“إِسْلَامِيُّو الْحُكْمِ”: مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى الدَّوْلَةِ… إِلَى النِّهَايَةِ !!
https://al3omk.com/379758.html

“إِسْلَامِيُّو الْحُكْمِ”: مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى الدَّوْلَةِ… إِلَى النِّهَايَةِ !!

على سبيل البدء.. !

لن تكون التنظيمات الإسلامية استثناء في سنة العمران البشري، لتستمر إلى ما لا نهاية في قيادة الأمة، بنفس الوهج، والقوة، والحضور الاجتماعي في ساحة التدافع الحضاري، والصراع السياسي، مع بقية التنظيمات والتشكيلات السياسية والأيديولوجية التي تعِج بها ساحة الوطن العربي والإسلامي.

 فهي، كمثيلاتها من التنظيمات، والتشكيلات الفكرية والإيديولوجية، لها عمر افتراضي في ساحة القيادة، والتدبير، تبدؤه بقوة الحضور الذي تمنحه لها الجِدَّة، و رغبة الشعب في التغيير، وتنتهي منه إلى هامش التاريخ والجغرافية كلما  اعْتَوَرَها ما يَعْتوِر غيرها من أدواء الشيخوخة، والهرم، بعد أن تبدأ في السقوط في الإخلاف، والتلكؤ عن العهود التي أبرمتها مع من أعلاها السُّدد العالية، والكراسي الوثيرة لقيادته نحو الكرامة، والعزة، والعدالة الاجتماعية.

إنه نفس  المسار الذي يعتري الأمم والحضارات، والتشكيلات البشرية القائدة. ولا يكاد يستثني واحدة منها، مهما اشتد عودها القيادي، وامتد هَيْلُهَا وهَيْلَمانُها في المشارق والمغارب، وحكمت بالحديد والنار، وخَوَّفت وأخافت؛ فلا بد من يوم تصير فيه إلى الحافة، بعد أن تصير أثرا بعد عين.

فمن التجني المَعِيب أن نستثني التشكيلات الإسلامية، التي تمتح مشروعها المجتمعي من الإسلام، بحجة أن المصدر (المرجع) هو الإسلام الذي تكفَّل الله بحفظه، وتولى الدفاع عن معتنقيه، وناصريه. لأن الحركات الإسلامية، بكل بساطة، ليست هي الإسلام، بل هي محاولات قامت لأجل تصحيح فهم المسلمين للإسلام، ولتنزيل شرعه في مجالات الحياة، لكن باجتهاد يعتريه الصواب كما الخطأ، ولن يضمن لها أبدا الاستمرار، مادامت تؤسس مسارها، في مرحلة الدعوة الأأمن على الاستمرار والامتداد، على رؤى واجتهادات بشرية غير مقدسة، فضلا عن ذات الرؤى والتخريجات حينما تعالج بها الواقع السياسي المدنس لتُشَرْعِنَ فيه بغير هدى، فتَزِلَّ قدمها، ويتلكأ بها السبيل، ويضعف لها الجناح، وتنتهي من ساحة التدافع السياسي/الحُكْمِي، ضعيفة، تلاحقها التهم، والانتقادات، وربما اللعنات، أَنْ قالت ذات يومٍ؛ فأخلفتْ !

2- من الدعوة إلى الدولة.. !

لقد تأثرت الحركة الإسلامية المغربية منذ بزوغها الأول في بدايات سبعينيات القرن الماضي، بالجو المشحون بالصراع بين النظام المغربي وطائفة من  اليسار الراديكالي الذي كان يُنازع  النظام الحكمَ ، ويتوسَّل من أجل ذلك أسلوبا انقلابيا،عرف محطات دموية عنيفة. فانساقت في خضم هذه الأجواء،”تمتهن”-بدورها – فكرا انقلابيا، قوامه المقاطعة كأسلوب احتجاجي إزاء المجتمع  ومؤسساته النظامية ، ومبرره ما تنقمه على الحاكمين  من  مروق عن تعاليم الشرع الحنيف، وسقوط في “بدعة” الحكم بغير ما أنزل الله، والعمل على تعطيل شرع الله في التدبير اليومي للشأن العام للمغاربة … !!.

فانزوت ، لأجل ذلك، في ركن العمل السري البعيد عن الأضواء ، وعن العيون المُخْبِرة ، تبني لها عالما ملائكيا فاضلا، لا يخطئ فيه أحد، ولا يأثم فيه مخطئ !. وظن رواد هذه الحركة– لسنوات- أن تحقيق هذه الأحلام رهين بالقدرة التنظيمية التعبوية القمينة بقلب الطاولة على الحكام “الظلمة”( !) ، وانتزاع الحكم منهم لتحقيق الأحلام الوردية التي ظلت تراودهم منذ زمن “المأثورات “، يوم كانت تحتويهم مجالس الحديث وتفسير القرآن والسيرة النبوية .. وتشغلهم القراءات ” العنيفة” للنصوص الشرعية، والانحصار  المعرفي  في  بوثقة   نصوص الجهاد القتالي من قبيل :”قاتلوهم ، يعذبهم الله بأيديكم وأيدي المؤمنين …” !

لكن اصطدامها زمن” اقتحام العقبة “بواقع متشابك وعنيد، يتأبَّى على كل محاولة لِلَيِّ الدراع، أو توجيه المسار وفق ما تشتهيه نفوس “الدعاة الجدد “؛ جعلها ترتكب العديد من الأخطاء كلفتها سنوات من عمر التنظيم السري الصارم، كما كلفتها تراجعات كبيرة على مستوى  الاندفاع والمدافعة في ” اقتحام العقبة” التي أسست لها في فترات الإعداد الروحي والعلمي و”اللوجستي ” . لينتهض- بسبب ذلك- العديد من روادها يراجعون  “المسار “، ويعيدون التنظير لأسلوب جديد في التغيير والإصلاح يعتمد ذات النصوص الشرعية  التي أ صلوا بها لخرجاتهم المتهورة ، ولكن – هذه المرة- باستحضار العنصر الأساس الذي غُيِّب في التنظيرات السابقة –بعلم أو بغير علم -؛ ألا وهو : الواقع : مقصد التغيير  وفَصَّه. فأصبحنا نقرأ لبعض رواد  هذا التيار؛ بحوثا ودراساتٍ حول المشاركة السياسية، وحكم العمل من داخل  الأجهزة النظامية  “الظالمة”( !)، وما شابه. كما أصبحنا نقرأ لهم تأصيلات  تمتح اجتهادها من فقه المقاصد، و الموازنات، ومراتب الأعمال، وما شاكلها من أنواع الفقه الواقعي الذي يزاوج بين النص والواقع؛ فيحتكم إلى النص دون أن يقفز على الواقع، في تأسيس متقدم لاجتهاد جديد  يحضر فيه  النص إلى جانب الواقع، في تناسق وتساوق، كان من ثماره هذا الزخم المعتبر من البحوث، والدراسات الأكاديمية المؤسِّسة للمشروع المجتمعي الإسلامي، والتي كانت وراء  الإقبال الباذخ  على العمل السياسي، والمشاركة المجتمعية الفاعلة والمسؤولة لجزء  نشيط من أبناء هذا الوطن الحبيب  في تدبير الشأن المحلي من خلال العمل من داخل الهيئات المدنية والسياسية والنقابية .

لقد اقتنع فريق من أبناء الحركة الإسلامية بخطورة وخطإ  الفكر الانقلابي الذي  تبنته  يوم كانت تمتح تصوراتها، ومنهج تحليلها، من المشرق العربي الذي كان  تبني مفكريه، وسياسييه لهكذا فكر، واجبا وقتيا أملاه الوضع المرتبك، هناك، للأنظمة العسكرية التي كانت تتشكل كما الفِطَر في ربوع البلاد العربية  عبر الانقلابات العسكرية، والثورات المدنية التي يقودها، من خلف الأكِمَّة، عسكريون أيديهم مع الشعوب وقلوبهم معلقة بالكراسي .

لقد اقتنع هذا الفريق أن المغرب غير المشرق، وأن ما يحدث هناك ليس قدرا  أن يحدث هنا، وأن التغيير لا ينجح  دائما إذا استهدف القمة ما لم يكن شعبيا جماهيريا سلميا؛ بل إن التجارب العالمية أبانت عن خطإ هكذا سبيل في التغيير. فالانقلابات لا تكون دائما رحمة على الشعوب، والانقلابيون لا يفلحون  غالبا– خصوصا إذا كانوا عساكر- في تحقيق الديموقراطية، والرفاهية، والعدالة الاجتماعية، بل غالبيتهم ينحون زاوية تصفية الحسابات مع الخصوم السابقين، وأزلام الأنظمة البائدة، والمعارضين؛ لترسيخ أقدامهم، وفرض الشرعية  لحكمهم الجديد عن طريق الحديد والنار، وتكميم الأفواه؛ مما يؤدي إلى حدوث “كَرْنَفَالات دموية” في مختلف ربوع الوطن، في تزامن مباشر  مع احتفالات تنصيب الحاكم العسكري الجديد !!.

لقد وعى هذا الفريق من الإسلاميين أن التغيير لا يكون إلا من داخل المؤسسات، ومن خلال المشاركة المباشرة والمخلصة في تدبير الشأن المحلي للمواطن، والاحتكاك به، والإنصات  لشكواه، والمدافعة المسؤولة للاستجابة لانتظاراته بعيدا عن المزايدات السياسوية، أوالنقابوية، أو الحزبوية، أو المصلحية المفرملة للنهوض، والمعيقة للتغيير والإصلاح. من أجل ذلك، تقدمت خطواتٍ إلى الأمام تطرق الأبواب، وتدعو للمصالحة والإصلاح، و تعرض على من يهمه الأمر “أوراق اعتمادها ” لولوج ساحة المدافعة المسؤولة باعتماد التي “هي أحسن ” بعد أن أثبتت أنها قد قطعت، بالفعل والقوة ، مع ” التي هي أخشن ” !! .

3- بداية النهاية.. !!

فكانت البداية، بلا شك، نية خالصة للمشاركة الفاعلة والمخلصة في تدبير شأن عمومي فشل أساطين السياسة المغربية أن يقدموا خلاله عطاء مرضيا يصفق له الشعب، ويرضي فضوله إلى تلبية انتظاراته، التي طال عليها الزمن، وغشيتها الوعود الكاذبة، حتى ما عاد أحد من عموم الشعب المغربي يثق في سياسي من ساسته، أو مرشح يمثله تحت قبة البرلمان، مما أفقد السياسة قيمتها، بعد أن أضحى الساسة هم سبب المآسي، والمعاناة، والأزمات. فكان لا بد من تغيير الوجوه، ولو إلى حين، لطمأنة سُعار الرفض الذي بدأ يدِبُّ إلى النفوس؛ فكان الاختيار على هذه الوجوه الجديدة التي ولجت عالم السياسة، ومقعد المسؤولية من باب “الأخلاق”، والسمت الإسلامي القريب إلى القلوب، والرغبة الجامحة في التخليق، فظن الجميع أن عهدا جديدا سيعرفه المغرب، وسينعم خلاله المغاربة بتدبير لشؤونهم مختلف، وأن الحكام الجدد، الذين عهد منهم بساطة العيش، ودماثة الخلق، و”خوف الله”، لن يخذلوا، أبدا، انتظاراته، وسيكونون، معه، في الموعد( !).

فانطلقت السفينة تمخر عباب التدبير العمومي؛ تتعثر حينا، وتقتحم عقبة الممانعة حينا، وترسو أحايين كثيرة، بين  شذ وجذب، يشتكي “الإخوان”، خلالها، من الممانعات المفرملة، ويحاولون، عبثا، مواصلة المسير وسط المدلهمات، وبين الحين والآخر يهددون برمي المفاتيح، والعودة إلى القواعد؛ لكنهم ما لبثوا أن اكتشفوا أن الأمر ليس بالسهولة التي يظنون، وأن ” دخول الحمام ليس كالخروج منه”، حيث بدأت ملامح الورطة تتضح أمام ناظريهم، حتى ما عاد أمامهم إلا الاستمرار إلى النهاية.

 وهاهم اليوم يشهدون على قرب نهايتهم، ونهاية مشروعهم المجتمعي، بعد أن تورطوا في مجاراة الاستجابة للقرارات اللاشعبية التي أهلكت المواطن العادي، واستنزفت جيبه المثقوب. فلا تكاد تسمع،  من صغير ولا كبير، ذكر ولا أنثى، متعلم ولا أمي، عاطل ولا موظف؛  فضلا عن المعارضين العضويين للحزب وفكره، إلا  التذمر والشكوى من قرارات “حكومة العدالة والتنمية” . بل قد زاد التذمر لدى الجميع بعد أن اختارت هذه الحكومة صم الآذان، ورفض الحوار ، ومواصلة التدبير المنفرد والأحادي لشؤون المغاربة، بما يخدم ديناصورات المال والأعمال، الذين ظل الشعب المغربي يمني نفسه أن تقطع معهم هذه الحكومة، بل هذا الحزب، لصالح الكادحات والكادحين من أبناء هذا الوطن؛ لكن لا شيء حدث سوى مواصلة التدبير بنفس النَّفَس التَّحَكُّمي المبارك من “الإخوان” الذين رفعوا ذات حملة انتخابية شعار :” محاربة الفساد والاستبداد” !!..

ولقد زاد من طين “الإخوان” بَلَّة، التساقطات المثيرة لقادة الحزب ومسؤوليه الكبار في شبهات من وزان الفضائح الأخلاقية  بتقدير مرجعية “الإخوان”، مما أحمى وطيس الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع، فضلا عن وسائط التواصل الاجتماعي، وحولها إلى فضائح بجلاجل تقرع الحزب، ومناضليه، والمتعاطفين معه. وتضع”الإخوان” في وضع لا يحسدون عليه، حتى تسببت في خرجات، غير محسوبة، لكبار “الإخوان” أثارت الكثير من السخرية، والاستغراب، خصوصا وأن غالبها نحا نحو الانتصار لإخوانه المخطئين، بما كانت تختاره العرب في الجاهلية، حول نصرة الأخ الظالم والمظلوم*، ويؤولوا سلوكاتهم بما كانوا ينقمونه على غيرهم من المبالغة في الدفاع عن الحريات الشخصية حينما تمرق عن الدين وتعاليمه السمحة !.

فهل هي بداية نهاية حزب اسمه “العدالة والتنمية” مع تدبير شأن عمومي، لم يستطع أن يواجه تماسيحه، وعفاريته، حتى سقط صريعا داخل عرينها، وأصبح الناطق الرسمي لها، بعد أن  كان يستقوي بمحاربتها، ويفضح أجنداتها “اللاشعبية”؟ !!..

هذا ما ستكشف عنه أيام الحكم القابلة..

دمتم على وطن.. !!

*         قال الرسول (ص)“انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”، وهذه كلمة كانت تقولها العرب، وكان العرب ينصرون أصحابهم وإن ظَلَموا، واشتهرت عندهم هذه القولة: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)، فلما قالها النبي (ص) قالوايا رسول الله! كيف أنصره ظالمًا؟ قال: تحجزه عن الظلم فذلك نصرك إياه“.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.