وجهة نظر

حزب العدالة والتنمية بين ملكية المناضلين وتملك الجماهير (2)

27 أغسطس 2018 - 09:59

في الجزء الاول تناولنا اشكال الهوية والتدبير وتمثلاتها في البنية الحزبية مناقشين للتفضيلات بين المناضلين والاعيان وبين الاطر والجماهير . وفي هذا الجزء نعرض لقضية اخرى تدور حول اشكالية التمكين والتمليك وفيها نطرح قضية الطائفية والانفتاح وقضية حزب الجماعية وحزب كل المغاربة على ان نختم برأينا بخصوص تمليك المشروع الاصلاحي للحزب الى الجماهير عوض خطاب التمكين الذي ساد في المراحل السابقة.

ثانيا : بين التمكين والتمليك:
في هذه الاشكالية يثار موضوع تقوقع الحزب على نفسه وانغلاقه على ذاته وارتهانه لانتظارات مناضليه وخطابه، بحجة المبدئية والرسالية والقيم المرجعية والثوابت الاصلاحية التي ميزت مرحلة انطلاقه، وذلك في مقابل ضرورة الانفتاح على نخب المجتمع ومراعاة انتظارات شركائه ومقتضيات التعاقد مع ناخبيه .
من جهة اخرى ظهر خطاب التمليك الجماهري للمشروع الاصلاحي ولخطابه ومنهجه في نطاق التمايز عن مفهوم التمكين الذي ميز الخطاب السياسي التقليدي للاسلاميين، والذي تم تأويله على انه سعي للهيمنة والاتقضاض على الحكم وليس سعي مشروع الى السلطة من طريقها الديموقراطي.
وفي هذا الصدد سنتناول سؤال الطائفية والانفتاح. ثم حزب الجماعة وحزب كل المغاربة.

1- بين الطائفية والانفتاح:
وفي هذا الموضوع يتم الفرز بين المرحلة الايديولوجية التي هيمن عليها خطاب الهوية والمرجعية، والمرحلة السياسية التي يتعبن الانتصار فيها لخطاب الحرية والاصلاح الديموقراطي . المرحلة الاولى ينظر اليها اليوم على انها مرحلة الانشغال باهتمامات الطائفة او الجماعة، والمرحلة الثانية تنعت بمرحلة الانفتاح .
أ- فبخصوص منطق الطائفة : فيقصد بها حالة الخلط في الممارسة بين الدعوة والسياسة او ممارسة السياسة بأدبيات ومسلكيات الجماعة الدعوية واستصحاب منطقها ومحدداتها في انتاج وتقدير الموقف وفي قراءة وتشخيص الواقع و استشراف مآلاته وتحولاته . وفي احسن الاحوال ممارسة السياسة بمنطق هو اقرب الى فقه سلطاني يشرعن للاستبداد من حيث مبالغته في الخوف من الفتنة (اللاستقرار) وتضخيمه لوحدة الصف، وخوفه المرضي على بيضة التنظيم (التفرق والانشقاق). او في احسن الاحوال باستحضار سياسة شرعية ترى ان درء المفسدة (عدم الاستقرار) مقدم على جلب المصلحة(حماية الارادة الشعبية) .
غير ان الالتزام الحزبي والانضباط التنظيمي وحضور قيم التطوع والتعبئة المتواصلة والتلاحم بين القيادات والقواعد والاعتزاز بالانتماء والتقدير العالي الذي يحظى به القادة، والشعور الجماعي بفخر الانتماء لدى القواعد، والتماسك والوحدة وتدبير الاختلاف في نطاق الرأي حر والقرار ملزم ودفع الحجة بالحجة، والمجادلة بالتي هي احسن وقول الحسنى للناس، لا يمكن بحال من الاحوال ان ينسب الى منطق الطائفية، وهو ميزات تنافسية اكثر منه تمركز على الذات، وفي المقابل فإن طرح أسئلة بعض التيارات الاخرى والانشغال بإشكالاتها وترديد بعض مقولاتها وتقاسم بعض خلاصات تشخيصها للواقع وتبني بعض مواقفها، وتلقي اشادة من بعض رموزهها، لا يعد ابتعادا عن الطائفية وقد يحمل على الانفتاح، كما يمكن ان يحمل على الاختراق والتقليد والتبعية، لان الاخر الفكري والسياسي لم يقم بمراجعات نقدية او حوارات بناء جعلته يلتقي في منتصف الطريق مع اطروحاتنا او قدم دعما لواحدة مم افكارنا في مقابل دعمنا لبعض افكاره، والتقائنا معه على اطروحة تمثل الخيار الثالث الذي يدمج بين الجوانب المشرقة في المرجعيتين الفكريتين، ولكن تايده محصور فقط في ما تبنيناه من افكار وقناعات ظلت في منشئها تنتمي الى مرجعيته واطروحاته الفكرية والسياسية، اي انه اعاد اكتشاف ذاته في قناعاته التي يسعى بعضنا الى ترويجها بحجة المشترك وبحجة الانفتاح، وهذا في جوهره محض تقليد اكثر منه انفتاح لان الانفتاح تثاقف واخذ وعطاء .
كما الانفتاح ايضا لا يقاس بعدد الجيمات او عدد مشاركات التدوينات خاصة في بعض المراحل والظروف، وهي بذلك لا تعد مقياسا للشعبية ولا محددا للجماهيرية. والا لتحول بعض شباب الحراك الذين اصبحوا ظواهر في الميادين وفي شبكات التواصل الاجتماعي، الى رموز شعبية ولحازت الكيانات التي احدثوها على ثقة الناخبين واصبحت هيئاتهم متصدرة للانتخابات التي اجريت سواء في بلاد الثورات او في بلدان الاصلاحات . لكن كل ذلك لم يحدث وليس في ذلك اي تقليل من الدور الهام الذي اسهموا به في التحول الديموقراطي ولا انتقاصا من مكانتهم من المواقع التي اختاروها . غير ان للسياسة منطق وقوانين بتعين اعمالها واحترامها.
والعبرة من كل هذا هو أن وحدة الاهداف والغايات لا يعني وحدة في المسلكيات وان العمل الميداني والشعبي من اجل الديموقراطية يتكامل مع العمل السياسي الحزبي ولا يتعارضان وانه لا يمكن لاحدهما ان يكون بديلا عن الاخر وهو ما تجسد في التجربة المغربية التي ظهر ان الخيار الثالث الذي تبناه الحزب رغم تمايزه مع مسلكيات الاحتكام الى الشارع كان انفع واجدى في تحقيق الاصلاحات من بعض المواقف المتجدرة .
ومن جهة اخرى فإن كل اختيار سياسي وكل مشروع اصلاحي الا ويستند الى مشروع مجتمعي يحمل منظور الحزب وتطلعاته ورؤيته المعرفية للانسان والحياة والكون، وتميز المشروع المجتمعي للاسلاميين بعنصر ارتباط الشهادة بالغيب وكون الانسان كائن مكرم ومستخلف وليس مؤلها او مقدسا وان حريته محدودة بالنظام العام، وحقوقه مقيدة بالمنفعة العامة، وان العقل ليس المصدر الوحيد للمعرفة بل هناك الغيب المنقول الينا بالوحي، هذا التصور لا يحمل اي عيب في ذاته، واستحضاره ليس تمركزا على ذاته او انشغالا برهانات طائفية على حساب تعاقدات مجتمعية. ولكنه مورد لطاقة استمداد الحيوية والنضالية والفاعلية الاجتماعية ومرجعية قيمية وثقافية للاختيارات الفكرية والانحيازات الفلسفية .

ب- اما بخصوص منطق الانفتاح : فيراد به مراعاة تقديرات الشركاء والمتعاطفين من النخب والقوى والشخصيات المصطفة الى جانب الحزب في قراءته للظرفية الراهنة او في موقفه الرافض للنكوس والارتداد عن الارادة الشعبية، ومواجهة التحكم، وهو ما يعني التحرر من فوبيا بت الطمأنة وعقدة الخفاظ على الثقة مع الحكم. وشعبيا يعني الانفتاح احترام التعاقد مع الناخبين الذين صوتوا للحزب واخذ رهانات المجتمع قبل رهانات الحزب والاستجابة للانتظارات الشعبية قبل تحكيم منهج الحزب وخياراته وقواعده.
وعند النظر فأن المشكل ليس مع هاته الافكار في حد ذاتها بل في تنزيلها، فمن جهة هناك انتقائية في استدعاء مقولات متجاوزة واجتهادات اصبحت مرجوحة في موضوع السياسة والدعوة، كما ان الانتقادات الموجة للحزب اليوم ليس بسبب تصخيم قضايا المرجعية والقيم والهوية بل في التنكر لها وخفض الصوت في الدفاع عنها والخوف من اتارتها، بل وتمرير عدد من القوانين التي تحمل تراجعات قيمية بدعوة الحفاظ على التحالفات، كما هو الشأن بخصوص اتفاقية سيداو والبرتوكول الملحق بها وفي قضيا الحريات الفردية في مشروع القانون الجنائي وغيره .
كما ان بعض النجاح التواصلي لبعص رموز الحزب انما يرتبط بلغتهم البسيطة والتلقائية والمستدعية لنصوص شرعية ومفاهيم دينية تجعلها اقرب الى الخطاب الدعوي منه ال الخطاب السياسي، ومع ذلك لم ينف عنها احد عمقها السياسي او يتهمها بالتعبير عن انتظارات الطائفة او بانشغالها برهانات الجماعة الدعوية عن بانتظارات المجتمع .
ومن الجهة الاخرى فالسؤال هو من هم هؤلاء الشركاء والقوى المصطفة مع الحزب في قضاياه ومواقفه، هل اولئك الاشخاص المحترمين الذين رغم اهمية مواقفهم يبقون احادا، او اولئك الرافضين للاحزاب اصلا، وهل هؤلاء شركاء للحزب او اصدقاء لبعض اعضائه او قادته، ثم ما هي مواقف الحزب الرسمية هل ما هو موثق في ادبياته واطروحاته ومقررات مؤتمراته او في بعض القناعات الطارئة على تصريحات بعض قادته؟.
واخيرا ما هو حجم التصويت الذي حظي به الحزب وما هو حجم المشاركة حتى يمكن الحديث باسم الارادة الشعبية ويجعلنا ننسب حزب متواضع الى كل المغاربة، وهل المشروعية الانتخابية وحدها تخول للحزب بمفرده وهو في وضعية شبيهة بالعزلة السياسية ان يخوض معركة حماية الارادة الشعبية دون تكثيف شرطها السياسي والجماهيري، وهو من عجز عن تشكيل اغلبية سياسية رغم تصدره لنتائج الانتخابات، وفي ظل قيادة زعيمه؟ وفي سؤال اخر هل من صوت على الحزب كلهم تعاقدوا معه فعلا على مواجهة التحكم ام على تحسين اوضاعهم المعيشية وفي احسن الاحوال رغبة في دعم شعار الحزب في مواجهة الفساد وتضامنا معه في مظلوميته ضد الاساليب البائدة في مواجهته انتخابيا باساليب مسيرات ولد زروال وحملات المقدمين ورجال السلطة؟ . هل التعاقد مع الناخبين هو البرنامج الانتخابي وما يترجم منه في البرنامج الحكومي مع الاغلبية التي يشكلها ام تصريحات هنا وهناك حتى وان صدرت عن بعض قادته .
هاته الاسئلة وغيرها هي التي يتعين توفير اجوبة ملموسة عنها من قبل اصحاب مقولة الحزب لم بعد ملكا لاعضائه .

2 – بين حزب الجماعة وحزب كل المغاربة
مقولة “حزب العدالة والتنمية لم يعد ملكا لاعضائه بل اصبح ملكا لكل المغاربة” ليست مقولة خاطئة وسجالية وتبريرية وحسب، ولكنها تنطوي على مخاطر على الفكرة الديموقراطية نفسها، وعلى فكرة الحزبية من اساسها، وعلى الديموقراطية الداخلية والاستقلالية التنظيمية و المؤسسية، ولكونها ايضا تعتبر من ابرز تجليات الشعبوية . كما سبق ان ناقشناه وكشفنا تناقضاته في مقال سابق تحت عنوان “المشروع الإصلاحي بين التنظيم الرسالي والتنظيم الهلامي” .
والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هو من هم هؤلاء المغارلة الذين اصبحوا يملكون حزب العدالة والتنمية عوضا عن مناضليه؟، وكيف يمكن لحزب ان يصبح ملكا لكل المغاربة في وقت اصبح يضيق بخلافات ابنائه بل ومؤسسيه؟ واين نصنف اولائك الذي يواجهون قراراته اللاشعبية في اصلاحات المقاصة والتقاعد واسعار الماء والكهرباء ومجانية التعليم والتراجع عن للتعريب وكذا من يعارضون اختياراته الايديولوجية وسياساته الاقتصادية والاجتماعية،؟ ومتى كان التأييد الشعبي في مرحلة من المراحل علامة على امتلاك للحزب .؟ اي فئة من الجماهير تملك حزب العدالة والتنمية هل تلك التي تعتبر من قاعدته الانتخابية الثابتة والتي تصوت له في كل الاحوال وتحج الى مؤتمراته ومهرجاناته وملتقياته وتحتضن مبادراته ورموزه وتلتف حول قوافله التواصلية؟ ام تلك الفئات المترددة التي تحسم رأيها لفائدته بفعل الحملات الانتخابية النظيفة.؟ وهل يمكن لاي حزب ان يكون ملكا لكل المغاربة حتى وان حاز على ثقة اغلبيتهم .؟ ثم الا ينطوي هذا الخطاب على قدر معتبر من الثقافة الشمولية وسياسة التنميط التي تصادر الحق في الاختلاف والتي تتجاوز الطبيعة الحزبية في ذاتها باعتبارها عنوانا للاعتراف بالاخر وتخرج عن طبيعة السياسية التي هي مناط التعدد في الآراء والتنوع في الافكار .

ثالثا : في مستلزمات تملك مشروع الحزب
يمكن الحديث عن تملك الجماهير لمسروع حزب معين عندما يتحول برنامج هذا الحزب الى امل وطموح جماعي لديها، وعندما بنجح في بلورة احلام الناس في شعاراته الخاصة وخطابات رموزه وعندما يتحدث مناضلو الحزب بالسنة الناس ويشعر الجمهور ان مناضليه وقادته يشبهونهم، يمشون بينهم ويأكلون اكلهم، ويركبون ركوبهم ويستحمون معهم ويجالسونهم ويشاركونهم أفراحهم واتراحهم ويتسابقون الى اغاثة ملهوفيهم نجدة محتاجيهم ومواساة مكلوميهم.
وتتملك الجماهير الحزب أيضا عندما تحزن بحزن الحزب وتغضب لغضبه وتفرح لفرحه وتتفهم عجزه وتناصره يوم ضعفه . وهذا ليس تملكا للحزب وانما تمليكا لمشروعه وقيمه وثوابته في افئدة الناس وعقولهم
وبالقطع ليس من التملك ان لا تبقى لمؤسسات الحزب حرمة ولا لقراراته اعتبار، فليس من التملك ان تجد أمانات مجالسه على اروقة الاعلام واسرار هيئاته على كل لسان . كما ان اشراك الناس واستطلاع راي الاصدقاء خاصة من النخب لا يعني ترحيل القرار الى خارج المؤسسات، فتداول الرأي الذي يسعه الانفتاح والمشاركة والتقاسم والتلاقح في نطاق تقنيات الديموقراطية التشاركية شيء مطلوب ومفيد، ولكنه مختلف بطبيعة الحال عن اتخاذ القرار والتقرير الذي هو مسؤولية حصرية على ذوي الصفة والاهلية ويرجع الى المؤسسة المختصة والهيئة المعنية في نطاق تقنيات الديموقراطية التمثيلية . لذلك حري بنا ان نتحدث عن تملك الناس لمشروع الحزب الذي هو احتضانه ودعمه والانخراط الواسع في صفوفه او في مبادراته . اما امتلاك الحزب فطريقه الاوحد هو الانخراط فيه واداء واجباته ليتسنى التمتع بممارسة الحقوق التي تضمنها قوانينه . ما عدا ذلك يبقى اراء حرة لكنها لا تغير شيئا في الحقائق المعروفة.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

فنجان بدون سكر: حب لا مثيل له

وجهة نظر

وجب إنقاذ الصيادلة والصيدليات

وجهة نظر

العلاقات الرضائية.. هل هي الحل المثالي لبناء المجتمعات؟

تابعنا على