسية ببلادنا فريضة عين على النخب والمثقفين لأن تعبيد المسار الديمقراطي وتقنين السير عليه وفق مقتضيات الدستور والقوانين التنظيمية يتطلب وجود أحزاب سياسية حاملة لمشاريع مجتمعية، وإن كانت متعددة المشارب فإنها تتوحد مبدئيا على قواعد العيش المشترك للمجتمع ولثوابته الوطنية.

فلا بناء ديمقراطي بدون أحزاب سياسية فاعلة ومبادرة تستمد قوتها من قواعدها الاجتماعية ونخبها المثقفة، وتفرض حضورها في المشهد السياسي بقوتها الاقتراحية وتأثيرها في الرأي العام.

وانطلاقا من ذلك، يتعين على الاستقلاليين وهم في غمرة التحضير لمؤتمرهم الوطني، جعل هذه المحطة التنظيمية بالنظر إلى طبيعة سياقها المأزوم سياسيا واجتماعيا، محطة تأسيسية لمرحلة جديدة، تتطلب جعل مرتكزات الحزب وبنائه الفكري والنظري التاريخي، دعائم أساسية في تجديد مشروعه المجتمعي على ضوء المتغيرات، وتطوير آليات اشتغاله وإبداع الصيغ الممكنة لترسيخ ثقافة الحوار بين التيارات وتدبير الاختلاف بالاحتكام للاليات الديمقراطية.

نجاح الاستقلاليين في هذا الامتحان مدخله المؤتمر الوطني، و أرضيته الصلبة المخرجات الفكرية والتنظيمية لهذا المؤتمر، والإختيار الأنسب للقيادة القادرة على ترجمة توصياته إلى ممارسة وتحقيق التغيير المنشود.

وبالنظر إلى قرب موعد المؤتمر الوطني للحزب، سيكون من الأفيد للاستقلاليين أن يحسنوا تدبير الزمن السياسي، واستثماره في تقوية الصف الداخلي وتوفير الأجواء المناسبة لما قبل وأثناء وبعد المؤتمر، لأن التوجه نحو هذه المحطة التنظيمية بمنطق الاصطفافات لن يفضي إلا إلى مزيد من التشرذم وتصفية الحسابات التي ستضعف التنظيم لا محالة.

وعليه فإن التحدي الأكبر أمام الاستقلاليين هو الحرص على مصلحة الحزب المرتبطة بالمصالحة بين أبنائه وتعايشهم تحت سقفه، بمنطق لا غالب ولا مغلوب؛ استلهاما لتجربة الرواد الذين كانوا يتوافقون على شخصية الأمين العام قبل انعقاد المؤتمر.

لن أكون من خلال هذا المقال متطفلا على الشأن الداخلي للبيت الاستقلالي، ولن أكون منحازا لطرف دون آخر إن قلت بأن نزار بركة له من الخبرة والمؤهلات ما يجعل منه شخصية التوافق بين الاستقلاليين، ولا شك أن حفيد علال الفاسي بحسه الأخلاقي سينجح في إعادة اللحمة بين أطراف الصراع في الحزب وسيضمن التوازن بين مكوناته.

السيد حميد شباط الأمين العام للحزب، يعي جيدا صعوبة انتزاع ولاية ثانية على رأس الحزب، ويدرك بما لديه من معطيات بأن الإصرار على ترشحه سيكون مكلفا ونجاحه غير مضمون. و سيكون في مستوى المرحلة إن هو تراجع عن قرار ترشحه للأمانة العامة وانخرط في مصالحة مع خصومه انتصارا لوحدة الحزب وإرثه التاريخي.

هذا التوافق حول ترشيح نزار بركة سيتيح للاستقلاليين ترشيد ما تبقى من الوقت لإنجاح مؤتمراتهم الإقليمية وأشغال اللجنة التحضيرية ليكون المؤتمر الوطني خير جواب لتطلعاتهم وتطلعات الرأي العام، إضافة إلى كونه بوابة الولوج من جديد إلى تدبير الزمن الاجتماعي للبلاد الذي أصبح محتاجا إلى جميع القوى الحية لحلحلة الاحتقان والالتفاف من جديد حول وحدة الوطن وكرامة المواطن.

ولن نبالغ إذا قلنا أن كل الشروط الذاتية والموضوعية متوفرة أمام الاستقلاليين ليصنعوا الحدث في مؤتمرهم الوطني.

* باحث في تاريخ المغرب المعاصر (تخصص التنظيمات السياسية).