الوطن وكورونا

30 أبريل 2020 - 00:43

في ظل هذه الأزمة الصحية التي يعيشها العالم بأسره بسبب جائحة كورونا التي لم تمل بعد من حصد أرواح الألاف من الضحايا، جل المصالح المعنية و الوزارات بذلت جهودا غير مسبوقة لاتخاذ التدابير اللازمة لحماية المواطنين ثم الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر الممكنة و من بين هذه الدول نجد دولة المغرب، و طني الحبيب الذي أشتاق إليه كل لحظة بصحرائه و جبال الأطلس الشامخة. إلا أن هناك فئة من شباب هذا الوطن الجريح هاجروا إلى الديار الأوربية لمتابعة دراساتهم العليا بحثا عن تحصيل العلم و العلوم التي لا محالة سيستثمرونها يوما لخدمة وطنهم الأم.

أزيد من 20 ألف طالب مغربي يتابعون دراستهم في فرنسا بدون منحة جامعية تساعدهم على الاستمرار بشكل فعال، لذلك يلجأون إلى الأشتغال في بعض المهن الخاصة بالطلبة كالمقاهي الجامعية أو في خدمات التوصيل من أجل الحصول على قوت يومهم و دفع تكاليف السكن ، الملبس،ثم المأكل و المشرب. و لكن مباشرة بعد إعلان الحجر الصحي بفرنسا، وبذلك تغلق الجامعات ثم جل الأنشطة، هؤلاء الطلبة سيجدون نفسهم بدون مدخول تضمنه عقد عمله و بالتالي عرضة للجوع و تراكم دفعات الكراء ثم بعدها العذاب النفسي.

فبعد أن قامت معظم الدول باسترجاع مواطنيهم إلى بلدهم، فالطلبة المغاربة بدورهم تواصلوا مع السفارات و قاموا باحصاء عدد الطلبة المعنيين آملين الرجوع إلى حضن العائلة، ولكن للأسف الشديد بعد انتظار دام لأيام و أسابيع معدودات، المغرب لم يحرك ساكنا، صدمة جديدة تزداد إلى لائحة الصدامات و أسئلة كثيرة تطرح بداخل كل طالب، أحقا أنا مغربي و أحب وطني؟ و كيف لي أن أكون فخورا ببلدي وهو تخلى عني في أشد المواقف؟ بماذا الطالب التونسي و الجزائري أفضل مني؟ فهو بلده لم ينساه، أسئلة و أخرى تطرح نفسها في هذه الوضعية المأساوية المعقدة.

في هذه الظروف التي نعيشها، حقا إنه وضع كارثي لا يطاق، فهؤلاء الطلبة ظلوا حبيسي غرفهم بالأحياء الجامعية التي لا تتجاوز مساحتها التسعة أمتارمربع و لا يكاد الأكسجين أو أشعة الشمس تدخل لها، فحقا ليس بالأمر الهين أن تقضي مدة الحجر الصحي في هذه الظروف الصعبة و خاصة في شهر رمضان المبارك، شهر عظيم عند كل مسلم، و أجواء الإفطار مع العائلة لا مثيل له، ولكن للأسف الشديد الطالب المغربي حرم من الدخول إلى بلده بسبب تماطل و استهتار بعض المسؤولين الذين لا ضمير لهم ولا تعنيهم مصلحة أبناء و طنهم و لا مستقبلهم.

فهؤلاء لم يتلقوا و لو مساعدة مادية كانت أو معنوية و لكم أن تتخيلوا حجم المعاناة فجلهم أصبحوا أصبحوا يعانون من ضغوطات نفسية رهيبة، فهم بين المسمار و السندام ولا يكادون يعرفون هل يتابعون دراستهم عن بعد و إعداد بحوثهم لكي يتمكنوا من استيفاء مجزوءاتهم أم يبحثون عن حلول وطرق الأبواب من أجل سد رمقهم، وضعية كالجحيم، فالأحياء الجامعية بدورها لم تعفهم من دفع مبلغ الكراء و هناك من منهم يكتري عند الخواص فهو أما خيارين لا ثالث لهما سواء أن يسدد الكراء أو يصبح عرضة للتشرد في الشارع.

يقال الوطن عند الشدة يحمي أبناءه و لكن كورونا كشفت عن ماهية الذي كنت أعتبره وطنا أماَّ حنونا، صحيح أن كل البلدان في هذه الظروف تنزف ولكن أفضل الشهادة في سبيل الوطن ليست بالمصير السيء و لكن هي فعلا خلود في موت رائع. كل شاب في هذا الشهر المبارك و في هذه الظروف الغير العادية لا يتمنى شيئا سوى أن يتواجد بين أحضان أسرته وأن يجدد الرباط بهم ثم تقاسم معاناة هذه الأزمة مع ذويه بين الأخذ و الرد ثم الحيطة والحذر ذلك أهون له من ظلمات الوحدانية وجنون الغربة التي تنهش نفسيته بضجيج داخلي عميق لا يكاذ يتوقف.

الغربة والاشتياق ثم الحنين و لكن الوجع واحد.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

قراءة في كتاب تنبيه معاشر المريدين على كونهم لأصناف الصحابة تابعين

كيف يمكن لشركة “سيتي باص” أن تكون مواطنة؟

تزمامارت

الحياة قائمة على التوازن بين الدنيا والآخرة

حمة وريحانة كانتا هنا

تابعنا على