https://al3omk.com/378720.html

اللاسلطة في الدولة..أو “الله إصْلَحْ ضَوْ الرباط بَشْ إتّصْلَحْ ضَوّي أنا”

سوف لن أخوض في مفهوم السلطة وأصولها ومصادرها وماهيتها وأجهزتها ووظائفها وعلاقتها بالمجتمع، إذ كما يقال: هذا الموضوع قتل بحثا.بل فقط سأسجل هنا بعضالظواهرالسائدة ذات صبغة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية، متداخلة في ما بينها، وهي معايشة في يومياتنا، تفصح إلى حد ما عن غياب سلطة الدولة عبر انسحابهاالجزئي أو تخليها عن بعض مهامها ووظائفها وتركتها للفراغات المدمرة والقاتلة، التي تملأها، كما يحلّ محلها: العبث والفوضى واللامسؤولية والارتجال والترقيع والترميق bricolage، وهو ما أسميته هنا ب “اللاسلطة في الدولة”.

في حكاية قيل انها واقعية والله أعلم:” في إحدى القرى النائية، حصل عطب تقني كهربائي في منزل إحدى العجائز، ولما استدعت أحد التقنيين لأجل إصلاح هذا الخللولماحضر، راح يفتش في أركان البيت عن العطب، فلم يجد له أثرا هكذا لم يتمكن من إصلاح العطب.ولما سألته صاحبة البيت:”يا ولدي لماذا لم تصلح العطب؟” أجابها قائلا:”يا خلاتي إن المشكل من السلطة “.استفسرته قائلة:” كيف من السلطة ؟ومن هي هذه السلطة؟”.أجابها قائلا:”إن العطب آت من الرباط “. وراح إلى سبيله دون أن يتمكن من إصلاح العطب. وما كان للمرأة العجوز المسكينة إلا أن دعت الله قائلة :”الله إِصْلَحْضَوْ الرباط بَشْ إتّصْلَحْ ضَوّي أنا”.سوف لن نحدو حدو هذا التقني،ونعلق كل ما يقع هنا وهناك من أعطابكيف ما كان نوعها وشكلها ومصدرها،على مشجب السلطة.لكن لابد من استعراض مظاهر متعددة ومتنوعة يتداخل فيها ما هو سياسي بما هو اقتصادي وما هو اجتماعي وما هو ثقافي وما هو حكامة وتسيير،سائدة ونعيشها في يومياتنا،تكشف عن مدى غياب السلطة وحضور اللاسلطة.

قد تذهب إلى إدارة ما من إدارات الدولة، لأجل خدمة معينة، فيمنح لك مطبوعا مكتوبا باللغة الفرنسية، في الوقت الذي دبج في الدستور المغربي،الفصل الخامس:” تظل العربة اللغة الرسمية للدولة…. تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة.” من فضلك دون اتهام “اللوبي الفرنكفوني” أو أيادي خارجية ولا تسأل لماذا ؟ فالجواب بسيط هو: اللاسلطة.

قد تحتاج إلى ورقة إدارية أو قضاء مصلحة ما، فتتجه إلى الإدارة العمومية المعنية، وتصادف من العراقيل الكثير، الكثير. أرجوك دون أن تربط الأمر بالبيروقراطية والزبونية والمحسوبية واستفحال ظاهرة الرشوة وغياب الضمير المهني. بل قل إنها:اللاسلطة.

في رحلة لك إلى مدينة وجدة أو الناضور أو تطوان تعترضك أطنانا من المواد المهربة من الدول المجاورة: الجزائر وإسبانيا. في الوقت الذي تقفل فيه مصانع مغربية عديدة أبوابها.لا تبحث في الإقتصاد كما في السياسة أو الجودة عن الأسباب. قل فقط: اللاسلطة.

وأنت تتجول بأحد شوارع مدننا يثير انتباهك في بعض المواقع روائح كريهة تزكم الأنوف إنها للبول البشري أو قد يبدو لك رجل واقف وظهره صوب الشارع كما لو أنه يعانق الجدار، فرجاء دون أن تتحدث عن منظومة القيم والأخلاق أو الحشمة والحياء أو عن فلسفة الفضاء العمومي، فقد تقع أنت في نفس الموقف الذي لا تحسد عليه، من فضلك قل إنها: اللاسطة.

أطفال مغاربة في عمر الزهور يتسكعون في شوارع بعض المدن الإسبانيةأو في مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، أو محتجزون في السجون والاصلاحيات هنا وهناك. قد تستحضر معطيات وأرقام وتحلل ظواهر اجتماعية كالفقر، الجهل والتفسخ الأسري، الطلاق، تنظيم الأسرة،لا بأس، لكن أختم تحليلك وقل إنها: اللاسلطة.

احتجاجات الريف استمرت لما يفوق عن ستة أشهر دون أن تلقى أدنى إجابات أو محاورين مسؤولين وجديين في الوقت المناسب. حتى آلت الأمور إلى ما آلت إليه.لا تحلل ولا تستحضر موازين القوى أو أشياء من هذا القبيل أو أيادي خارجية.فقط ضع في أولوياتك: اللاسلطة.
مدينة زاكورة تعيش عطشا مستمرا دون حلول استباقية أو حتى استعجالية. مما جعل المواطنين يحتجون في الشارع ويتعرضون للاعتقال.دون أن تفكر في الأمر كثيرا، وتتهم دلاح زاكورة وتغض الطرف عن كَازوgazon الرباط أو مراكش.قل فقط:اللاسلطة.

دعارة مستشرية تضرب أفقيا وعموديا مناطق عديدة من البلد.أرجوك لا تذهب في تحليلاتك بعيدا وتستحضر التحولات الاجتماعية والإقتصادية والتفسخ الأسري وتأثير الأنترنيت … بل قل:اللاسلطة.

أطفال وشباب وشيوخ متخلى عنهم يعيشون في الشوارع والأماكن المهجورة، في تجانس قل نظيره مع الكلاب والقطط الضالة بل حتى مع الجرذان أيضا.عفوا لا تستظهر معلوماتك حول الأسرة والتضامن أو عن الهجرةوالتحولات الإجتماعية بل استحضر فقط:اللاسلطة.

أحياء صفيحية تندثر بعد أن أنفقت عليها ملايير الدراهم من أموال الشعب، ويترك المكان لأخرى كي تنبت وتنمو كما الفطر.دعك من أي تحليل إقتصادي أو سوسيولوجي وكفّ عن الحديث عن الهجرة القروية وما إلى ذلك من عوامل. بل استحضر فقط: اللاسلطة.

مشاريع وبنايات ضخمة لم تكتمل منذ سنين، وتحولت إلى خراب وأطلال وملاجئ لكل المنحرفين والمقصيين.دون أن تذهب بعقلك وتحليلك إلى غياب التخطيط والبرمجة أو الميزانية أو ما شابه ذلك. قل فقط إنها: اللاسلطة.

قد تتاح لك فرصة لزيارة المدن المغربية، سوف تلاحظ ظاهرة دخيلة على المدينة والتمدن كما هو الحال في مدينتك: لقد أصبحت مددنا بدون أرصفة والراجلين يمشون وسط الشوارع المزفتة المخصصة لوسائل النقل، بعد أن استحوذت المقاهي والمتاجر على الأرصفة وما تبقى منها فهو للباعة المتجولين.من فضلك دون أن تشغل عقلك كثيرا في تحليلات إقتصادية أو سوسيولوجية من قبيل الرشوة والمحسوبيةوترييف المدن وما غير ذلك من الظواهر. بل قل فقط:اللاسلطة.

في مرات عديدة تسمع بعض الأخبار والإشاعات دون أن تعرف مصادرها أو هدفها من قبيل: تسونامي سيقع في المغرب أو مرض إبولا أو أنفلوانزا الطيور أو جنون البقرألخ …دون أن تتدخل السلطة في الوقت المناسب لتضع حدا لهذه الإشاعات الخطيرة.من فضلك دون أن تبحث لماذا أو أن تتحدث عن غياب ثقافة التواصل وعدم الاكتراث للرأي العام، بل قل فقط إنها:اللاسلطة.

في مجال “الصحة والتطبيب”،هناك دور ودكاكين منتشرة تشتغل في واضحة النهار هي: للسحرة والمشعوذين والدجالين والرقاة والحجامة. أرجوك لا تتحدث عن الأمية والجهل وانتشار الخرافة في الأوساط الشعبية بل حتى عند النخب. بل إبحث في مكان آخر بعيدا عن كل ذلكوقل بكل بساطة إنها:اللاسلطة.

في مناسبات عديدة، أساسا الأعياد الدينية يثير انتباهك استفحال ظاهرة الإحتكار والمضاربات في بعض المواد الغذائية الأساسية وكذلك في وسائل النقل والتنقل.سأكون ممتنا لك إن لم تضع الظاهرة على المختبر والمجهر ورحت تستحضر تأثيراتلعوامل متعددةوقلت فقط إنها:اللاسلطة.

ظواهر قد تصادفها في بعض المدن المغربية:كالتشرميل، الكريساج، قطاع الطرق، النصب والاحتيال،التحرش الجنسي. تظهر لكالكثير من اللا تحضرواللاأخلاق والنقص في الأمن. لا تستغربفي الأمر،فقط إنها:اللاسلطة.

إن كنت من المهتمين بالمجال الثقافي واقتناء الكتب، قد تقصد بعض المكاتب أو الأكشاك أو العارضين للكتب على الأرصفة،يسترعي انتباهك ظاهرة عرض وبيع عددا لا يستهان به من الكتب المستنسخة والمشوهة بأثمنة بخسة قد لا تتجاوز الربع من الثمن الأصلي للكتاب.من المستحب ألا تسأل ماذا يجري ؟لماذا سمحت السلطات لهذه الأعمال المقرصنة أن تعرض وأن تباع بشكل علني وفي أماكن عمومية؟وعن الخسارة التي تتعرض لها دور النشر كما الكتّاب ؟ فذلك من:اللاسلطة.

مساحات شاسعة من الأراضي الفلاحية بعدة مناطق داخل المملكة يلتهمها الإسمنت المسلح والإسفلت وتتحول إلى بنايات كما لو أنها غيتوهات وأقفاص بشرية دون تجهيزات المدينة الحديثة ودون مساحات خضراء، هكذا يشتغل العقل المزفت، عفوا أريد فقط أن أنبهك حتى لا تنفق قدراتك العقلية في تحليلات من قبيل: غياب التخطيط أو اللوبيات العقارية أو النقص في الوعاء العقاري الحضاري أو أو… بل قل هي: اللاسلطة.

في مدينة ما، في قرية ما، في بادية ما، في غابة ما، في بحر ما، في جبل ما، داخلالمملكة. أينما وليت وجهك ترى فسادا يطل عليك أو يمشي على قدميه غير متخفي تارة بشكل سريع وفي أخرى متباطئا هوهو بدمه ولحمه وعظامه. فرجاء دونأن تتساءلوتحلل وتفكك وتستحضر السياسة والاقتصاد والقانون وترسانة من المفاهيم ومن العوامل الداخلية والخارجية والرئيسية والثانوية. إنه عنوان عريض إسمه:اللاسلطة في الدولة.

ملحوظة :بعد اتصالات متعددة ومتكررة ومستمرة مع السلطة كانت أخيرا الإجابة كالآتي :” عفوا لا توجد أي سلطة بالشكل وبالمواصفات التي تطلبونها”.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك