https://al3omk.com/390421.html

مواطِـنون في جمهورية الكتاب.. النصّ الورقي يتصدر عالَم المعرفة

انصرَم ربع قرن على انعقاد دورات المعرض الدولي للنشر والكتاب الذي تحتضنه مدينة الدار البيضاء بالمغرب كل سنة، ولعل الرقم أعلى لدى دول عربية أخرى، ونتابع تتالي انعقاد معارض في أكثر من بلد غربي وعربي، وهي من الفعاليات الجديرة بالتنويه والاحتفاء، كونها تَحفظ مقام أهل القَلم، وتفتح مجال ترابُط بين القراء والكُـتّاب، وتَجعل من ممارسة القراءة لدى الشباب والأطفال إسهام في التأليف، ذلك أنَّ قارئ اليوم هو كاتبُ الغد، ما راعى شرط الاستمرارية والارتباط بالعلم وحراسة الأمل النازغ في الصدر.

رغم دوران عَقْدين من الزمن في فلك عالم ما بعد العولمة وثورة تكنولوجيا الاتصالات المعاصِرة وطغيان الرقمي والشّبكي، واعتداد الأدمغة بالذكاء التقنوي وسيولة المعارف على المستوى الإلكتروني وتطوُّر الشركات العملاقة في مجال التقنيات التي تُوفّر للزبائن/القُـراء ملفات نصية ومستندات رقمية محمولة، وكذا ما تقدِّمه المكتبات الوقْفية من كُتب مصوَّرة؛ ومع انصراف _ أو عناية _ الكثرَة الغالبة من القَـرَأَةِ والكَـتَـبَة بما هو مُرقمَن، وتحبيذ مطالعته إلكترونيا، سواء أكان جريدة أو رواية أو كتابا أو مقالات أو قرآنًا حتّى؛ إلا أنَّ لحظة المعرض الدولي للكتاب تُبينُ عن منزلة الثورة الرقمية كونُها مجرَّدَ مُسَهِّلٍ للإنتاج والنشر الورقي، لا مَاحية أو عادِمة له، وأنَّ سنوات التحولات الهائلة في القرن ٢١ لم تجْنِ بَـعدُ ثمرات تغليبِ كفّة المنتَج الإلكتروني في مجال الثقافة والمعرفة على النشر الورقي.

لَم تأتِ إمكانات الإبدال الرقمني والإلكتروني على مكانة وموقعِ ما هو ورقي تقليدي في بلدٍ يَدّعي انخراطه في الحداثة بتعبيراتها المعنوية والمادية، ولا هي جَرفَت اهتمامات القُرّاء إلى قارة المقروء آليا والمُنتَج تِقنيا.. بل لا يزال سِحر الكتاب الورقي يأسِر الناس. نعم؛ أعطبت الدور التاريخي والوضعية الاعتبارية اللذان كان يمتّع بهما الكاتب في المرحلة الشفهية وفي طور عصر الطباعة، قبل أن تهجم عليه الماركسية الثقافية والفرويدية النفسوية والآن؛ الثورة الرقمية، لتحوِّله إلى شخص عادي، ولكنها لم تسطِع أبدا إرسال الكتاب الورقي إلى المقبرة.

ومن جملة الدروس الـمستفادة من اةالدورة الخامسة والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب المنتهِية مدته مساء الأحد ١٧ فبراير:

– استدامة مقاومة الأفكار للآلات، وتحدّي ما هو تقليدي أثيرٌ لما هو تكنولوجي متجدّد.

– تشَبُّث الإنسان/القارئ للنص المعرفي والشرعي والفكري والعلمي..؛ بما هو مُدوّن ومنشور في كتاب/مجلد/موسوعة ورقية، ولو أنَّ الكتابَ في إحدى تجلياته مرتبط بعالم المعلوميات والفضاء الشبكي، حيث يُكتب الكتاب في الحاسوب، ويخضع لحُكم الآلة ومراحلها إلى أنْ يستويَ مطبوعا ومنشورا؛ إلا أنَّ القارئ يتحسس الكتاب، يضمه، يضعه بعناية في الأكياس، ويُراجِع فهارس كُتب أخرى وهو يشعر بلذّة لَمس الورق، الآتي من الشجر، النابت من أمِّنا الأرض التي منها محيانا وفيها مثوانا ومنها نحن مُخرَجون.

– فكُّ التّعالُق بين القارئ والنص الإلكتروني؛ فمهما كان وَلع وانغماس بعض القرّاء في تلقّي المعارف والمعلومات والمناهج والبرامج وغيرها مما هو مُتاحٌ أو مُقتنَى من المعاجِم والفهارس والكتب والإصدارات العلمية النوعية في العالم الرقمي وذخائر الأرشيف الإلكتروني ومُتاحات التبادل اللاورقي عالميا؛ فإنك تراهُم وهُم يُقلِّبون أروقة الكتب، باحثين عن قديمها وجديدها، مُحْـينَ الصِّلة بما هو ورَقي، ولو تعلق الأمر بكتاب واحد لا شريك له! فيُلْحَظ ذلكم التَّوالُج بين الكتاب التقليدي والقارئ التقليدي؛ ولو اختلَف وتفاوتَ القُرّاء/المُشتَرون في المنازل والمستويات الثقافية والعلمية.

– ولما كان معنى “النص” المشتق من Textus يفيد في المجال الثقافي العربي الإسلامي “الظهور والبروز”، كان تصدُّر المكتوب باليد (المخطوطات مثلا) والكتاب الورقي أمْرا بَدهيا، وبِذا؛ أشَّرت حالات الاقتناء الواسعة للكتب الورقية على أنّ الكتابة الورقية تحمل دلالة شرعية، تُتَوارَث من يد ليدٍ. أما النص/الكتاب الرقمي فقد يضيع بخطأ تقني أو عطب يُصيب الحواسيب أو البُرد الإلكترونية في مَقتَل، أو باختراقِ قرصانٍ يسلبكَ أثمن ما تملك من أوراق وكتب ومجلات إلكترونية. واستفدنا درسا كذلك؛ مفاده أنّ الكتب الورقية أسلحة ضد زمن الحداثة السائلة، ومنتوجٌ نشِطٌ ضد النسيان.

– استفادةُ علم النفس المكتبي Bibliopsychologie _ إنْ كان هذا التخصص فعلا يحظى بالاهتمام والتدريس في جامعاتنا _ جرّاءَ حالة الإقبال (سواء أكان كثيفا أم ضعيفا) على اقتناء الكتاب الورقي والمجلة الورقية والتقارير الورقية؛ مِن تشكُّل واستمرار _ وبالتالي دراسة _ تَعالُقٍ وظيفيٍّ بين ثلاث متواليات من الظواهر النفسية بتعبير نيكولا روباكين يحتضنها ويعبِّر عنها المعرض الدولي: القارئ، النص، المُـؤَلِّف.

– رعاية مشاعر الوفاء بين المُؤلِّفين وجمهور القُرّاء والمتبضّعين، التي لا يمكن تلَمُّسها فيما بين المؤلِّف الرقمي والقارئ الرقمي. في حين يتيح المعرض إمكان الالتقاء بأعلام الفكر والرواية والأدب والقانون..؛ والاشتباك معهم فيما ألَّفوا، والظفر بتوقيعاتهم، وكلماتهم الدافئة، والتقاط صور معهم، وانتقاد أعمالهم السابقة، واستفسارهم عن مشاريعهم المستقبلية، وغيرها من الطقوس والمشاعر التي لا يحتضنها العالم الرقمي.

– غلاء الكتب المطبوعة، وتمنُّع بعض دُور النشر دون اعتماد سياسة التخفيض، أقَلّه؛ لفائدة الطلبة والتلاميذ؛ لم يمنع من نشاط حركة البيع، واقتناء الوافدين لما هُم بحاجة إليه من مراجع ومصادر، أو لتعزيز الثقافة العامّة، وفي انتظار إحصاءات رسمية من لدن وزارة الثقافة والاتصال؛ فإنَّ الحال والصور المبثوثة لطلبة وباحثين وهو يَعرضون فيها “صيْدهم” وحصيلة مُشترياتهم المعرفية، وبحثُ بعضِهم عن نوادر الإصدارات ولو في الأروقة الِمنصوبة في الزّوايا الـمَيِّـتة من المعرض؛ يُدلل على أنّ المنتوج الورقي فعلا خير أنيس وجليس، ومادّة مُباعَة ولو غَلا سِعرها.

– لا تزال الرسوم المفروضة على انتقال الكتاب من بلد عربي لآخر، تُفاجِئ الكاتب والقارئ والعارض على حدٍّ سواء، فكثيرٌ من زوار المعرض يخصّصون يوما واحدا للتبضع، مخططين لاقتناء كتبهم المفضلة أو مراجِعهم للدراسة أو البحث الجامعي، حيثُ يَأمون اقتناءهُ من المعرض حصرا؛ فإذا بالقيود الجمركية والإجراءات الإدراية وتكاليف الشّحن والنقل تُعيق ولوج الكتاب المقصود داخل الأجل المعدود، وتعصف بأملِ القارئ. وقد يُرجَأ ولوجه لرواقٍ ما إلى ما قبل يوم إسدال السِّتار؛ فتكون خسارة للكاتب والكتاب والناشر والزائر!

إنَّ النَّشر الورقي في السياق الحالي ولا شك يواجه صعوبات وتحديات؛ أدناها العزوف القرائي في صفوف العامّة، وأعلاها المنافسة الإلكترونية المُهدِّدة مهنة النشر بالانقراض والقراءة الورقية بالانتقاض. ورغم التقدير الكبير الذي يحظى به الكتاب الورقي، وإقبال الزوار على المعارض بما هي فضاءات للحوار والتواصل وتنشيط حركية الإنتاج العلمي والأدبي والفني وتبادُل المعارف عبر الاقتناء والعروض والندوات، وفرصة للتعرف على المتميزين من الكتاب والقَصّاصين والعلماء الذين يُتوجّون بالجوائز ويُكرّم بعضهم، وذلك منذ نهاية خمسينات القرن العشرين؛ إلا أنَّ قُدْس الأقداس في مَثيل هذا الحدث الثقافي المجتمعي المُفيد هو (القراءة)، كونُها هدَف تنظيم المعارض، ثم النّشر وتليه الأنشطة الأخرى. فالعبرة بعدد الكُتب المباعة، وبالأخص؛ ذات القيمة الاعتبارية العالية في ميدان العلوم الاجتماعية والطبيعية والقانون والشريعة، لا كُتب الطلاسم وأسماء الجانّ ومملكة الأبالسة وكيف تصير مليونيرا في شهر وأخطَر المغامرات وأشهَر الجرائم والقصص البوليسية وفضائح الساسة والأمراء وكُتييات الطبخ _ على أهميتها بالنسبة للأمهات وربّات البيوت _؛ والعِبرة بنوعية الفعاليات التي تجتذِبُ الزوار للارتباط بالقراءة والمعرفة، وبأعداد الكُتّاب والمؤلِّـفـين الجُدد الذين تَعرّف عليهم القُراء وعلى مُنجزِهم الذي ولَج المعرض حديثا، بدَل الاقتصار على نفس الأسماء والرمزيات العلمية والأدبية ومُصنّفاتها التي يُعاد نشرها وعرضها منذ الثمانينات لكن في إخراج جديد لا غير. والعبرة كذلك بتنظيم مسابقات وجوائز لأحسنِ كتاب وأفضل كاتب وأجودِ ناشِر وأبرع قارئ؛ وإشراك القَـرَأة والطلبة في الندوات، لا سيما تلك التي تدور قضاياها وتصبُّ مواضيعها حول مجتمع القراءة، وتحديات المقروء الورقي في عصر التكنولوجيا المتطوّرة، وبواعِث انتهاض دور النشر وطرق حماية حقوق المؤلِّفين والناشرين وغيرها من المواضيع ذات الأهمية والأولوية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك