الحري يكتب: في الحاجة إلى اليسار

الحاجة إلى أحزاب يسارية قوية يتزايد الوعي بها يوما بعد يوم في عدد من البلدان العربية، خاصة بعدما أصبحت ساحة الحراك الشعبي شبه محتكرة من طرف مختلف فصائل ما يعرف إعلاميا ب”الإسلام السياسي”، سواء المعتدلة منها أو المتطرفة، من جهة ، وأحزاب وهيئات وقوى تنتمي كلها لمعسكر الأنظمة القائمة الحاكمة، أو تحوم في فلكها، أو أنها صنيعة من صنائعها، من جهة أخرى.
لا يشكل المغرب استثناء في هذه المسألة إلا من حيث أن هذا الوعي يعتبر قناعة مشتركة بين مختلف الفاعلين في الساحة السياسية والثقافية، ابتداء من النظام الحاكم مرورا بالتيارات الوطنية التقليدية، وليس انتهاء عند قطاع واسع من الإسلاميين المعتدلين. فالنظام المغربي، يعتبر نفسه راعيا للتوازنات المجتمعية، ويحرص على ألا تستفرد بالساحة قوة واحدة ووحيدة، يجد نفسه أمامها وجها لوجه، لذلك فهو راكم رصيدا تاريخيا مهما في صناعة التوازنات وحمايتها، متوسلا في ذلك بكل الوسائل المتاحة، التي تتيح له مراقبة مختلف الفاعلين والنخب، والتدخل في الوقت المناسب لتقوية هذه الجهة أو لإضعاف تلك، بحسب ما تقتضيه الظروف والمتغيرات.
واليوم، يجد النظام المغربي نفسه، في حاجة ماسة إلى قوة أخرى، أو مجموعة قوى قادرة على منافسة التيارات “الإسلامية” المتجدرة بقوة في مختلف الفئات الشعبية. وهنا يفرض اليسار نفسه كقوة قادرة على الاضطلاع بهذه المهمة، خاصة بعد الانتعاشة الشعبية التي تعيشها تيارات يسارية في بلدان أوربية متوسطية، خاصة عند اليونان والإسبان.
لقد وظف النظام المغربي، في سنوات السبعينيات، وبدهاء كبير، ورقة “الإسلاميين” من أجل مواجهة تيارات اليسار شعبيا وإيديولوجيا، بفتحه الباب لعدة جماعات “دعوية” لتشتغل في الفضاء الديني، إلى جانب المؤسسات الدينية الرسمية، التي لم تعد قادرة على القيام بأي أدوار ثقافية يمكن أن تغري الفئات الشبابية خاصة، نظرا لطبيعة علاقتها بالسلطة الحاكمة. هكذا كانت جمعيات “الشبيبة الإسلامية” “والدعوة الإسلامية” و”الجمعية الإسلامية” تشتغل بشكل قانوني ومعترف به من طرف النظام، ولم تتأزم العلاقة مع جماعة “الشبيبة الإسلامية” خاصة إلا على إثر الحدث المأساوي المتعلق باغتيال الزعيم اليساري عمر بنجلون على يد عناصر قيل أنها تنتمي للتنظيم المذكور.
إن التاريخ، خاصة التاريخ السياسي المغربي، يأبى إلا أن يؤكد مكره من خلال الحاجة الماسة اليوم إلى القوى التي كانت مزعجة بالأمس، لمواجهة تيارات كانت “حليفة” الأمس وأصبحت “مزعجة” اليوم، حتى أن بعض الأحزاب السياسية، التي نشأت نشأة غير طبيعية، وذلك بإجماع كل المراقبين للحقل السياسي المغربي، تقدم نفسها على أنها محسوبة على اليسار وإن أضافت لها صفة مكملة وموضحة “الوسط”، لتسم نفسها ب”اليسار الوسطي” تمييزا لها عن تيارات يسارية أخرى، منحدرة من فصائل الحركة الوطنية، أو محسوبة على قوى “اليسار الجديد” ذي الأطروحة الجذرية والرادكالية.
وسواء كانت هذه الأحزاب يسارا حقيقيا أو أن طبيعتها لا ينطبق عليها إلا المعنى اللغوي العربي لكلمة اليسار، بمعنى الثراء والغنى المالي، والقرب من مواقع الجاه والمال، والارتباط بالأعيان وأصحاب رؤوس الأموال، فإن الرغبة في امتلاك نعث “اليسار” تنم عن وعي السلطة والقوى القريبة منها لإحياء مشروع يساري على المقاس، يقدم نفسه كعنصر توازن ضروري في الساحة المغربية، بحيث فتحت له هذه السلطة كل الأبواب ليتبوأ عدد من رموزه مواقع مهمة في مؤسسات استشارية عديدة، بعدما تعذر عليهم التواجد داخل المؤسسات التمثيلية بواسطة الانتخابات التي يفوز فيها “الإسلاميون” بكل يسر وسهولة.
لكن، هذا الوعي، وربما هذا هو العنصر الطريف في هذه المسألة، أصبح يتصاعد عند عدد من أولئك الذين يفترض أنهم يمثلون الخصم الإيديولوجي لقوى اليسار، وهم الإسلاميون المغاربة، سواء الذين ينتمون اليوم إلى مربع السلطة، ويتحركون في إطار المؤسسات القائمة، أو أولئك الذين يقاطعون مختلف حلقات مسلسل الانتقال الديمقراطي بالمغرب، ويفضلون العمل السياسي كقوى معارضة من خارج المؤسسات الرسمية.
هكذا يعتبر إسلاميو الحكومة المغربية أن اليسار يمكن أن يكون حليفا رئيسيا لهم في المعركة التي يخوضونها ضد قوى “التحكم” في المشهد السياسي المغربي، وهم فعلا يعيشون تجربة تحالف فريدة مع سليل الحزب الشيوعي المغربي، حزب التقدم والاشتراكية، الذي يعد أكثر الأحزاب السياسية المغربية دعما ومساندة للحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية “الإسلامية”.
أما إسلاميو المعارضة فهم يرون أن معركتهم ضد السلطة لا يمكن أن يقوموا بها بمفردهم، بل تقتضي تعبئة أكبر قدر من الطاقات والقوى، وفي مقدمتها القوى اليسارية، وقد تجسد هذا التحالف الميداني المشترك خلال معظم مجريات الحراك الشعبي الذي عرفه “الربيع المغربي”، ممثلا في حركة 20 فبراير، التي نحتفل بذكراها السنوية السادسة.
لسنا في حاجة إلى بيان مدى حاجة أنصار اليسار، والقوى التي تعتبر نفسها، وريثة تراثه النضالي، إلى أن ترى أحزابا يسارية قوية، قادرة على خوض معركة النضال من أجل ما تؤمن به من مبادئ وأفكار، وهي تحاول جاهدة تجميع مختلف طاقاتها وقواها، متوسلة بكل صيغ العمل المشترك، سواء كانت وحدة تنظيمية أو تكتلا فدراليا أو غيرها من أشكال التحالف الممكنة.
لكن، الحاجة إلى “اليسار”، بالرغم مما يمكن أن تحظى به من أشكال التنويه والدعم والمساندة، وهي، جديرة فعلا بكل ذلك، تحتاج إلى اتخاذ مسافة نقدية منها، قصد مقاربتها مقاربة تحليلية-نقدية، حتى لا تنحرف على مقاصدها وأغراضها السياسية والمجتمعية النبيلة.
فاليسار حاجة فكرية وثقافية، لنشر قيم الحداثة والتقدم، المؤمنة بالديمقراطية وحقوق الإنسانية بمعناها الشمولي، المتعلق بالحريات الفردية وغيرها من الحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهي أيضا حاجة سياسية ووطنية، تذكي روح التنافس المشروع في المشهد السياسي، حتى لا تهيمن عليه قوة سياسية وحيدة، قد تشعر بالاغترار أو بالارتخاء، الأمر الذي لا يخدم الحياة السياسية السليمة، التي هي بطبيعتها مجال للصراع المشروع بين مختلق البدائل والمشاريع المجتمعية، والتي من دونها، لن تبقى السياسة مهنة شريفة لمعالجة أمراض الواقع المختلفة.
إن نقد الحاجة إلى اليسار تعني أننا لسنا في حاجة إلى يسار أعمى بل إلى يسار بصير، يتفاعل مع الحقيقة المجتمعية، ولا يصطدم معها، خاصة في بعدها الديني، الذي يعد خزانا هائلا من القيم الإنسانية النبيلة مثل الحرية الإنسانية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين مختلف الأجناس البشرية والتوزيع العادل للثروة، وهي كلها قيم سامية لا نعلم يساريا حقيقيا يعاديها، بل العكس هو الصحيح، فهذه المبادئ تكاد تكون هي القاسم المشترك بين مختلف تيارات اليسار.
يتعلق الأمر بيسار ينمو نموا طبيعيا، ويتغذى بشكل عادي من تربته الوطنية والشعبية، وليس “يسارا” مصطنعا أو معدلا تعديلا يحرف وجهته إلى خدمة أغراض لا علاقة لها بما ننشده من مطالب التحرر والديمقراطية، وهو النضال الذي يحتاج إلى كتلة وطنية تضم كل القوى الراغبة في التغيير والإصلاح.
وفي هذا الصدد، لا نتفق مع من يعتبر أن “القوة الثالثة” التي نحن اليوم في أمس الحاجة لها، هي اليسار بالذات، طالما أن هذا اليسار مطلوب منه أن يكون فاعلا رئيسيا في هذه القوة المنشودة، التي يتعين عليها أن تحتضن كل القوى الراغبة في انتقال ديمقراطي حقيقي، خلافا للقوى المرتبطة بمواقع النفوذ والسلطة، والتي لا يهمها إلا حماية مصالحها ونفوذها، أو القوى العدمية التي تنظر إلى كل ما يجري بعين واحدة، وكأن نضالات الشعب المغربي، ومختلف قواه الحية، منذ بزوغ فجر الاستقلال إلى اليوم، لم تحقق أي مكاسب تذكر، على صعيد التنمية والديمقراطية، والتي لا بد من تثمينها والمحافظة عليها والانطلاق منها لتحقيق المزيد من المطالب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تتطلع إليها مختلف مكونات هذا الشعب.