https://al3omk.com/418443.html

المقامة المجاعية.. وفرة لغوية وخصاص مجتمعي

“إن المقامات تشبع الإحساس الوهمي بالترف الذي هو سيد المطالب: و ربما استطاع بديع الزمان أن يوسع مفهوم الترف : و أن يحتج له، وأن يحيطه برعاية غريبة ” – مصطفى ناصف

متن المقامة :

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ بِبَغْدَادَ عَامَ مَجاعَةٍ فَمِلْتُ إِلى جَماعَةٍ، قَدْ ضَمَّهُمْ سِمْطُ الثُّرَيَّا، أَطْلُبُ مِنْهُمْ شَيَّا، وَفِيهمْ فَتىً ذُو لَثْغَةٍ بِلِسَانِهِ، وَفَلَجٍ بِأَسْنَانِهِ، فَقَالَ: مَا خَطْبُكَ، قُلْتُ: حَالاَنِ لا يُفْلِحُ صَاحِبُهُما فَقِيرٌ كَدَّهُ الجُوعُ وَغَرِيبٌ لايُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فَقَالَ الغُلامُ: أَيُّ الثُّلْمَتَينِ نُقَدِّمُ سَدَّها؟ قُلْتُ: الجُوعُ فَقَدْ بَلَغَ مِنِّي مَبْلَغاً! قَالَ: فَمَا تَقولُ فِي رَغيفٍ، عَلى خِوَانٍ نَظيفٍ، وَبَقْلٍ قَطِيف إِلى خَلٍّ ثَقِيفٍ، وَلَوْنٍ لَطِيفٍ، إِلَى خَرْدَلٍ حِرِّيفٍ، وَشِوَاءٍ صَفِيفٍ، إِلَى مِلْحٍ خَفِيفٍ، يُقَدِّمُهُ إِلَيْكَ الآنَ مَنْ لا يَمْطُلُكَ بِوَعْدٍ وَلا يُعَذِّبُكَ بِصَبْرٍ، ثُمَّ يَعُلكَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَقْداحٍ ذَهَبِيةٍ، مِنْ راحٍ عِنَبِيَّةٍ؟ أَذَاكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ أَوْسَاطٌ مَحْشُوَّةٌ، وَأَكْوابٌ مَمْلُوَّةٌ، وَأَنْقَالٌ مُعَدَّدَةٌ، وَفُرُشٌ مُنَضَّدَةٌ، وَأَنْوَارٌ مُجَوَّدَةٌ، وَمُطْرِبٌ مُجِيدٌ، لَهُ مِنَ الغَزَالِ عَيْنٌ وَجِيدٌ؟ فَإِنْ لَمْ تُرِدْ هذَا وَلا ذَاكَ، فَمَا قَوْلُكَ في لَحْمٍ طَرِيٍّ، وَسَمَكٍ نَهْرِيٍ، وَبَاذِنْجَانٍ مَقْليٍّ، وَرَاحٍ قُطْرُبُّليٍّ، وَتُفَّاحٍ جَنِيٍ، وَمَضْجَعٍ وَطِيٍّ، عَلَى مَكَانٍ عَليٍّ، حِذَاءَ نَهْرٍ جَرَّارٍ، وَحَوْضٍ ثَرْثَارٍ، وَجَنَّةٍ ذَاتِ أَنْهَارٍ؟ قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ الثَّلاَثَةِ، فَقَالَ الغُلاَمُ: وَأَنَا خَادِمُهَا لَوْ كَانَتْ، فَقُلْتُ: لا حَيَّاكَ اللهُ، أَحْيَيْتَ شَهَوَاتٍ قَدْ كَانَ اليَأَسُ أَمَاتَها، ثُمَّ قَبَضْتَ لَهَاتَهَا، فَمنْ أَيِّ الخَرَابَاتِ أَنْتَ؟ فَقالَ:
أَنَا مِنْ ذَوِي الإِسْكَنْـدَرِيَّةْ *** مِنْ نَبْعَةٍ فِيهِـمْ زِكِـيَّةْ
سَخُفَ الزَّمَانُ وَأَهْـلُـهُ *** فَرَكِبْتُ مِنْ سُخْفيِ مَطِيَّهْ

استهلال :

تميز الأدب العربي القديم بثراء فكري و جمالي قل نظيره في الآداب العالمية الكلاسيكية ، و إذا اقتصرنا على العصر العباسي الذي توج مسيرة الإبداع الأدبي العربي البهيج ، و صعد به نحو التوهج الكوني ، سنجد أنفسنا أمام شعراء و ناثرين عباقرة أغنوا المنجز الأدبي أداة و رؤية ، فالمتنبي و أبو العلاء المعري و الحريري و بديع الزمان الهمذاني كواكب ساطعة في سماء الصوغ الأدبي الباذخ . و لئن كان بعض النبهاء قد اعتبروا مع قدر يسير من المبالغة أن الشعر ديوان العرب بفضل خصوصية القصيد ، الذي تمكن بحق من تخليد الملاحم العربية حضاريا و ثقافيا و جماليا ، فإن النثر العربي لم يكن أقل من الشعر في البوح بأدق و أرق و أعظم القيم الإنسانية النبيلة ، سواء تعلق الأمر بالرسالة أو الخطبة أو الحكاية أو المثل أو المقامة ..

المقامة بين المفهوم و .. السياق :

أجمع الدارسون و المعنيون بالشأن الأدبي الكلاسيكي أن المقامة جنس أدبي عربي أصيل ، جاء نتيجة للتطور الثقافي و السياسي و الاجتماعي في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ، و بالتالي هو ثمرة لتطور داخلي و نوعي للفكر الأدبي العربي بعد قرون من البناء الحضاري . و المقامة في المحصلة الأخيرة حكاية شعبية قصيرة صيغت في قالب لغوي بديع جمع بين ” أدبية ” الشعر و النثر ، و استندت إلى أسلوب يستحضر مختلف المحسنات البلاغية من سجع و جناس و تصوير و طباق و مقابلة .. تسلط الضوء على قضايا المجتمع اليومية . و يعد بديع الزمان الهمذاني ( 358 – 398 ) / التاريخ الهجري ، من أشهر كتاب المقامات إن لم يكن أبرزهم في التاريخ العربي القديم و الحديث . و إذا كان الهمذاني قد أنشأ حوالي أربعمائة مقامة ، فقد وصلتنا من هذا الكم الكبير اثنتان و خمسون مقامة فقط . و تحتل المقامة المجاعية الرتبة الخامسة و العشرين ضمن باقي النصوص المقامية الأخرى : ( مقامات بديع الزمان الهمذاني – دار الكتب العلمية ؛ بيروت – لبنان – الطبعة الثالثة : 2005 )

المقامة المجاعية : البناء و … الدلالة :

على غراء البناء الفني لمختلف المقامات الهمذانية تتشكل المقامة المجاعية من السند و المتن ، أو من الإطار و المحتوى ، فأما الإطار فيتجلى في العبارة المسكوكة : ” حدثنا عيسى بن هشام قال ” : و غني عن البيان أن بديع الزمان الهمذاني قد ” فوض ” للراوي عيسى بن هشام مهمة الحكي و الرواية ، فهو يحكي عن كل ما يصادفه في المجتمع البغدادي من مظاهر القوة و الضعف و المعرفة و الجهل و العدل و الظلم و الغنى و الفقر و السيد و العبد و الصدق و الكذب .. كل ذلك عبر شخصية مركزية : أبو الفتح الإسكندري الذي اشتهر بالذكاء و الفطنة و التمكن من المعارف الأدبية و اللغوية والدينية ، و اقتفاء سبل المكر و الخديعة و الكدية ، و قد وظف كل هذه القدرات المخصوصة للاستجداء و طلب المساعدة في الأسواق و الطرق و اللقاءات الجماعية .

و تبدأ المقامة المجاعية بإشارة الراوي عيسى بن هشام إلى كونه كان في بغداد عام الجوع ، فتوجه إلى جماعة من الأفراد يطلب منهم يد العون للتخفيف من وطأة الجوع و الإحساس بالغربة ، و لما كان الجوع أكثر حدة على الراوي ، سأله غلام من الجماعة عن الأكل الذي يود أن يتناوله ، هل هو رغيف و بقل خل و خردل و شواء، أم أوساط محشوة و أكواب مملوءة ، أم لحم طري و سمك نهري.. فكان جواب الراوي عيسى بن هشام أن قلبه يهفو إلى كل هذه الأنواع من المأكولات ! فرد عليه أبو الفتح الإسكندري بعد أن عرض عليه ما طاب و لذة من أصناف الأطعمة ، و بلغة تقطر بديعا و تتلألأ بيانا و تهتز تنميقا : ما كنت لأحرمك منها لو كانت متوفرة !

يمكن القول إن الطابع الخيالي و النزعة الإبداعية لهذه المقامة بالغة الجودة اللغوية و السبك البديعي ، جعلا منها منجزا فنيا ، يحفل بالسخرية الهادفة و النقد الجمالي ، لواقع اجتماعي يفتقد إلى الإنصاف و التوازن . مما أفسح المجال أمام دنيا الأحلام و الأوهام اللامحدودة ، و الترف اللغوي المقصود ، الذي جاء لتحقيق عديد من الأغراض الظاهرة و المستترة ، لعل من بينها التعويض عن الخصاص المادي و الاجتماعي ، بالوفرة اللغوية فائقة التجمل البديعي و البياني ، في ظل نسق سياسي عربي موسوم بالحرمان و التهميش و الظلم الاجتماعي ، الذي ” تمطى بصلبه ” ، و خصوصا في العقود الأخيرة من القرن الرابع الهجري من تاريخنا العربي المديد .

خلاصة :

و عليه سنرتكب خطا جسيما إذا اقتصرنا على تكرار ما اعتاد الدارسون ” المختصون ” من كون فن المقامة سواء على يد الهمذاني أو الحريري و غيرهما ، هو رمز للتكلف و التصنع البديعيين بلا طائل ، بل إن التفنن البلاغي الذي صيغت من خلاله المقامات بشكل عام ، هو بمعنى من المعاني استقراء غير مشروط للذات العربية الجريحة ، و استكناه ” للتشققات الوجودية في الانعطافات المصيرية للإنسان العربي .

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك