تعويم التعليم

يصعب في بداية الأمر أن تشرح كيف تسلل مصطلح “التعويم” من تحت أبواب وزارة المالية ليعانق جدران وزارة لا ترى في موظفيها إلا مجرد أرقام تسد الخصاص داخل حجرات الدراسة، ولكن حسبنا من التعويم ما أصابنا من بلل القرارات التي لا تبشر إلا بالغرق.

التعويم الذي بث الرعب في قلوب المغاربة وتحدث عنه الكل؛ جاء في وقت حساس ومتزامن مع ارتفاع القدرة الشرائية التي تشهدها الساحة الإقتصادية، الأمر الذي جعل الصغير والكبير يبحث عن ماهية المفهوم ويتساءل في رعب هل سيمس ذلك دراهمه المعدودة أم لا!

ومع أول نقرة في محركات البحث ستجد أن معنى التعويم في حقل الاقتصاد يعني:”تحرير سعر الصرف للعملات الأجنبيّة مقابل العملة الوطنيّة”، أي أن الدرهم المغربي لم تعد قيمته مرتبطة بالدولار والأورو وإنما بقوة العرض والطلب التي تفرزها القوى الاقتصادية داخل البلد وخارجه.

الشاهد في هذا كله أن مؤسسة مثل وزارة المالية تشكل حساسية بالغة لدى الرأي العام، الأمر الذي تطلب التمهيد له لأشهر مع طمأنة المواطنين بكل أنواع الشرح المتاحة للعقل البشري، بكل بساطة لأن القضية قضية مال أولا وأخيرا، أما حينما يتعلق الأمر بصناعة الإنسان وبناء الفكر فمصطلح التعويم ينخر جذور وزارة التربية الوطنية في صمت مطبق، حدث ذلك(ولازال يحدث) حين قررت الحكومة تحرير صرف التعليم مقابل الكفاءة والجودة، فبعد أن كانت الوزارة الوصية تصون هاتين العملتين النفيستين، قررت (في صمت) أن تتحرر من هذا العبء الذي هو أصل وجودها، لتصير قيمة التعليم مرهونة بقوة عرض الأستاذ وطلب التلميذ داخل المنظومة التربوية.

والسؤال هنا ليس هو؛ لماذا أقدمت الوزارة على تعويم التعليم في بحر ساحله الأستاذ وأمواجه التلاميذ؟ وإنما السؤال الذي يجب أن يطرق باب فكر من يدّعون الإصلاح هو: ماذا قدمت الوزارة لهذا الأستاذ حتى تضمن عدم تضخم الجهل داخل الصندوق التربوي!؟

إن هذا التعويم الذي يشهده التعليم في السنوات الأخيرة داخل دولة المغرب لا يبشر بخير على مدى الأعوام القادمة، فمشاكل المال يحلها المال، ومصائب الجهل لا تحلها الأموال، نجد هذا الخطر جليا في كثير من القرارات التي لا تحمل في طياتها إلا اللامبلاة بمصير هذه الأمة، من ضمن ذلك قانون التعاقد الذي يجعل من طالب الإجازة أستاذا مباشرة بعد المباراة من غير تدريب ولا تكوين، ليجد نفسه في نهاية المطاف أمام بحر أمواجه أكبر من سقف التوقعات التي كانت يرسمها قبل ولوج هذا العالم، لانشكك هنا في مدى كفاءة المتعاقدين، ولكن في قدر المسؤولية التي تتحلى بها الوزارة لتضمن هذه الجودة وتلك الكفاءة.

أشد من هذا المشهد نجده حين قررت وزارة التربية الوطنية الإنفتاح على “تعويم التعليم”، وذلك من خلال حرمانها موظفيها قبل سنتين من حق الترقي بالشهادة، والذي كان يعتبر أقل حافز يأتي به الأستاذ بعرق جبينه ومن ماله الخاص حتى ينمي معارفه ويصقل مواهبه ثم ليمرر كل ذلك إلى المتعلمين على طبق من معرفة، ولكن سياسة التعويم التي تنهجها الوزارة لم تعد تعترف بالشهادة كأداة لتحفيز موظفيها بل أسلوبا لتحطيم رحلة علم عرفها كل أستاذ، فالشهادة التي كانت تعد حافزا قويا ينتزعه الأستاذ بجهده الخاص في وزارة تشهد فقرا قاتلا في تشجيع موظفيها؛ أصبحت معول هدم للطاقات وتهميش للقدرات، وإلا فماذا تنتظر من وزارة عجزت عن حماية الأستاذ داخل الفصل فضلا على أن تجرم مثل هذه الاعتداء ات التي باتت نكتا لدى عوام الناس، وأما ما تجيد الحكومة الاجتهاد فيه هو أجرة الأستاذ الهزيلة التي تشهد اقتطاعات إصلاح صندوق التقاعد الذي نهبه غيره.

إن قطاع التربية بالمغرب يشهد مرحلة تُعزِّز لتحرير التعليم عن الكفاءة والجودة في ظل غياب كل المؤشرات التي تحفظ للتعليم ماء وجهه، وهذا الإنفصال الخفي (بين التعيلم والكفاءة والجودة) لا يلمسه إلا هيأة التدريس التي تعاني من كثرة القرارات الظالمة الملقاة على طاولتها، وعوض أن تشرع الوزارة في فتح حوار لحل الملفات العالقة وضخ مزيد من الأمل في صفوف الأطر التربوية؛ فهي تكتفي بلغة التعويم التي تتخذ من صمتها حوارا لا عنوان له إلا الغرق.

وإذا كانت فرضية الاقتصاد التربوي قائمة على مدى قوة عرض الأستاذ وتلقي التلميذ، فلابد من الوزارة أن تحمي هذا الرأس المال البشري الذي يضمن سلامة المجتمع وأمنه، الحماية التي تتمثل في التكوين والدعم والتحفيز.. وإلا صدحت الحناجر لتسترد ما سلب منها من حقوق لا زال خيطها الناظم مجهول النهاية، وفي انتظار ما يخبئه القدر لهذه الأمة سيظل التعليم العملة التي لا تقبل المساومة، صحيح أنها تذبل.. لكنها لا تموت.

*أستاذ بالتعليم الثانوي الاعدادي

loading...

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك