المشروع الإصلاحي لدى محمد بن الحسن الحجوي
https://al3omk.com/483305.html

المشروع الإصلاحي لدى محمد بن الحسن الحجوي

مقدمة….

تهدف هذه المقالة الى الإسهام في النقاش الدائر حول قضايا التنمية السياسية وإشكاليات الحداثة والتحديث السياسي، وتسلط الضوء بشكل خاص على رؤيتين متقابلتين كانتا تتناحران لجر المغرب إليهما: رؤية تقليدية، تحاول أن تبرز كرؤية وطنية من محراب التقليد والفكر السلفي الجامد، ورؤية أخرى مقابلة، كانت تحاول أن تدفع المغرب في اتجاه الالتحاق بركب الحداثة والعصرنة من خلال تمثل الأفكار التنويرية من قاعدتها وخلفيتها الفلسفية الأوروبية. وهنا سنحاول انطلاقا من هذه المقاربة طرح سؤال الموقع الذي احتله الفقيه محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي من خلال اجتهاداته ومشروعه الإصلاحي، وكيف حاول  أن يستوعب معطيات الرؤيتين ودوافعهما، ويصوغ لنفسه رأيا اجتهاديا مستقلا، يستمد أصوله من المرجعية الإسلامية، ويمضي في اتجاه التحديث والتنوير المعقلن، الذي لا يخاصم الذات، إذ استطاع الرجل أن يتغلب على الموقف الحرج، بالتوفيق بين القطبين المتنازعين والتقريب بينهما من خلال اجتهاداته الفقهية، التي بين فيها بحجة منقطعة النظير، حكم الدين في التعامل مع كثير من المستجدات التقنية والإدارية والمالية، ومن خلال خطة إصلاح نظام التعليم، وتطوير التعليم بالقرويين، ودعوته المبكرة جدا لتعليم الإناث، وإدماجهن في مخطط التنمية، مؤكدا على محورية ومركزية النخبة الثقافية والعلمية في قيادة الإصلاح والمساهمة في ترشيده وتحقيقه.1

عادة ما يذهب الفقهاء في تأطيرهم وتأصيلهم لمفهوم الحداثة السياسية، الى ربط ظهورها بالتطورات الأساسية للإجتماع السياسي الغربي، وفي نفس السياق يعتبرها التاريخ الفرنسي وليدة الثورة الفرنسية1781، وتحققت عبر عملية فصل المجتمع عن الدولة، والإنتقال من النظام القديم الذي غابت فيه الدولة المعارضة والمجتمع المدني والحقوق الفردية، الى نظام تغيرت فيه الحركية والدينامية الإجتماعية.2

هنا لا بد أن استحضر كتاب باربييه الذي افترض من خلاله بأن العلمانية لا تقتضي فقط فصلا بين الدولة والدين، بل يجب اقامة فصل أكثر جذرية بين الدولة والمجتمع المدني، مما يستلزم بدوره تشكل دولة حديثة مكلفة بالمصلحة العامة ، وفي الوقت نفسه تشكل مجتمع يستطيع الأفراد في اطاره أن ينشدوا بملء الحرية مصالحهم الخاصة.

وقوام الحداثة السياسية إنما هو تحديدا في هذا الفصل بين الدولة والمجتمع ، بين الدائرة العامة والمضمار الخاص. فالدولة الحديثة هي بالتعريف دولة متمايزة عن المجتمع ، تعلو عن المصالح الخاصة للأفراد ، وشاغلها الأوحد المصلحة العامة ، وهذا الفصل بين الدولة والمجتمع هو الذي يسمح من جهة أخرى بالتمييز بين الإنسان كفرد وبين المواطن3.

قليلة هي الدول التي استطاعت تحقيق عملية الانفصال هذه بين الدولة والمجتمع، حتى دول أوروبا تعاني من قدر يزيد أو يقل من الخلط بين الدائرة العامة والمضمار الخاص، وبين المصالح العامة والمصالح الخاصة ، وهذا يعني أنه لا توجد مصلحة عامة ، لأن الدولة الحديثة لم تتكون بعد ، كل ما هناك مصالح أفراد وجماعات وفئات وطوائف ، الباب الذي يفتح باب الفساد الإداري والمالي على مصراعيه على جميع المستويات. كما أنه لا وجود بعد لمواطن حقيقي نظرا لعدم وجود مجتمع مدني ، وبالتالي فإن مفهوم حقوق الإنسان لا دلالة فعلية له بعد كما الشأن لحقوق المواطن.4

اعتبرت قضية التحديث والإصلاح أولوية رئيسية واستعجالية ضمن أولويات النخبة المغربية العالمة ، لاعتبارات ارتبطت بالظروف العامة التي شهدتها البلاد على المستوى الداخلي ، وأخذا بعين الاعتبار أهمية ووجاهة المؤثرات الخارجية التي كانت تخدم أهداف التوغل وبسط النفوذ على العوالم المجاورة.

ومن هنا بدأ العمل استنادا على ما خلفته النخبة السياسية المغربية من آثار وأعمال أدبية وفقهية، كالكتابات والفتاوى والرحلات…، في بلورت هذا المطلب الاستعجالي ، اذ كانت هذه الشريحة المجتمعية بحكم مسؤولياتها وانفتاحها على العالم الغربي ، أقدر الفئات الاجتماعية على فهم واستيعاب مقتضيات الواقع التاريخي التي فرضت نفسها على الفكر في اطار المفارقة التاريخية التي ما فتئت تتسع بين عالم الإسلام وعالم الغرب الأوروبي

طبيعي أن تتعدد ردود فعل المغاربة تجاه الحداثة الأوروبية بعدما ترسخ الوعي باختلال التوازنات بين الأنا والآخر للإفلات من خطر الاحتلال والاستعمار ومحوي الهوية . واقتنع معظم رجالات المخزن بأن خيار التحديث هو السبيل الأنجع لمجابهة التحدي،5 وفي هذا الإطار تبلورت العديد من المشاريع الإصلاحية مثلت في مجملها تعبيرا صريحا ومبكرا عن يقظة حديثة ، وحس منشغل بالنهوض المجتمعي ،غير أن هذا الحراك لم يمنع المتنمرين على البلاد المغربية من وضعها في شراك الاحتلال مع معاهدة الحماية الموقعة سنة 1912م فعرفت البلاد مع هذا النظام الجديد مرحلة جديدة خاضعة لسياسته الاستعمارية.

إن اقتصارنا على دراسة المشروع الاصلاحي لمحمد بن الحسن الحجوي جاء لدواعي مرتبطة أولا بالحقبة الزمنية التي عاش فيها، فقد عاصر خمس ملوك من ملوك الدولة العلوية هما : الحسن الأول ؛ عبد العزيز ؛ عبد الحفيظ ؛ مولاي يوسف ؛ محمد الخامس ، هذه المرحلة التي عاش فيها المغرب الكثير من الأحداث الجسيمة والشدائد والأهوال ، فقد عاش مرحلة وصفها بقوله :

” …رأى المغرب فيها من الأهوال والشدائد ما يشيب له الرضيع وتندك له الجبال…”
أما الداعي الثاني فهو أن الحجوي كان يجمع بين كونه فقيها مجتهدا مصلحا ، وموظفا مخزنيا ، وتاجرا متمرسا ، كما جمع بين التنظير والممارسة.

’’محمد بن الحسن الحجوي نسبه وتكوينه العلمي’’

ولد محمد بن الحسن بن العربي بن محمد بن أبي  يعزى الحجوي الثعالبي بمدينة فاس سنة 1874 وتوفي سنة حصول المغرب على الاستقلال 1956.

جاء في فهرسته6 أن والديه حرصا على تعليمه وتربيته تربية صالحة ، فكان من ثمارها تعلقه بطلب العلم. يقول عن نفسه : ” فلم أشعر إلا وأنا عاشق مغرم بالجد والنشاط تارك لسفاسف الصبيان متعود على حفظ الوقت ألا يذهب إلا في ذلك ”7 ، فحفظ المتون قبل أقرانه وولج القرويين وتلقى فيها دروس العلم والأدب على يد جهابذة القرويين أمثال أحمد بن الخياط  ، وأحمد بن سودة  ، وعبد السلام الهواري ، والكامل الأمراني وأبي العلاء إدريس بن الطايع ، فتخرج على أيديهم متبحرا في الفقه والتاريخ والرياضيات واللغة وغير ذلك .

مما انفرد به الحجوي في مسيرة طلبه للعلم دونا عن سائر المتقدمين والمتأخرين أنه أخذ عن أناس أميين  كما أخذ عن التجار وغيرهم ممن لا ينسبون عادة إلى العلم غير أنهم ممن اشتهروا بين أقرانهم بحدة الذكاء ومجالسة العلماء ولم تفته الإشارة إلى فضلهم عليه في فهرسته ، ولا أدل من هذا على سعة أفقه وإقباله على الحكمة.

تقلد الحجوي بعد تخرجه من القرويين عدة مناصب ، فاشتغل بالتدريس بداية  وعين بعدها مندوبا لوزارة المعارف لمدة عشرين عاما، ثم وزيرا للعدل ، وفي كل تلك الوظائف برزت ميولاته  الإصلاحية ، فهو يعتبر من أبرز أقطاب النخبة المغربية العالمة التي اشتغلت بالإصلاح وانشغلت به على مستوى الفكر والواقع ،وتعتبر دراسة أفكاره ومواقفه ذات أهمية كبرى في استجلاء الواقع التاريخي الذي شهدته الأمة المغربية خلال الفترة التي عايشها ، وهي فترة تحول عميق مس الدولة والمجتمع؛ إذ عاين المراحل الحاسمة من فترة ما قبل الاحتلال من جهة، وعهد الحماية من جهة ثانية.

’’الحجوي أدرك مبكرا أن أي مشروع تحديثي، لا يمكن أن يتم من غير البدء بإصلاح التعليم في كل مستوياته’’

إن محمد بن الحسن الحجوي لم يكن مجرد موظف مخزني فحسب، وإنما كان واعيا تمام الوعي بمسؤوليته الاجتماعية والثقافية ـ باعتباره عالما ـ في قيادة الإصلاح، والمساهمة في مجريات السياسة المغربية في عصره، وأن مشروعه الإصلاحي التحديثي الذي أطلقه كان جزءا لا يتجزأ من هذه المساهمة.

فقد اتجه أولا، إلى الاجتهاد في الدين، لأجل استيعاب التطور التكنولوجي والتقني والاقتصادي الغربي، ثم اتجه رأسا إلى إصلاح التعليم، لإدراكه العميق أن أي مشروع تحديثي، لا يمكن أن يتم من غير البدء بإصلاح التعليم في كل مستوياته. فاهتم بقضية إصلاح التعليم مبكرا، إذ وجه رسالة مفتوحة إلى السلطان عبد العزيز دعاه فيها إلى تحديث التعليم المغربي وتنظيم مؤسساته، لتكون منارات علم تنشر المعرفة وتربي الناس، ولما لم يجد آذانا صاغية من السلطان عبد العزيز، أعاد نفس الأمر مع السلطان عبد الحفيظ، فوجه له خطابا مفتوحا على يد الفقيه الخضر الشنقيطي، أعاد فيه التأكيد على مطالب محاربة الأمية، وتعميم التعليم وإجباريته، وإصلاح هيكلة مؤسساته اقتداء بالدول المتقدمة.8

وبقي الحجوي متمكسا برأيه في إصلاح التعليم إلى أن عين نائبا في الصدارة العظمى للعلوم والمعارف، فاشتغل على إصلاح وتنظيم التعليم بجامعة القرويين، لكن مشروعه عرف معارضة من قبل سلطات الحماية انتهت باقالته من منصبه،9 ثم تولى المنصب نفسه عام 1939، فخصص جهوده في الولايتين لإصلاح نظام التعليم، ومناهجه ومؤسساته ومخططه. بما يضمن تقدمه ومساهمته في تقدم البلاد وتحررها من ربقة الاستعمار

’’أكد على محورية ومركزية النخبة الثقافية والعلمية في قيادة الإصلاح والمساهمة في ترشيده وتحقيقه.’’

قد عمد الحجوي إلى تأصيل هذا الشرط من داخل المرجعية الإسلامية، فكتب كتابه “النظام في الإسلام”، اعتبر فيه أن النظام هو القواعد الثابتة الصارمة التي تتأسس عليها المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ورأى في هذا الكتاب أن مبعث تخلف المسلمين هو الفوضى وتنازع الأهواء والانحراف عن النظام.

وتساءل الحجوي حول إمكانية النهوض بالاعتماد على الذات وتطوير الأنظمة الذاتية دون استيراد نماذج التنظيمات الغربية التي استهوت المثقفين المغاربة الذين اطلعوا عليها خاصة التنظيمات السياسية (النظام الديمقراطي) مستحضرا في ذلك ثنائية الغرب المتقدم والغرب العدو،  ليخلص في جوابه إلى أن التاريخ العربي غني وثري على مستوى التنظيمات التي يمكن استلهامها، لكن ذلك في نظره، لا يعني الركون إليها، وعدم الاستفادة من المؤسسات والتنظيمات الغربية.10

وبخصوص الشرط الثاني، فقد كان الحجوي يرى أنه لا انفصال بين النظام والعلم، وأنهما معا يشكلان وسليتي الرقي والتقدم الأساسيتين ، والضمانة الحقيقية لاستقلال البلدان المستعمرة. فالأمية عند الحجوي الثعالبي، هي داء الإسلام الدفين وسبب تأخر الأمة، وهي أول داء وجب المبادرة بعلاجه ومحاربته، وأنه لا سبيل للتصدي له سوى بنشر التعليم وتطوير طرقه وأساليبه، حتى تغدو القراءة والكتابة أمرا سهلا ميسورا على الجميع ذكورا وإناثا صغارا وكبارا من بدو وحضر.
’’الحجوي العقلاني الليبرالي المتنور’’

إن الحجوي شكل حلقة أخرى من حلقات رواد الفكر الإصلاحي النهضوي من أمثال الأفغاني ومحمد عبده وخير الدين التونسي، ممن كانوا يميلون للفكر الليبرالي دون التخلي عن مقتضيات المرجعية الإسلامية، وكانوا مهووسين بفكرة التقدم والتفكير في شروط النهضة والمشاريع الإصلاحية التي من شأنها النهوض بالأمة، بل والتفكير في الخطط الإصلاحية العملية والسياسات العمومية التي تحقق الإقلاع الحضاري للأمة.

أننا نعتبر أن عمل الإصلاحيين المغاربة، وعلى رأسهم الحجوي، اتجه إلى إنعاش المعنوية المغربية وإعادة الثقة المفتقدة في النفوس، والحفاظ على الهوية الجماعية للأمة، وبث الروح الوطنية في أوساط الأجيال الصاعدة التي نشأت في حضن الاستعمار الفرنسي الذي أسر بجاذبيته وثقافته البراقة الناشئة ، وحاول بذلك إبعادها عن الينابيع الروحية للأمة، كما اتجه إلى نقد تصرفات بعض المؤسسات الدينية كالزوايا والطوائف التي يؤثر نشاطها تأثيرا سلبيا في السياسة الوطنية وفي عقول الناس بما تبثه من أفكار خرافية، واتجه بدرجة أولى إلى القضية المركزية التي هي إصلاح التعليم في كل مؤسساته، حتى تعود ثمار هذا الإصلاح على تحرر العقول ونهضتها ومساهمتها في نهضة الأمة.

لم يكن محمد الحجوي يمتلك مشروعًا إصلاحيًا شاملاً ومتكاملاً، وإن كان ـ بكل تأكيد ـ يتوفر على عناصر قوية وواضحة لديه. بحيث يمكن أن نقول أن شخصية الحجوي اجمالا هي اقتباس من دراسات وخلاصات سابقة ، و قراءة محمد الحجوي تجعلنا أمام صورة عجيبة ومثيرة، بل نادرة من حيث الوعي بها، تلك هي صورة الفقيه ـ التاجر التي يتجاور فيها السلفي ” المتنور” مع الليبرالي المتمسك بالفكر “السلفي”.11

لائحة المراجع…

1. الزبير مهداد،الفقيه المتنور الحجوي التعالبي،الدار المغربية العربية للنشر والطباعة والتوزيع،الطبعة الأولى،2018، الرباط
2. خالد يايموت، الحداثة السياسية والتحديث السياسي، مقاربة نظرية ودعوة للتجاوز، سياسات عربية، العدد التاسع، يوليوز2014،ص68
3. جورش طربيشي، هرطقات، عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية ، دار السافي ، 2006
4. سعيد بنسعيد العلوى، الاجتهاد والتحديث، دراسة في أصول الفكر السلفي في المغرب، الطبعة الثانية، 2004، الدار البيضاء.

5. فهرست محمد الحجوي موجودة في الكتاب: محمد بن الحسن الحجوي، الفكر الإصلاحي في المغرب المعاصر، ، دار المدار الإسلامي، 2007 بيروت.

6. محمد بن الحسن الحجوي التعالبي الفاسي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الاسلامي، الجزء الأول، القسم الأول والثاني،دار الكتب العلمية، 1971 ، بيروت لبنان

7. محمد الحجوي، النظام في الإسلام، المطبعة الوطنية، 8928، الرباط.

* باحث في القانون العام والعلوم السياسية

1

أبليت حسنا عزيزي

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.