فريد الأنصاري الذي في خاطري
https://al3omk.com/437952.html

فريد الأنصاري الذي في خاطري مقال

من أجمل ماقيل عنه رحمه الله أنه ” لو عاش عشر سنين أخرى فوق التسعة والأربعين التي كتب الله له لكان مجدد الدين في العالم بلا منازع”..غير أنني أقول أنه والله قد حاز هذا الشرف بعد وفاته بعشر سنين.

حياة الدكتور فريد الأنصري رحمه الله شبيهة إلى حد كبير بفيلم هوليودي عظيم..أحداث قليلة في أول ووسط عمره..وزخم عظيم من التغيرات التقلبات والإثارة في آخرها..الغريب أن حياته رحمة الله عليه استمرت حتى بعد وفاته..فما عرفه أغلب محبيه إلا بعد أن قبض الله روحه..وكذلك كنت أنا..وتلك شيم الصالحين والأوياء..غرباء في الدنيا عظماء بعد الموت..نحسبه منهم والله حسيبه.

ولد الفريد سنة 1960 بمدينة الرشيدية جنوب المغرب . مدينة محافظة إلى حد بعيد اشتهر أهلها بالحياء والالتزام بالأخلاق والتقاليد الجميلة.. درس هناك وتحصل على البكالويا ودخل كلية الآداب التي تخرج منها بعدما تحصل على الإجازة التي أتبعها بدكتوراه الدولة في الدراسات الإسلامية …يحكي على جوانب من هذه التجربة الدراسية وكيفية التحاقه بالسكن في روايته الأولى “كشف المحجوب ” فيقول : ألقى بي المقلاع في العاصمة موظفا صغيرا بالوزارة.. لايشك الناظر إلي أني بدوي قريب العهد بباديته ! فرغم قضائي أربع سنوات كاملات بالحي الجامعي إلا أنني مع ذلك لم أعرف من العالم الخارجي شيئا ، فما كنت أتجاوز في علاقاتي أسوار الجامعة ومحيطها حتى كان هذا التعيين المفاجئ ! العاصمة الآن تحتضنك بهولها وعهرها ! فاركض بفيافيها أيها البعير المبهوت بالكثافة والصراخ ! سكنت وصديقي عليا بغرفة على سطح عمارة..كان مثلي جاء من فج عميق ييد أننا مختلفان..”

كانت للفريد هموم دعوية عظيمة…فكان قلبه يتحرق على الواقع المزري للأمة الإسلامية ومدى الهوة العظيمة التي ترسبت بعد الإستعمار الأجنبي بين الواقع المنشود والحال المشهود لها..فكان ذا قلب مثقل بالأسى تترجم على ملامحه التي كانت توحي برجل يكتم في داخله أضعاف مايظهر..

تجربة الحركة الإسلامية ومحاولات تقويم المسار :

على خطى الكبار والراسخين في العلم كان الدكتور فريد يرى أن أي باب من الخير كيف ماكان يجب على المسلم أن يساهم فيه ويثمنه ولو بالنصح والكلمة الطيبة..لأن ثغور الدعوة إلى الله تعالى كثيرة وإن استطاع المؤمن أن يسد بعضها فعل..فتجده رحمه الله في أول عهده حركيا يعمل مع الجماعات الإسلامية بالمغرب ( حركة التوحيد والإصلاح) ويساهم في تربية الشباب على النهج السائد..غير أنه بعد سنوات من الاشتغال والعطاء أحس أن الفكرة الأساسية (الدعوة إلى الله ) التي أوجدت من أجلها الحركة بدأت تتهالك وتتآكل..خاصة بعد تأسيس حزب سياسي (العدالة والتنمية ). فقد بدأت حركة الهجرة تتعاظم من الحركة إلى الحزب حتى امتلئ هذا الأخير بكثير من المؤسسين الكبار واصبحت الحركة خاوية على عروشها اللهم إلا من بعض الصالحين وعمت البلوى بفتنة السياسة..فقد كان التوجه العام هناك أن الدعوة استنفذت غايتها وأن الإصلاح من الأسفل قد انتهى وجاء الآن زمن السياسة..فكان الدكتور رحمه الله يخالفهم في هذا جملة وتفصيلا وقد عبر عن أفكاره في كتابة الذي نزل كالصاعقة ” الأخطاء الستة للحركة الإسلامية ” ثم كتاب “الفطرية” والكتاب القوي الصغير ” الفجور السياسي ” الذي يقول فيه :” إن مشكلة الحركة الإسلامية هي كونها قد استدرجت فعلا لتلعب خارج حلبة الصراع وهي تعتقد أنها في صلب تلك الحلبة تعارك وتبارز ! إن الاختيار بين المواجهة السياسية والتصعيد النقدي وبين المشاركة والمساندة النقدية ليس هو الكفيل بوضع الحركة الإسلامية على سكة الطريق والأمساك بيدها على لجام الحصان في مواجهة الفجور السياسي ! ” فهو يقصد هنا أنه لا المشاركة في اللعبة السياسية ولا المواجهة من الخارج كفيلة بتحقيق الهدف الأسمى الذي أوجدت من أجله الحركات الاسلامية.

كانت هذه الكتابات آخر عهده كعضو ينمتى تنظيميا للحركة قبل ان يفتح الله له بابا أكبر وأعظم للتنظير حول وسيلة قومة الأمة ألا وهو الإشتغال المباشر بالقرآن الكريم.

-فريد الجديد :

تاتي تسمية فريد الجديد هذه على غرار تسمية سعيد القديم وسعيد الجديد الذي سمى بها بعض فصول روايته الماتعة “آخر الفرسان” التي يتحدث فيها عن التجربة الدعوية التركية مع الرجل العظيم سعيد النورسي المشتهر ببديع الزمان..تختلف الأسامي والأحداث ويبقى الرجوع إلى الوحي بعد الحيرة أكثر مايجمع بين الرجلين..والعجيب انه قد نضج في ذهنهما هذا الفهم عند أربعين سنة.

بعد عودته من من موسم الحج سنة 2002 ألف أولى كتبه في سلسلة من القرآن آلى العمران كتاب “بلاغ الرسالات القرآنية ” الذي ماوجدت له عدلا في ثقله (وإن اختلف المضمون ) سوى كتاب الشهيد سيد قطب رحمه الله معالم في الطريق.. فقد دبج رحمه الله في هذا الكتاب قراءات جديدة لمصطلحات قد تبدوا من الوهلة الأولى أنها من البديهيات التي لايجهلها مسلم عامي كالوحي واليوم الآخر والله تعالى والكون والإنسان..

فقد كان يرى أن تطبيعنا مع هذه المصطلحات والمفاهيم وسلخنا لها من جانبها الغيبي جعلت المؤمن اليوم يركن إلى جانبه الطيني المادي أكثر من الروحي الغيبي فعمت من البلاوي ما الله به عليم فانتكس فهم الناس للدين وتحول السعي من الآخرة نحو الدنيا.

حدثني من جالسه بعد عودته من موسم الحج أنه كان كان كلما تكلم أسهب وأطال إلا ذلك اليوم..فقد كان صمت أكثر مما تكلم على غير عادته..فقد احس أخيرا أنه وجد الطريق خاصة بعد احتكاكه الطويل مع التجربة التركية الفريدة ابتداء من بديع الزمان إلى آخر من خلفوه.

-زمن القرآن :

كانت اللبنة الأولى في هذا المشروع هو كتابه الخالد ” مجالس القرآن ” فقد بين فيه حاجة الأمة إلى القرآن وضرورة عودتها إليه لا من باب الأحكام والفقه وإنما من جانب التربية والتدبر..فالمشكل في الأساس مشكل تربوي..لأن هذا الجميع تجاوز هذا وظن أنه شرط غير موجب التحقق..في حين أن القرآن الذي يحمل نموذج نهضويا لم يعالج في ثلاثة عشرة سنة سوى قضية التربية الفردية من علم بحقيقة الله تعالى ويوم آخر وأخلاق فردية..حيث كان النبي. صلى الله عليه وسلم يجتمع بصحابته في دار الأرقم بن الأرقم التي كانت مكانا لتدبر القرآن وتدارسه..والتأصيل الإيماني لهذا كله متوفر في كتابه الذي ذكرت..

إن مشروع مجالس القرآن يخرج رجالا من طينة نادرة..وقد التقيت ببعضهم فكانوا رجالا لا كباقي الرجال..من الله عليهم بتصور وفهم عميق لمشاكل الأمة..وقد بدأ يسري وينتشر هذا الفهم في صفوف كثير من الناس بتيسير من الله دونما أدنى جهد إعلاميا أو ترويجي..إنما ببركة الله الذي كلما لمس في عمل صدقا إلا وكتب له القبول في الأرض

إن الدكتور الانصاري ومجالس القرآن ليست كتبا تدرس بل هي مشروع ينزل على الأرض يحتاج للرجال الذين سئموا من جميع محاولات النهضة التي تضع الوحي في آخر الهرم بينما اختاره الله تعالى ليكون كل الهرم.

ألم به المرض فانهكه..فقد ابتلاه الله بسرطان الدم الذي اثقل كاهله وأعياه..خاصة مع حصص العلاج الطويلة التي تدوم لساعات..وقد جالست مرافقيه في آخر أيامه فقالوا أنه رغم تعبه الشديد ماترك يوما قيام الليل ولا أوراده وأذكاره…بل وحتى التأليف وبعض التزاماته الدعوية.

بهذا أحب الناس هذا الرجل العظيم الذي سبقنا إلى الآخرة قبل أن يكتب اللقاء..ولولا اليقين باللقاء بإذن الله لكانا قد أنهكنا الشوق..
رحمه الله وجعل روحة في جوف طير خضر تطير حول العرش.