https://al3omk.com/355594.html

نساء “الميخا” بالمغرب.. معاناةٌ من أجل البحث عن لقمة العيش تحت الوحل (فيديو) بمحمية "المرجة الزرقاء" بمنطقة مولاي بوسلهام

بخطوات متسارعة تشبه أرنب السباق، تلتحق النسوة باختلاف أعمارهن تباعا بمحمية “المرجة الزرقاء” الواقعة بمنطقة مولاي بوسلهام، وهن محملات بقنينات ماء من الحجم الكبير قصد جمع ما تيسر من الصدفيات المدفونة تحت وحل المياه الضحلة للمرجة والمعرفة باسم “الميخا”. القاسم المشترك بينهن هو البحث عن لقمة العيش لسد رمق أبنائهن، رغم قساوة ظروف العمل وما يخلفه من أضرار جسيمة على صحتهن.

لا تفرق أجساد هؤلاء النسوة بين حرارة الصيف وبرودة الشتاء. كما لا يعرفن “يوما للراحة”، فالهم الوحيد الذي يشغل بالهن بشكل يومي هو الكيلوغرامات التي سيحصلن عليها من جمع “الميخا” التي تشكل ثروة حقيقية لأبناء المنطقة ليتوارثوها أبا عن جد.


“المرجة الزرقاء” مصدر رزق غني بالثروات

هدوء ساحر يطغى على محمية “المرجة الزرقاء” التي تمتد على طول 11 ألف و420 هكتار، تتخلله في بعض الأحيان أصوات طيور النورس التي تزين سماء المنطقة بأجنحتها البيضاء الجميلة، بالإضافة إلى محركات قوارب الصيد، التي تظهر من حين لآخر على متنها بعض الصيادين محملة بما اصطادته شباكهم من سمك السردين والنون.

تشكل المرجة، مصدر رزق لأبناء الدواوير المتواجدة بمنطقة مولاي بوسلهام، فكل أسرة بهذه الأخيرة لها فرد أو أكثر يشتغل في جمع “الميخا” و”البوخو” أو الدود، وصيد سمك النون و”حنقريش” أو سرطان البحر.

وتباع الميخا وفق ما استقته “العمق” من النسوة اللواتي يشتغلن في جمعها، بين 15 إلى 50 درهما (2 و6 دولارات) للكيلوغرام الواحد، حيث يتم بيعها لوسيط بالمنطقة والذي بدوره يبيعها لشخص آخر.

وتجمع النسوة على عدم معرفة اتجاه “الميخا” بعد البيع، فهمهن الوحيد هو الحصول على ثمن مناسب مقابل البيع، لكن في غالب الأحيان يتم بيعها لأصحاب المطاعم حيث تستخدم كوجبة طعام.

الفقر وقصر ذات اليد

كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد الزوال، ظهرت أولى أطياف النساء قادمة من الضفة الأخرى لـ”المرجة”، وهن يسارعن الخطوات للوصول إلى المكان المنشود.

استوقفت “العمق” إحدى السيدات اللواتي يشتغلن في جمع “الميخا”، والتي كانت تختلس النظرات خلف وشاح تلفه على وجهها، لتخفي تقاسيم وجه يحمل في طياته قساوة الحياة. ” ستسبقني النساء، وسيلتقطن كل شيء يجب أن أسرع”، هكذا بدأت حليمة (اسم مستعار) في تبادل أطراف الحديث معنا، مؤكدة أن الوقت يشكل عاملا أساسيا للنساء، فكلما قضين وقتا أطول في “المرجة” كلما تمكن من جمع كميات معقولة من “الميخا”.

تقول حليمة بكلمات عربية متقطعة في تصريح لجريدة “العمق”، إن نساء الدواوير لا يعرفن القيام بأي مهنة أخرى غير جمع هذا النوع من الصدفيات التي تشكل لهن مصدر الرزق الوحيد، “لا نعرف القيام بأي شيء آخر غير التقاط “الميخا” الفقر والعوز هما من دفعنا للخروج يوميا إلى هذه المرجة، ونصبر للبرد وللشتاء والحرارة وحشونة الوحل لنحضر لقمة حلال لأبنائنا”، وفق تعبيرها.

سأظل ألتقط الميخا” إلى أن أموت.. فنحن أبناء الوحل

كمن يبحث عن إبرة في كومة القش وبتركيز كبير، تعمل فاطنة امرأة في الخمسينيات من عمرها، بسرعة على التقاط حبات “الميخا”، محاولة أن تسارع الزمن للحصول على أكبر كمية منها قصد بيعها للوسطاء لجمع المبلغ المنشود.

تحكي فاطنة، بنبرة حزن، كيف خرجت في سن مبكرة للعمل بالمرجة الزرقاء لمساعدة والديها على تحمل أعباء الزمن، “بدأت الاشتغال بها عندما كنت في السادسة من عمري، كل أبناء المنطقة يخرجون للاشتغال بها عندما يصلون لسن معينة، هذه المهنة توارثناها أبا عن جد، وبها نساعد عائلاتنا”.

وأكدت فاطنة أنها ستستمر في جمع “الميخا” إلى أن تموت، “سأظل أشتغل هنا حتى أموت ويتم دفني بها”، مضيفة أنها تحب هذا العمل رغم قساوته “لقد أصبحت متعودة على ذلك رغم الحرارة والبرد، لأننا في الأصل أبناء الوحل” تقول فاطنة.

طقوس جمع “الميخا”

لجمع الميخا طقوس خاصة، فوفق حليمة (اسم مستعار)، لابد من مراقبة الطقس قبل الخروج إلى المرجة، مشيرة إلى أنه لا يمكن الذهاب إليها أثناء المد بل يجب الانتظار إلى أن ينخفض مستوى المياه، فتخرج النساء من الصباح حتى المساء.

أما اللباس، تضيف حليمة، فترتدي غالبية النسوة جوارب من الصوف مع حذاء بلاستيكي حتى لا تتشقق أرجلهن ويتسرب لها الوحل. وتتابع المتحدثة أنه من لوازم الجمع التي يجب التوفر عليها، قنينة ماء من الحجم الكبير، مع “الكادوم” وهو عبارة عن عصا ذات رأس حديدي تستعمل للحفر.

وتتمثل طريقة الجمع، تضيف حليمة، عبر ملاحظة مكان تواجد “الميخا”، التي تترك ثقبين وسط الوحل تمكن من الوصول إليها، “فيتم التقاطها إما عبر أصابع اليد أو عن طريق “الكادوم” الذي نحفر به لاستخراجها” تقول حليمة، لافتة إلى أنه في فصل الصيف تقوم النسوة بالغطس في المياه لجمعها ومنهن من تنبش بأصابع رجليها لالتقاطها تحت الماء، ليتم بعد ذلك غسلها في مياه المرجة وتفريغ المحتوى في منديل وحمله على الظهر.

أحفر بأصابعي في الوحل لاستخراج لقمة العيش

انتقلنا إلى الضفة الأخرى للمرجة عبر استخدام قارب أو “فلوكة”، لتقابلنا عائشة التي كانت تحمل على ظهرها منديل يضم الكيلوغرامات من الصدفيات التي التقطتها، حيث حرصت على جعله مثل رضيع محمل على الأكتاف بعناية.

احترفت عائشة جمع الميخا” لأزيد من 40 سنة، وتبدو ندوب الزمان على يديها المتشققتين والخشنتين، التي تغير لونهما ليصبح بنيا من كثرة البحث والتنقيب.

تشتغل عائشة ليل نهار، بعدما أصبح زوجها عاطلا عن العمل، لتصبح معيلة الأسرة التي تتكون من الزوج والأبناء ووالديها الفاقدين للبصر، “الزمن أصبح صعبا، أسير نحو كيلومترين يوميا من منزلي إلى المحمية وأحفر بأصابع يدي ورجلي في الوحل لأحضر لقمة العيش لأبنائي فلا حل لي غير ذلك” تقول المتحدثة.

ورغم تحفظ جل النساء العاملات بالمرجة عما يخلفه العمل بالأخيرة من أضرار على صحتهن، إلا أن عائشة لم تخف ذلك، “يدينا كيطيبو بالغيس وكيتشققو بالبرد لكن بالليل كنكمدوهوم ونجيو نخدموه” تقول المتحدثة، مشيرة إلى أن العديد منهن ُيصبن بـ”التهاب المفاصل والمثانة”.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك