https://al3omk.com/342049.html

ريبورتاج .. صناعات تقليدية تقاوم الاندثار بدمنات رغم مظاهر الحداثة التي يشهدها المجتمع المغربي

رغم مظاهر الحداثة التي يشهدها المجتمع المغربي والتغييرات التي دخلت على نمط عيشه المستلهم من روح العصر، فإن المواطن المغربي ظل مرتبطا بالمنتوج التقليدي الذي يعتبر عنوانا لابتكار وإبداع الصانع الحرفي المغربي، بالرغم من فقدان البعض من هذه المنتوجات مكانتها بعد دخولها في منافسة غير متكافئة مع المنتوجات العصرية.

وتعتبر مدينة دمنات من المدن المغربية المعروفة بصناعتها التقليدية التي كانت تغزو كل فضاءاتها وبناياتها، وبفضلها كانت المدينة مركزا تجاريا مهما حيث كانت تشكل نقطة تبادل تجاري بين مدن مراكش وفاس وورزازات، وتعتبر خياطة الألبسة التقليدية والخزف والدباغة أهم الصناعات التي عرفت بها دمنات..

مؤهلات

الصناعة التقليدية بدمنات قديمة قدم الإنسان فيها. فالصناعات التقليدية بشكل عام ترتبط ارتباطا وثيقا بمتطلبات الساكنة، المرتبطة بدورها بالدور الوظيفي لهذه المتطلبات من مواد أو آلات مستعملة في اليومي أو في التزيين أو في المناسبات.

وأضاف بروكي في تصريح للعمق أن دمنات تتوفر على رصيد تاريخي، من حيث الصيت على أنها مهد لمجموعة من الحرف والصناعات التقليدية المعروفة في الوقت الراهن وطنيا. فعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن الاستشهاد بالمرحوم الحاج الغالي الدمناتي الذي ما زال اسمه يروج في الأوساط الفاسية باعتباره معلما في البلغة التي كانت دمناتية وأصبحت فاسية. والحاج الغالي الدمناتي هو كذلك أستاذ الحاج محمد بوزوبع في فن الملحون. كما أن الخزف الدمناتي معروف وطنيا عبر رواده الذين انتقلوا إلى مدينة سلا (الولجة).

في السياق ذاته أوضح محمد أبحير، عضو سابق بمركز أعلام دمنات للتمية المجالية أن الصناعة التقليدية بدمنات تعد رافدا من روافد التنمية المحلية، كما أنها جزء من الذاكرة الحضارية للمدينة. وأضاف “ومعلوم أن الصناعة التقليدية لها أبعاد ثقافية واقتصادية واجتماعية”، داعيا إلى انجاز بحوث ودراسات علمية حول الصناعة التقليدية بدمنات من أجل التشخيص واقتراح آليات التطوير والتثمين وإنشاء مراكز للإنتاج بالمنطقة من أجل تسويق عقلاني للمنتوجات فضلا عن ربط الخدمات السياحية المحلية بتسويق منتوج الصناعة التقليدية والتعريف بمنتوجات الصناعة التقليدية في المواقع الالكترونية.

صناعات مندثرة وأخرى تقاوم الاندثار

بخصوص الرصيد المادي المندثرأشار الدكتور عبدالعالي بروكي، عضو بمركز اعلام دمنات للتنمية المجالية، إلى أن هناك العديد من المعامل التقليدية التي كانت تنشط بالخصوص في صناعة المواد الطينية (القلة)، نظرا لتراجع استعمال هذه المواد في البيوت بعد تعويض ماء االصنبور والثلاجة لماء العين والقلة للتبريد. وقد اندثر العديد من “إقدارن” بالمنطقة سواء بتغرمين أو تاودانوست.

كما صنف المتحدث الصناعة الجلدية ضمن الصناعات المندثرة وربط ذلك بتوقف العمل بدار الدباغ (حي الفلاح) ووفاة العديد من رواد هذه الحرفة. رغم وجود محاولات بعض الشباب الذين يحاولون تطوير هذه الحرفة حتى لا تقتصر على البلغة فقط، بل يحاولون توسيع دائرة الإنتاج فيها لتشمل الأحدية الجلدية وبعض المواد المستعملة في اليومي كالحقائب، وفق ما أورده المتحدث.

في المقابل لازالت هناك بعض الصناعات التي تقاوم الاندثار رغم الصعوبات التي تعانيها وتعتبر الصناعة والخزفية والخشبية والنسيجية أبرز هذه الصناعات، وفق الفاعل الجمعوي ذاته.

وأرجع الدكتور بروكي في حديثة للعمق الفضل في بقاء الصناعة الخزفية على قيد الحياة وتطورها بشكل نسبي إلى سكان بوغرارت ضواحي دمنات الذين حافظوا على المكونات ونوع الطين المستعمل فيها والتي تعتبر طبيعية إلى يومنا هذا، آملا أن يتفادى الحرفيون إدخال بعض المواد “الهجينة” على هذه الصناعة حتى تبقى محافظة على تميزها، وخاصة في الطاجين المستعمل للطهي اليومي.

ويمكن تلخيص المشاكل التي يعاني منها الصناع التقليديون المشتغلون بالخزف إلى تكلفة جلب الطين والخشب المستعمل في عملية الحرق، الذي تم تعويضه لحسن الحظ بالغاز في إطار مشروع قطاعي، وتنضاف إليها صعوبة تسويق المنتوج وانعدام الإبداع في عصرنة المواد وربطها بالمجال المحلي والاقتصاد السياحي، وفق ما صرح به المتحدث.

أما الصناعة الخشبية، يضيف بروكي،فبالرغم من بعض المعيقات التي تعانيها والمرتبطة بالتكلفة الباهضة لجلب الخشب بالنسبة للنجارة، وصعوبة الحصول على الخشب بالنسبة للحرفيين الذين يشتغلون على النجارة الفنية والنحث وضعف الدعم المقدم للصناع التقليديين رغم المقاربة الجيدة التي تشتغل بها غرفة الصناعة التقليدية، فقد عرفت تطورا كما في باقي مناطق المغرب لكونها مرتبطة بمتطلبات البيوت والمحلات، مشيرا أن ما يميز هذه الصناعة بدمنات ويدعو إلى تثمينها هو نوع الخشب المستعمل، ونخص بالذكر هنا خشب شجر الجوز (الكركاع) وشجر الصنوبر وشجر العرعار.

وقال بروكي متحدثا عن الصناعة النسيجية التقليدية “اما بالنسبة للصناعة النسيجية التقليدية ولللأسف، فلم يبقى بدمنات حاليا ما يميزها سوى مهارة الصناع التقليديين والخياطة الذين ذاع صيتهم جهويا وأصبح الزبناء يأتونهم من مختلف المدن المجاورة لدمنات. كما أن هناك العديد من الجمعيات والتعاونيات النسائية التي تشتغل وتبدع في مجال الخياطة والطرز.

وختم بروكي حديثة مع العمق بتاكيده على أن هناك مشاكل مشتركة بين كل هذه الأنواع الحرفية بدمنات، خاصة في غياب برنامج مندمج يجعل من الصناعة التقليدية قطبا منتجا ومرتبطا بالسياحة المحلية وبطبيعة وخصوصية المجال.

وأوضح بروكي أن مركز أعلام دمنات للدراسات حول التنمية المجالية سبق له أن خاض تجرية بهذا الخصوص في إطار مهرجان تيغراتين، بحيث تم التنسيق مع غرفة الصناعة التقليدية ومجمع الصناعة التقليدية بدمنات وجمعية جيوبارك مكون ونظمت مباراة للإبداع الفني في مختلف هذه الصناعات مع جعل المجال مرجعا موضوعيا لهذه الإبداعات، حيث كان الهدف الأول هو تحسيس الصناع التقليديين وتحفيزهم للإبداع في الحرف التي يمتهنونها والخروج من النمطية التي تغلب على إنتاجاتهم. ونتمنى أن يضفي افتتاح مجمع الصناعة التقليدية بدمنات دينامية تمكن الصناع التقليديين من التعريف بمنتجاتهم وتسويق على أحسن وجه.

محاولة لتجاوز المعيقات

السعيد الراقين، رئيس جمعية الفتح للصناعة التقليدية الفنية الإنتاجية ونائب رئيس غرفة الصناعة التقليدية جهة بني ملال خنيفرة، أكد في تصريحه لجريدة العمق أن الصناعة التقليدية في دمنات وضواحيها كانت تعاني من عدة صعوبات ومعيقات منها على الخصوص ضعف المستوى السوسيو-اقتصادي والثقافي لشريحة هامة من الصناع، فضلا عن سوء التنظيم والتدبير لوسائل وفضاءات الإنتاج وغياب آليات التسويق وسوء تنظيم وتدبير فضاءات التسويق، بالإضافة إلى المشاكل المرتبطة بالإنتاج.

وأضاف في تصريح لجريدة العمق “وقد حاولنا من خلال جمعية الفتح للصناعة التقليدية العمل على تجاوز هذه المشاكل من خلال المساهمة في تشييد مجمع للصناعة التقليدية بشراكة مع شركاء آخرين بغلاف مالي 7.700.000 درهم، على مساحة 1907 متر مربع الذي يضم 50 محلا مخصصة للحرفيين، وقاعة للعرض وقاعة للتكوينات، وذلك لدعم أنشطة الصناع التقليديين، وتقوية البنيات التحتية التي يعتمدون عليها في هذه المنطقة.”

واستطرد المتحدث قائلا:” إن مجمع الصناعة التقليدية جاء تنفيذا لمخرجات الندوة الوطنية للصناعة التقليدية المنعقدة بفاس شتنبر 2001، وتنفيذا أيضا لرؤية 2015 للصناعة التقليدية التي سطرت ضمن أهدافها تحسين مداخيل وظروف عمل الصناع التقليديين”.

إلا أن المجهودات التي بذلت لإخراج هذه المعلمة إلى حيز الوجود لم تواكبها جهود أخرى من طرف الجهات المعنية لتنقية محيط مجمع الصناعة التقليدية من الأزبال والباعة المتجولين وعدد من سيارات النقل السري، حتى لا تفقد هذه المعلمة جماليتها، مناشدا السلطات والمجلس الجماعي بالتدخل العاجل قبل فوات الآوان، وفق تعبير السعيد الراقين.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك