https://al3omk.com/334654.html

تفتيش القضاة

“ولكن إذا حمى القضاء على امرئ فليس له بر يقيه ولا بحر”
أبو فراس الحمداني

غريبة هذه التجربة التي نعيشها في مجال “إصلاح” العدالة، حيث في الوقت الذي أتذكر فيه السرعة والعنف اللذان كان يتعامل بهما وزير العدل والحريات السابق معنا كممثلي للأمة، لتمرير القوانين التي قيل بأنها جاءت لإصلاح منظومة العدالة، نجد في الوقت نفسه أنه بعد أن صوتت الأغلبية ومعها جزء كبير من المعارضة على تلك القوانين “الإصلاحية”، خاصة القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، وقانون استقلالية النيابة العامة على وزير العدل، لا تزال قوانين جوهرية في هذه المنظومة مغيبة ومعطلة حتى حدود اليوم.

ورغم التخوفات الكثيرة التي أبديناها حول هذا التسرع في المصادقة على تلك القوانين، وحول بعض من مضمونها، تم تمريرها من طرف الأغلبية والمعارضة بإشكالياتها واختلالتها، غير أن هذا الحماس التشريعي، سرعان ما سينطفئ، وكأن ما يهم إصلاح القضاء والقضاة قد انتهينا منه، إلا أن الجميع أغفل أن المادة 53 من القانون التنظيمي رقم 13.100 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، تنص على إجراء تشريعي هام في عملية إصلاح منظومة القضاء، وهو إحداث مفتشية عامة بواسطة قانون، يحدد هذا الأخير اختصاصاتها وقواعد تنظيمها وحقوق وواجبات أعضائها، وذلك في إطار تنظيم عملية محاسبة القضاة، و كذلك نص القانون رقم 13.106 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة على نظام التأديب هذا في مواده 97 و98 و ما يليها.

ورغم مرور فثرة زمنية هامة على المصادقة على تلك القوانين، لا يزال الجميع لم يلقي بالا لهذا القانون “قانون المفتشية”، وبالتالي حين يمارس المجلس الأعلى للسلطة القضائية -وهو أعلى مؤسسة ملزمة باحترام القانون- عمله دون هذا القانون، فإنهم يقوم بتفتيش القضاة ومسائلتهم، لكن دون أي سند قانوني ومؤسساتي، ولو صدر أي قرار عقابي في حق أحد القضاة لأبطل لعدم وجود سند قانوني لذلك القرار.

ولذلك، كيف يقبل القضاة على أنفسهم وهم رجالات قانون هذا الوضع الشاذ؟ وكيف للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن يرتكب هذا الخطأ القانوني الفظيع، علما أنه يدير شؤون مؤسسة دستورية تعود رئاستها الفعلية لجلالة الملك بصفته الساهر دستوريا على حسن سير المؤسسات والضامن لاستقلالية القضاء؟.
وعليه، فإن إجراءات التفتيش والمتابعات التي تمت في مواجهة السادة القضاة منذ تاريخ دخول القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية حيز التنفيذ، لا يمكن الاعتداد بها، فهي إجراءات باطلة، لكون هذا القانون ألغى القوانين السابقة، فأصبحنا أمام فراغ تشريعي، ولأن القضاء لاحق له في االتشريع، فإنه لا يمكن أن يفتش السادة القضاة وأعضاء النيابة العامة إلا بناء على قانون، ولن تقوم بهذا العمل إلا مؤسسة مبنية استنادا على القانون، مما يجعل جميع إجراءات التفتيش والمقررات الصادرة استنادا على التفتيش الذي تم في ظل هذا القانون، باطلة ومبطلة لأثاره.

في الحقيقة هذا الواقع يجعلنا نتسائل باستمرار عن السرعة التي ثم بها إحداث مؤسسة النيابة العامة واستقلاليتها عن وزير العدل، فكان يجب من الناحية الأخلاقية أن توازيها نفس السرعة لإصدار القانون المنظم للتفتيش هذا، كما أن سرعة تعيين رئيس النيابة العامة،لم توازيها أية سرعة في تعيين المفتش العام حتى حدود اليوم، وقد تعذر ذلك لأن الجهات المعنية بوضع القانون وإحالته على البرلمان لم تقم بوظيفتها، لذلك يبدو أمام هذا الوضع أن وباء الانتقائية قد انتقل من السياسة إلى القضاء كذلك.

وفي مفارقة غريبة، أنه المؤسسات الجمعوية للسادة القضاة لم تطالب بهذا القانون، وبهذه المؤسسة التفتيشية، وكأن الموضوع لا يهمها، في حين وجود هذه المؤسسة وبنائها تشريعيا، هو ضمانة أساسية وفعالة لاستقلالية القاضي، وسيكون وسيلة مثلى لمواجهة الفساد والمساس بحسن سير الجهاز القضائي ككل.
إن القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية قد نص على إلزامية إصدار قانون مؤسسة المفتشية، فكيف يتم وضع قانون للنيابة العامة بضغط وبسرعة كبيرين؟ في حين قانون التفتيش الذي يهم القضاة كلهم يتجاهله المشرعون؟.

لقد كان حري بالجهاز القضائي أن يكون أول المدافعين عن هذا الجهاز، حماية لنسائه ورجالاته، وحماية للقضاء كمؤسسة دستورية، واحتراما للمهام الدستورية التي يضطلع بها رئيس الدولة، لكن يبدو أننا أصبحنا مستعدين للتشريع وبسرعة فقط للأجهزة التي تحمل العصا، أما التشريع للأجهزة التي تضمن حضور الأخلاق في إدارة حقوق المواطنين، فلا استعجال فيها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك