#الأضحية_ليست_سادس_الأركان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه:
نظرا للغلو الذي يعيشه مجتمعنا المغربي وبعض المجتمعات العربية والاسلامية في تطبيق شعيرة الأضحية انقدحت إلى ذهني وجهة النظر هذه:
أتمنى أن يعلن العلماء وكل ذي جمهور ومتابعين أنه لن يضحي هذه السنة وإن وجدت الاستطاعة حتى تعود الأضحية إلى مرتبتها الحكمية -سنة مؤكدة- إذ كادت تنافس أركان الإسلام على مرتبتها لتصير سادس الأركان…

كانت هذه الوجهة تراودني منذ زمان إلا ان (تمغرابييت) في الأضحية ظلت طاغية حتى بحت بها الآن في سهو منها!!
انتقادات وأجوبة:
ومما وجه لوجهة النظر هذه من انتقادات: كونها وجهة نظر…

فقلت: وما العيب في أن تكون وجهة نظر وثلاثة ارباع الفقه اجتهاد ووجهات نظر وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قوة الاساس في شريعتنا وامتداد وشموخ البناء فيها…
فلا ينبغي ان ننكر على المضمون او نقلل من شأنه لأنه وجهة نظر ولكن ينبغي أن نناقش المضمون نقاشا علميا موضوعيا بغض النظر عن قائله…

ومما وجه لها من انتقاد أنها مردودة
فقلت: حكم دون تدليل او تعليل إذ الاصل أن تسألوا أولا او تتساءلوا عما هو دليل من دون وجهة النظر تلك…وإن كنتم قد دللتم وعللتم سبب الرد دون طلب دليل من قال بها…

حكمكم على هذه الوجهة بأنها تعطيل لسنة مجازفة وظلم لقائلها وإن كنت أوقن أنكم لا تقصدون ذلك لأن تعطيل حكم شرعي لمجرد التعطيل بريد الى الفسق او الكفر وهذا ما أظنكم تبرئون ساحتي منه لأنني معلوم عندكم بتظافر الشواهد والشهادات…

وكما لا يغيب على كل ناظر في صغار كتب الأصول والمقاصد أن كثيرا من العلماء وعلى رأسهم إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله قد زهد الناس في كثير من السنن بل قد منعهم من القيام بها لما رأى من غلو وتشدد في تطبيقها والقيام بها مع تظافر وتوفر ما يساعد على القيام بها كقوله في صيام الست من شوال مثلا…

فهل نقول بأن الإمام مالك قد عطل السنة مع توفر ما يساعد على القيام بها ونرتب على هذا الحكم المجتث أحكاما أخرى
مثال آخر قول شيخ الاسلام ابن تيمية ترك المستحب مستحب لتأليف القلوب

هل هو تعطيل للسنة من شيخ الإسلام؟؟
وقد ذكرت ما حضرني من الأمثلة في هذا التعليق المقتضب دون رجوع إلى مرجع او مصدر وإلا فالكتب مليئة بنماذج أخرى…

ومما وجه لوجهة النظر هذه أنها دعوة الى تعطيل سنة مؤكدة إذ الأصل إحياؤها…
فقلت: الإحياء يكون بعد الموات وهذه الشعيرة لا تحتاج إلى إحياء بل فيها من مخزون الحياة ما هو أكبر من حجمها وحكمها ما يستدعي إلى التقصيد منه ومنح ذلك الزائد لسنن أخرى بل واجبات وأركان قد انتهت او أوشكت على ذلك…

والاحياء كذلك له خصوصيات ومقومات وشروط ومقاصد وأهداف وثمار…
فلما ندعو مثلا إلى إحياء الايمان في القلوب فهل معناه أنه مفقود او غير موجود
الجواب: لا

ولكنه بني على مفاهيم مغلوطة غير صحيحة ومقاصد بعيدة النجعة غير ما شرع له
لذلك يكون احياؤه بتصحيح تلك المفاهيم وتعديلها وتوزينها وتقصيدها وتهذيبها بما يوافق تشريعها…

ومن هنا وجهة النظر هذه هي في الحقيقة إحياء لهذه الشعيرة لأنها رد لها إلى نصابها ونصالها ووضع لها في محلها الذي شرعها الله عزوجل فيه…
ومما وجه لهذه التدوينة من انتقاد أنه ليس جميع الناس يتعاملون مع الاضحية بذلك الفهم المشين…

فقلت: (ليس) هنا تحتاج الى تدليل واحصاء
وإن كان عكسها واضحا باديا لكل من عاش ولو لفترة وجيزة في مجتمعنا أن الاضحية خرجت من زمن بعيد عن روحها التشريعي عند الصغير والكبير والعامة والنخبة والعالم والجاهل وعند كل أطياف المجتمع وإن بقيت فئة تتعامل معها بروحها ومقصدها فهي نزر يسير لا يكاد يرى بالعين المجردة والنادر في الغالب لا حكم له في شريعتنا

إذ شريعتنا أغلبية توازن بين النظر الفردي والنظر الجماعي والنظر الواقعي والنظر المآلي…
ولو كان الإمام مالك بيننا ورأى واقعنا لمنعنا من هذه السنة المؤكدة حتى نقيم سننا وواجبات وأركان أخرى…
ومما وجه لوجهة النظر هذه من اعتراض أن هناك من يختار أضحيته بناء على مواصفاتها في السنة…

فقلت: من مواصفاتها وضعها محلها
من مواصفاتها عدم الغلو في تقديسها
من مواصفاتها عدم تقديمها على ما هو أهم منها
من مواصفاتها عدم اقتراف الحرام لتحصيلها
من مواصفاتها موافقة مقصد الشارع في تشريعها

هذه المواصفات هي أهم من كونها ترى في سواد وتمشي في سواد وتأكل في سواد وكونها مليحة سمينة إذ قد يلهث كثير من الناس خلف هذه المواصفات وقد ضيعوا حقوقا كثيرة بل قد وقعوا في محظورات ولهذا لعمري بعد مشين عن مواصفاتها الشرعية…
ومما وجه لها من انتقاد أنها تنافي الدعوة إلى التأسي بالرسول الأعظم
فقلت: فهذا أصل متفق عليه لا يختلف فيه اثنان…

ومن التأسي بالرسول الاعظم أن تكون السنة الجماعية والشعيرة المجتمعية موافقة لما سنه نبي الحكمة والرحمة صلى الله عليه وسلم…
ومما سدد لهذه الوجهة من نقد إنها تعفي العلماء من واجبهم الإرشادي والدعوي
قلت: هذا الحكم فيه نظر
لا شك أن واجب العلماء هو الارشاد والتوجيه للزوم شرع الله كما شرع ولما من أجله شرع

وهذان الاصلان مهمان لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر ولكننا مع الاسف كثيرا ما نركز على (كما شرع) ونجهل او نتجاهل (لما من أجله شرع) وهنا وهوى الفكر الظاهري الحرفي الذي جمد عند الحرف وداس على المقصد ومن هنا جاء كتابي التعليل بالحكمة…على غرار غيره من كتب علمائنا ومشايخنا في هذا المجال…

ومن طرق قيام العلماء بواجب الارشاد مراقبة مؤشرات التطبيق فكلما رأوا مؤشرا لسنة قد فاق مؤشرات لواجبات او أركان سارعوا إلى تعديله بشتى طرق الارشاد والتوجيه القولي والعملي والاجرائي
ومن تلك الطرق التي ورثناها عن علمائنا القول بتحجيم سنة او توقيف العمل بها سدا لذريعة الغلو فيها او تجاوزها حدها وهذه لعمري طريقة سنية أثرية لا غبار عليها…
ومما وجه لها من نقد إنه لمن المستغرب أن نطالب بهذا في ظل واقع مأزوم بالجهل والتجهيل…

فقلت: فمن صور الجهل والتجهيل المجتمعي القيام بشرعيات على غير ما شرعت له والغلو في تطبيقها حتى تصل بأرباب الربا إلى ملء الجدران بأعلانات الترغيب في تطبيقها
فهل هناك جهل وتجهيل أكبر من هذا…
وسبب ذلك أمعان مجتمع بأكمله في الغلو في هذه السنة المؤكدة…

ومما قابلته هذه الوجهة من انتقاد: لا أن نطالب هؤلاء لأن يقوموا بما يجب عليهم من ترشيد خطوات تطبيقها في حياة الناس…
قلت: لا محاشاة في طرق ذلك الترشيد ومنه ما ذكرت وقد دللت على أنه طريقة سنية أثرية لا غبار عليها…
أما ذوي الجمهور والمتابعين

فالترشيد والارشاد والتعاون على الاصلاح ليس حكرا على أحد فكل ذي جمهور او متابعين يمكن ان ينخرط في سلك الارشاد والترشيد بغض النظر عن توجهه وإن كان مخطئا في غيرها فإنه قد يكون مصيبا في هذه وكلنا ذلك الرجل…
ومما وجه لها من نقد أن ذوي الجمهور والمتابعين والمتبنين لهذه الوجهة من الذي أهلهم لذلك…

قلت: هذا تجاوز الى دائرة المناقشة الموضوعية إلى متاهات الازدراء التي ليست من العدل والانصاف لا من قريب ولا من بعيد ولو خضنا هذا الغمار لتهنا وأتهنا غيرنا لذلك لنبق في دائرة الموضوعية ومناقشة حيثيات وجهة النظر…
ومما اعترضها من نقد أن فيها شطبا لسنة مؤكدة…
قلت: هذا ليس شطبا وإنما هو تهذيب وإرجاع للأمر إلى نصابه كما سبق التدليل عليه

والشطب في الحقيقة هو الغلو في فعل سمي أضحية هو في مبعدة عن التطبيق الشرعي…
ومما وجه لها من نقد أنها مجرد فهم شخصي…
قلت: كل فهم هو شخصي حتى ما ذكرتموه في هذا لانه منطلق من شخصكم بعد نظر وتأمل…
وهذا شأن كل رأي ووجهة نظر واجتهاد

إذن فليس عيبا ان يكون فهما شخصيا ولكننا ينبغي ان نناقش أدلته وحججه وقد سبق جزء منها ولو اسعف الوقت لذكرت أجزاء أخرى…
مما وجه لها من نقد: ماذا بعد هذا التعطيل؟!
قلت: هو ليس تعطيلا كما سبقت الاشارة إليه وإن سلمنا بكون تعطيلا ولا أرى أي ثلمة في وصفه بذلك فالسؤال وجيه جوابه:

أن جزء لا بأس به من الناس سيعتدلون في تطبيق هذه الشعيرة وسيزول سيف الارهاب المجتمعي المسلط على رقاب كثير من الضعفاء وغير القادرين على شراء الاضحية وسيزهد ارباب الربا في هذه الفرصة المربحة وستخفي لافتات الترغيب في الاقتراض الربوي لتطبيقها زعما!!!
وسيصبح الامر طبيعيا على المستوى الاجتماعي

فمن استطاع اشترى الاضحية ومن لم يستطع لم يشتر والكل في العيد فرحون مسرورون دون هم قبلي ولا بعدي…
ومما وجه لها من اعتراض: وما الحجج المعتبرة من الكتاب والسنة…
قلت: قد سبق الاشارة إليها وكلها من الكتاب والسنة فهما وقصدا ومآلا…وسيأتي بعض ذلك لاحقا…
ومما وجه لها من نقد أنها: مجانبة للصواب

قلت: حكم بغير تدليل وتبقى وجهة نظر محترمة خاصة بك وبمن حدا حدوك…
فالحكم بمجانبة الصواب يأتي بعد مناقشة مقدمات وجهة النظر تلك…
ومما احتج عليها به أن الناس لا تحتاج إلى هذا…

قلت: منظومة الاصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر تبنى على جلب المصلحة ودرأ المفسدة
وجلب المصلحة سلم فيه جلب المصلحة ووضع تلك المصلحة محلها دون ان تطغى على مصالح أخرى مثلها او أولى منها ودون أن تؤدي إلى مفاسد أخرى…

ودرأ المفسدة لا يقتصر كما ذكرتم على مقاطعة الحرام إذ هو جزء منه فدرأ المفسدة منظومة لها سلم دقيق وأحسن من تكلم في هذا سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى…
فلا تنافي بين الدعوة الى مقاطعة الحرام والدعوة الى تصحيح مفهوم الجائز بكل مراتبه وتعديل طريقة تطبيقه وعدم اخراجه عن نصابه فكما نهى الله تعالى عن تحليل الحرام نهى عن تحريم الحلال بل قدم هذا على ذاك ووجهة النظر هذه منطلقة من هذا الميزان الشرعي الدقيق…
ومما اعترضها من نقد: أنها تتقاطع مع دعوات مناوئة للشريعة…

قلت: التقاطع ليس دليلا على مجانبة الصواب إذ توافق الشرعيات مع أقوال بعض المخالفين ليس علامة ولا أمارة على موافقتهم في مقاصدهم وفي كل بضاعتهم فمثلا موافقة أهل السنة للمعتزلة في عدم التكليف بما لا يطاق ليس دليلا على موافقة مقاصد أهل السنة وأدلتهم لمقاصد المعتزلة وادلتهم إذ قد تتفق النتائج مع اختلاف المقدمات كما هو معلوم في علم الأصول والمنطق والكلام…
أولئك يدعون إلى اجتثاث الشريعة ونحن ندعوا إلى بنائها بناء قويما موافقا لشرع الله على ما أراده الله…

ومما اوقفها من انتقاد أن بيان درجة الأحكام تتأى بغير هذا…
قلت: وجود وسيلة أخرى لا يدل على مجانبة غيرها للصواب فوسيلة سد الذريعة هي إيقاف العمل بالشرعي إذا كان ذريعة يقينية او ظنية إلى ما هو غير شرعي وهذه وسيلة متفق عليها بين جميع المذاهب وان اختلفت درجة تطبيقها

ومنهج الإمام مالك مع كثير من الشرعيات بهذه الوسيلة دليل على أنها وسيلة سنية أثرية…
ومما وجه لها من نقد: أن الاضحية مختلف في وجوبها….
قلت: هذا أمر معلوم معروف ولكنني أخاطب من يقتنع بكونها سنة مؤكدة وليس من يقول بوجوبها ونحن في بلد يقول مذهب أهله أنها سنة مؤكدة…
ثانيا كلامي موجه إلى المجتمع المغربي وكل مجتمع قد غالى في هذه الشعيرة وتطرف في تطبيقها…

وإن قلنا بوجوبها فإن استفاض أن تطبيق هذا الواجب يؤدي إلى مفاسد اجتماعية واقتصادية واخلاقية واجتماعية بل إنه يطبق بطريقة مشوهة بعيدة عن كل مقصد شرعي
فعلى العلماء التدخل لتعديل هذا التطبيق وتصحيح هذا المفهوم بشتى الوسائل ومنها إعلان عدم القيام به كما فعل أحد الصحابة وأظنه بلال لما ضحى بديك وقال لمن معه اخرج إلى السوق وأعلن أن هذه أضحية بلال إعلانا منه لخطورة التجاوز والتطرف في تطبيق هذه الشعيرة…

ومما وجه لها من اعتراض: ومع القول بأنها سنة مؤكدة لا يعني أنها لا ينبغي الحرص عليها…
قلت: هذا لا شك فيه وادى كتب الاصول تبين أن السنة المؤكدة ما واظب عليه النبي صلى الله وسلم
ولكنها سنة أي طريقة لها شروطها ومقاصدها ومآلاتها وثمارها وأي تطبيق لها على غير هذا فليس من السنة في شيء فأنا لا ادعو إلى تعطيل السنة المؤكدة ولكنني ادعو إلى تعطيل هذا التطبيق المشوه المشبوه الذي تواطأ وتوافق عليه المجتمع…

ومما احتج عليها به: قول النبي صلى الله عليه وسلم من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا
قلت: فهل هدي هذا الحديث هو ما نشاهده في تطبيقنا المعاصر
هل فهم هذا الحديث في منظومة فهم مقاصد الشريعة؟

أغلب من يضحي اليوم ليس له سعة إذ تسلط عليه سيوف الارهاب الاجتماعي فيسعى إلى ايجاد تلك السعة جاهدا وإن أثقل كاهله بدين أو اقترف محرما وعرض كرامته إلى ابتذال من أجل تطبيق سنة مؤكدة قد أضيعت سنن أهم منها بل واجبات ولم نشهد حرصا كهذا…
فوجهة النظر هذه هي فل لسيف الارهاب المجتمعي المسلط حتى تعود هذه السنة المؤكدة الى نصابها ومقصدها الذي من أجله شرعت…
وهذا الرد يشمل الدليل الثاني…

ومما وجه لها من نقد أنه يكفي الداعية بيان حكمها الاخطاء التي تصاحبها…
قلت: هذا البيان قد يكون قوليا وقد يكون عمليا وذلك بهذا الاجراء الذي قد يخفف على كثير من الناس وطأة الارهاب الذي يعصرهم من كل جانب ليوفروا مبلغ الاضحية
وسيؤدي إلى غياب استغلال أرباب الربا لهذه الفرصة المربحة لهم حيث يثقلون كواهل الناس بالربا لمساعدتهم لتطبيق سنة مؤكدة او واجب…

أختم هذا المقال بكلام دقيق نفيس للإمام الشاطبي في موافقاته الذي أرجو من كل مهتم بتمعن وموضوعية فقد عقد الإمام الشاطبي مسألة ذكر فيها أن المندوب من حقيقته استقراره على ندبه وأن لا يسوى بينه وبين الواجب لا في القول ولا في الفعل كما لا يسوى بينهما في الاعتقاد فإن سوي بينهما في القول أو الفعل فعلى وجه1 لا يخل بالاعتقاد، وبيان ذلك بأمور:

أحدها:
أن التسوية في الاعتقاد باطلة باتفاق، بمعنى أن يعتقد فيما ليس بواجب أنه واجب، والقول أو الفعل إذا كان ذريعة إلى مطلق2 التسوية وجب أن يفرق بينهما، ولا يمكن ذلك إلا بالبيان القولي والفعل المقصود به التفرقة، وهو ترك الالتزام في المندوب الذي هو من خاصة كونه مندوبًا.

والثاني:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بُعث هاديًا ومبينًا للناس ما نزل إليهم، وقد كان من شأنه ذلك في مسائل كثيرة؛ كنهيه عن إفراد يوم الجمعة بصيام أو ليلته بقيام، وقوله: “لا يجعل أحدكم للشيطان حظًّا في صلاته” ، بينه حديث ابن عمر، قال واسع بن حبان: “انصرفت من قبل شقي الأيسر، فقال لي عبد الله بن عمر: ما منعك أن تنصرف عن يمينك؟ قلت: رأيتك فانصرفت إليك. قال: أصبت، إن قائلًا يقول: انصرف عن يمينك، وأنا أقول: انصرف كيف شئت، عن يمينك وعن يسارك”.

وفي بعض الأحاديث بعدما قرر حكمًا غير واجب: “من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج”
ثم قال:
إلى غير ذلك من الأمور التي بينها بقوله وفعله وإقراره مما خلافه مطلوب، ولكن تركه وبينه خوفًا أن يصير من قبيل آخر في الاعتقاد.
ومسلك آخر، وهو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يترك العمل وهو يحب أن يعمل به؛ خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، قالت عائشة: “وما سبح النبي -صلى الله عليه وسلم- سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها”.

وقد قام ليالي من رمضان في المسجد؛ فاجتمع إليه ناس يصلون بصلاته، ثم كثروا فترك ذلك، وعلل بخشية الفرض.
ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يفرض بالوحي، وعلى هذا جمهور الناس.
والثاني: في معناه، وهو الخوف أن يظن فيها أحد من أمته بعده إذا داوم عليها الوجوب، وهو تأويل متمكن.

والثالث: أن الصحابة عملوا على هذا الاحتياط في الدين لما فهموا هذا الأصل من الشريعة، وكانوا أئمة يقتدى بهم؛ فتركوا أشياء وأظهروا ذلك ليبينوا أن تركها غير قادح وإن كانت مطلوبة؛ فمن ذلك ترك عثمان القصر في السفر في خلافته، وقال: “إني إمام الناس، فينظر إلي الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين؛ فيقولون: هكذا فرضت”، وأكثر المسلمين على أن القصر مطلوب.
وقال حذيفة بن أسيد: “شهدت أبا بكر وعمر وكانا لا يضحيان مخافة أن يرى الناس أنها واجبة”، وقال بلال: “لا أبالي أن أضحي بكبش أو بديك”.

وعن ابن عباس أنه كان يشتري لحمًا بدرهمين يوم الأضحى، ويقول لعكرمة: “من سألك؛ فقل هذه أضحية ابن عباس، وكان غنيًّا”.
وقال بعضهم: “إني لأترك أضحيتى وإني لمن أيسركم؛ مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة”.
وقال أبو أيوب الأنصاري: “كنا نضحي عن النساء وأهلينا؛ فلما تباهى الناس بذلك تركناها”، ولا خلاف في أن الأضحية مطلوبة.

وقال ابن عمر في صلاة الضحى: “إنها بدعة”، وحمل على أحد وجهين: إما أنهم كانوا يصلونها جماعة، وإما أفذاذًا على هيئة النوافل في أعقاب الفرائض، وقد منع النساء المساجد مع ما في الحديث من قوله: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله” ؛ لما أحدثن في خروجهن ولما يخاف فيهن.
والرابع: أن أئمة المسلمين استمروا على هذا الأصل على الجملة وإن اختلفوا في التفاصيل؛ فقد كره مالك وأبو حنيفة صيام ست من شوال، وذلك للعلة المتقدمة، مع أن الترغيب في صيامها ثابت صحيح؛ لئلا يعتقد ضمها إلى رمضان.

قال القرافي: “وقد وقع ذلك للعجم”. [وقال] الشافعي في
الأضحية بنحو من ذلك، حيث استدل على عدم الوجوب بفعل الصحابة المذكور وتعليلهم.
والمنقول عن مالك من هذا كثير، وسد الذريعة أصل عنده متبع، مطرد في العادات والعبادات؛ فبمجموع هذه الأدلة نقطع بأن التفريق بين الواجب والمندوب إذا استوى القولان أو الفعلان مقصود شرعًا، ومطلوب من كل من يقتدى به قطعًا2 كما يقطع بالقصد إلى الفرق بينهما اعتقادًا.

والحمد لله رب العالمين

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك