مخيمات تندوف وجهة نظر

قيادي سابق بالبوليساريو يروي واقعة كانت ستُنهي نزاع الصحراء قبل 45 عاما

17 ديسمبر 2020 - 19:50

* مصطفى سلمى

ما أشبه اليوم بالبارحة

من الحوادث القليلة التي تحتفظ بها الذاكرة من زمن الصبا، أنه ذات مساء بارد من سنة 1975، كنا في رحلة عودة من زيارة لجدنا سيدي عبد الله موسى في وادي كسات قرب حوزة. وكان في سيارة “لندروفير” التي تقلنا عدد من أبناء العمومة، أغلبهم شباب.

أذكر أن موضوع الجبهة والثوار والحزب كان حديث الشبان في السيارة. وكانوا يمازحونني أنا وأخي، ويسألوننا أينا مع الجبهة وأينا مع الحزب، ويحاولون أن لا يسمع الوالد حديثهم.

في تلك الفترة كان إقليم الساقية الحمراء ووادي الذهب الخاضع للاستعمار الإسباني يعيش صراعا داخليا بين أنصار جبهة البوليساريو الداعيين لفكرة الاستقلال، وأنصار الحزب الوطني الصحراوي (بونس) وأنصار الجماعة الصحراوية، الداعمين لمقترح الحكم الذاتي الذي تقترحه الإدارة الإسبانية. وكل طرف تدعمه قوى دولية وإقليمية. صراع سيتحول إلى قطيعة منتصف شهر أكتوبر 1975.

ففي ركن قصي من الصحراء، بعيدا عن العيون والرباط ونواكشوط والجزائر ومدريد، قريبا من تيندوف. نصبت جبهة البوليساريو خيما بسيطة ونحرت جزورا ليست سمينة (فاليد قصيرة).

الضيوف المدعوون كانوا “كبار الصحراء” (بضم الكاف وتشديد الباء): قادة الصحراويين في الإقليم من شيوخ قبائل وأعضاء الجمعية العامة وشخصيات اعتبارية على رأسهم المرحوم خطري ولد الجماني.

الداعي للاجتماع هو الجبهة بقيادة الولي مصطفى السيد.

موضوع الاجتماع: مناقشة الخيارات الممكنة بين مقترح الحكم الذاتي الذي تقترحه إسبانيا ويدعمه الشيوخ، ومقترح الاستقلال الذي تدعمه الجبهة ومن ورائها الجزائر وليبيا.

كانت الغلبة في الاجتماع لصوت الحكمة والعقل حينها الممثل في شيوخ القبائل الذين رأوا أن الكفاح المسلح مغامرة ليست محسوبة العواقب، وأن قرش في الجيب أفضل من مليون في الغيب.

الولي مصطفى السيد زعيم البوليساريو، القادم من معسكرات الجبهة بتيندوف، المعروف بحسن أخلاقه، جارى الشيوخ تأدبا، ووارى نيته المبيتة في الغاية من الاجتماع، أو لم يكن سيد قراره.

المهم أنه تظاهر بأنه استمع لرأي الأعيان، لكنه بعد الاجتماع سار في طريق رصاصة الرحمة على الإجماع الصحراوي التي أطلقها أحد اتباع الجبهة وسط خيمة اجتماع (عين بنتيلي) مرددا بـ”البندقية ننال الحرية”.

اليوم بعد أزيد من 45 سنة على اجتماع “عين بتيلي”، وبعد تجربة كل الوسائل الممكنة: كفاح مسلح، مفاوضات، تحالفات، مساومات… وبعد تقديم كم هائل من التضحيات: أرواح، معانات، ضياع أجيال.. نجدنا عند نقطة البداية، لا شيء تغير. الخيارات والمعادلات ما زالت على حالها وإن تغيرت الأسماء: حكم ذاتي يعرضه المغرب، مقابل استقلال مفقود تدعمه الجزائر.

والذي تغير هو أن إسبانيا التي كانت تسيطر على أغلبية الصحراء، عوضها المغرب، في مقابل جزائر وحيدة تدعم الاستقلال بعد أن مات “القذافي” وتشتت “حلف وارسو”. والصحراويون منقسمون بين دعاة الاستقلال وأنصار الحكم الذاتي.

فإن كان إجتماع بنتيلي 1975 فرصة لتجنيب أهلنا قرابة نصف قرن من الضياع والآلم، أضعناها بسبب أنانية أو قلة تجربة، وانجرار وراء العواطف، وعدم تقدير للموقف، فإن الاستمرار في الخطأ خطيئة وجرم في حق صغيرنا وكبيرنا، ومن لم يولد بعد منا.

الفرصة ما زالت متاحة و”عين بنتيلي” ما زالت قائمة، وأقرب من الكركرات التي نقلنا إليها خيمنا قبل أن نحرقها بأيدينا، كما حرقنا 45 سنة من أكباد أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا اللاتي مازلن قادرات رغم ألمهن على خياطة خيمة تجمعنا، إن كنا لن نخالف عوائدنا ثانية ونحرقها.

ولا تنقصنا سوى الشجاعة، وإن نتقي الله في شيوخنا ونسائنا وأطفالنا.

* قيادي سابق بجبهة البوليساريو 

 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

السيستيم في الجزائر اختار المغامرة والتصعيد والتعنت ولي دراع المغرب

وجهة نظر

خطوة أولى في رحلة ألف ميل.. إنه البقالي

وجهة نظر

لا معاملة بالمثل في العدوان

تابعنا على