هل التعليم الخصوصي يختلف عن تربية المواشي؟

الرأي ليس حقيقة وإنما هو نتيجة فكر وتحليل واستعمال أمثلة مجازية لتبسيط الرؤية. كما هو خاضع للمشاورة بطبيعة الحال. أبدأ تحليلي بهذا التوضيح حتى نتفادى أي سوء فهم أو تأويل لم اقصده.

في مجال تربية المواشي نحن في حاجة إلى 5 عناصر:

1- “الكْسّابْ” هو المُمول لمشروع تربية البهائم وهدفه الوحيد هو كسب أرباح مالية عالية ولو على حساب القيم وهذا ما رأيناه في ظاهرة اللحوم الزرقاء في عيد الأضحى.
2- “البهائم” تعتبر منتوجا لا اقل ولا أكثر ودون الحيوان لأن للحيوان حقوقا.
3- “العْلْفْ” هي مأكولات البهائم وجودتها تنعكس على درجة وسرعة نمو البهيمة لإنتاج أرباح قصوى من اللحوم.
4- “السّْرّاحْ” هو الراعي الذي يهتم بالبهائم
5- “الكوري” هو الإسطبل لحماية البهائم من قسوة الجو وليس رأفة بها بل حفاظا على المنتوج

في مجال التعليم نحن كذلك في حاجة إلى 5 عناصر:

1- “مولْ الشّْكارَة” هو “الكْسّابْ”! ولا فرق بين “مولْ الشّْكارَة” سواء في التعليم العمومي أو الخاص. همه الوحيد الربح وتحويل التلميذ إلى منتوج بالسهر على جودة “دماغه” فقط.

2- “التلاميذ” هم “البهائم”. يجب رفع مستوى (وزن) دماغ التلميذ للحصول على مردودية كبيرة ونقط مدرسية عالية على حساب راحته وسعادته وتربيته على القيم. مثل البهيمة بالنسبة لِ”الكْسّابْ، ما كَيْ هْمُّو سوى كِلوّاتْ اللحم”. بطبيعة الحال “مولْ الشكارة” لا يتشاور مع التلاميذ ولا يعرف كيف هي وجوههم أو حتى “رْيوسْهُمْ” ولا يتحاور معهم ولا يصغي إليهم مثل “الكْسّابْ” ليس بأحمق ليتشاور مع البهائم وهو الذي يعرف جيدا احتياجاتهم لرفع منتوج اللحوم. “مولْ الشّْكّارَة” كذلك لا يبحث سوى على تقنيات الرفع من منتوج الأدمغة عند التلاميذ.

3- “البرامج التعليمية” هي بمثابة “العْلفْ” للبهائم. “الكْسّابْ” يطلب من مهندس التغذية اختراع علف بإمكانه رفع مستوى منتوج اللحوم دون اهتمام بما إذا كانت سلامة وراحة وسعادة البهيمة في حاجة إليه. في التعليم نفس الشيء، يطلب “مولْ الشّْكارَة” من صناع البرامج التعليمية اختراع برامج تضاعف حجم الأدمغة بدون أدنى اهتمام بسعادة الطفل وتوازن شخصيته وتربيته على القيم الروحانية والإنسانية. “الكْسّابْ” يحول البهيمة إلى “لحوم” ومول الشكارة يحول الطفل إلى دماغ فقط لكسب “باشْ يْكونْ شِي حاجَة” بمعنى يكون له أعلى راتب شهري عند كبره. “الكْسّابْ” لا يتشاور مع البهيمة حول نوع العلف الذي هي في حاجة إليه و”مول الشكارة” لا يتشاور مع التلميذ حول نوع البرنامج الذي هو في حاجة إليه.

4- “الأستاذ” بمثابة “السّْرّاحْ” للقطيع. “الكْسّابْ” يعتبر “السّْراحْ” وسيلة لتحقيق الأرباح ولا يتشاور معه في اختيار أنواع البهائم ولا في إي شيء ويعتبره “هِي سْرّاحْ” لا أقل ولا أكثر. وهذه العلاقة المهينة المريضة تخلق عدة نزاعات بحيث “السّْرّاحْ” لا يعتبر نفسه شريكاً في هذا المشروع ويحاول استغلال كل المواقف للنصب على “الكْسّابْ”. ففي التعليم نرى نفس النزاعات لأن “مول الشكارة” لا يأخذ برأي الأستاذ ولا يصغي له ولا يجعله شريكا في مشروع المدرسة. كما لا يهتم بسعادته وراحته وراحة عائلته ولهذا ترى عائلات التعليم ممزقة، الزوج موظف في بوادي الحسيمة والزوجة في جرادة مثلا. فينتهي الأمر بالأستاذ ليرى أن وظيفته لا تختلف عن “سْرّاحْ البْهايْم”.

5- “المنزل العائلي للتلميذ” هو بمثابة “الكوري” يستقبل الطفل ويوفر له أدنى حاجاته. “السّْرّاحْ” يعتبر البهيمة منتوجا فقط وليس كائنا حيا له حقوق. والمنزل العائلي يعتبر كذلك الطفل كَ”دماغ” فقط يجب عليه الحصول على أقساط (أرباح) عالية من النقط. هل “السّْرّاحْ” و”الكْسّابْ” يهتمان بنفسية البهيمة وتوازنها قبل كيلوات لحمها؟ هل “المنزل” و”مول الشكارة” و”الأستاذ” يهتمون براحة وتوازن وسعادة الطفل قبل مردودية النقط؟

إذا كانت البهيمة في حاجة للعلف فالطفل ليس في حاجة إلى برامج “عَلفِيَّة” بل هو في حاجة لمن يساعده على استخراج كل القدرات الكامنة بداخله كمنجم الألماس. الطفل ليس بهيمة بل هو إنسان أكثر رشدا وعدلا وإنصافا من “السّْرَّاحْ” و”مولْ الشكارة” وهو في حاجة إلى الاحترام والحب والحنان والعطف وإلى المساعدة والمرافقة لتحقيق “ما يرغب في أن يكونَ، وليس ما نرغب في أن يكون”.

إخواني المغاربة نحن في أزمة “الحوار والمشاورة” و “أزمة المفاهيم”.

* خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

loading...

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك