وجهة نظر

فاتح ماي وقانون كبح شرود العمل النضالي‎

30 أبريل 2021 - 16:52

لا يمكن للعقل المتزن، أن يبقى في وعيه التام، وهو يشاهد، ويحلل الوضع النقابي، والمشهد النضالي، الذي آلت إليه الأوضاع في البلاد، فغياب التأطير، وتعدد النقابات وتناسل التنسيقيات، أفرغ مهام مؤسسات الوساطة، الملقاة على عاتقها، مهام التأطير، وضبط الاحتجاجات وأخذ المبادرة بين الشعب ومراكز أخذ القرار من دورها الحقيقي، فانحرفت الاحتجاجات، وانتشر اليأس، وساد بزوغ الصراع داخل الهياكل النقابية وخارجها.

فضاعت الحقوق في إطار مفهوم المقاربة التشاركية، هذا المفهوم تزحزح عن أهدافه التشاركية الحقوقية الواجبية، وتحولت هذه المقاربة في الكثير من المواقف إلى وسيلة لتوزيع الأدوار والمناصب، لتحقيق أغراض ذاتية شخصية محضة.

ولعل الفصل بين المطالب النقابية والطموحات السياسية المتعددة كفيل بإعادة الاعتبار للعمل النقابي، العمل الذي يترنح في مكانه، فأضحى كالوعاء الفارغ ينبع منه الضجيج فقط، والتهديد والوعيد في ورقة معنونة باسم البيانات المضحكة، والمستفزة في بعض الأحيان!

فحين تجد قيادات نقابية تمارس مهام سياسية أو منخرطة في هياكل تنظيمية للأحزاب السياسية تحتج على قرار هو من صميم نهجها التدبيري للملفات الإجتماعة والاقتصادية، ماذا سيبقي إذن للثقة أن تقول أنذاك! وكيف يمكن للوعي أن يتقبل هذا اللغط النضالي المتناقض في كل شيء.

فالاندهاش يزداد منطقا! حين يدافع المسؤول النقابي عن مسؤوله الحزبي، ويخرج ببيانات موجهة لطبقة وسطى واعية، لا تنطوي عليها فكرة التابع للمتبوع، في إطار المتطلبات المرحلية التي يتلاعب بها من له دراية، وتمرس في العملين السياسي والنقابي على حد سواء .

مثلا! فالمسؤول النقابي الذي يتغاضى عن توجهه السياسي وأيد أجرأة التعاقد والتقاعد، و استباح الاقتطاعات بدون قانون النقابات، يعلن في نفس الوقت عن تضامنه مع المطالب المشروعة لمن تضرر من هذا النهج المتسرع لسياسة اجتماعية ما، كالتوظيف بالتعاقد أو قوانين التقاعد أو مجمل القوانين ذات الصبغة الاجتماعية، التي يغيب فيها الاستقرار النفسي المادي والحنان الأسري، المؤثرة على الحياة الطبيعية المستقرة للأجراء والموظفين.
فكم هو غريب هذا العبث النضالي!

إذن من يميع العمل النقابي! ويضعف دور الوساطة التي غابت، مما ساهم في ظهور عشرات التنسيقيات!

لو كانت حقا هناك نقابات جادة ومسؤولة، لما اتسمت ميولاتها بمواقف متذبذبة في كل شيء، خصوصا في المحطات الحاسمة، ولما تناسلت واحتجت معظم التنسيقيات على مطالب أغلبها يميل لمنطق المشروعية الواضحة!

فمؤسف هذا، رغم وجود بعض الشرفاء في جميع الهياكل التنظيمية النقابية، لأن التعميم هو مجانب للصواب، ومن الأمور التي لاتستقيم مع وجود وجوه شريفة يتم كبح طموحاتها فتتراجع للوراء تاركة الذئاب يتلاعبون بمصالح الأبرياء، إذ يتم في الغالب عرقلة بزوغ أفكارها، وذلك لكي لا تصل إلى مراكز المسؤولية النقابية!

فلشغيلة بشكل عام، وعموم الأجراء والموظفين التزموا بالنضال منذ البداية، فمثلا حين تعمقت المناقشة حول قانون التقاعد، بعدما رفع شعار التلاحم في اطار التنسيق النقابي في تسمية معبرة عن الوحدة النقابية، والتي ساهمت بشكل كبير في تشريد هذا الالتحام بين العمال والموظفين، بتناقضاتها وغرابة نضالها الأعرج!

لكن التنسيق، والوحدة المطلبية أصبحت سرابا، بعدما أتى دور المواقف الثابتة، في مرحلة الحسم والتصويت على القانون التقاعدي، بعد احالته على مجلس المستشارين، بحيث تم تصفية المصالح والصفقات بين الأشخاص وطموحاتهم السياسية، مقابل الانسحابات والغيابات في مرحلة التصويت، ولا نريد التفصيل في هذا الأمر، لأن ذلك يعد مؤسفا ومدمرا للثقة بين القواعد وأغلب المركزيات النقابية ذات التمثيلية العضوية.

الغريب أن هذا الإصلاح الأعرج، والذي لم يحل المشكلة البنيوية التي تعاني منها صناديق التقاعد المشتتة أصلا!. فلو تم رفض هذا في مجلس المستشارين، الذي أثبت(مجلس المستشارين) أنه مضيعة للمال وعرقلة للجانب التشريعي ليس إلا، أكثر من مساهمته وفعاليته في حلحلة المعظلات الإجتماعية والاقتصادية التي تزيد من حكامة التدبير التشريعي. لقلنا أن هناك غيرة على العمل النضالي!

لكن وأمام طريقة التصويت، التي أقل ما يقال عنها أننا مخجلة، تم تمرير القانون العطوب (قانون التقاعد) ،فتم أجرأته مما أفقد النقابات مصداقيتها أمام من وثق في التنسيق، الذي بنيت عليه آمال كبيرة للأسف.

فكانت فرحة كبيرة بهذا الألم، من قبل البعض كما عبر
بذلك السيد رئيس الحكومة السابق، ويبقى السؤال الجوهري، هل الذي يفرح بألم الناس يعد أو يصنف من رجالات الدولة! فغريب أمر الفكر السياسي عند البعض حقا!

إذ ان العمل النقابي الجاد والمسؤول
وقبل التنسيق، ورفع راية النضال، يقتضي الاعتذار للعمال والموظفين وعموم الأجراء، وتغيير المكاتب الوطنية للنقابات التي ساهمت في أكبر مهزلة للتصويت بمبررات واهية.

فزهاء 31 حزبا و 5 مركزيات نقابية وعشرات النقابات القطاعية والتنسيقيات! والنتيجة: الرتبة 121 في مؤشر التنمية البشرية!
هنا الجرح الواضح!

كما أن النضال ليس هو رفع شارة اليد والإبتسامة التي تظهر الأنياب المصطنعة.وإنما هو ثبات الموقف وعدم استغباء الأبرياء. فالكلمة والمواقف المتزنة دائما تكون شريفة وصدقها أما عموم الأجراء تكون أشرف.

فعجبا لمنظري الاقتطاعات ورؤيتهم المحدودة الأفق!
فقد ساهموا في تفشي اليأس وكبتوا مطالب الطبقة الوسطى المطالبة بحقوقها، ففقدت الثقة، وغيب التأطير، فأفرغت النقابات التي بدأ البعض يميل فيها لخلق المشاكل، بهدف جلب المنخرطين، و اقتصر العمل اليومي للنقابات على جلب الوثائق، فأغفل التأطير، وتلاشت مهمة الوساطة، فظهرت عشرات التنسيقيات، فكانت النتيجة كما نراها حاليا، العزوف والخطاب العدمي، الذي بدأ يستغله من يريد الشر لهذا الوطن.

ولعل سياسة التماطل في إخراج قانون النقابات خشية بروز قيادات قد تبعثر الأوراق، هي سياسة غير حكيمة تطلق العنان للإنفلاتات والمجهول، هذا المجهول غير الواضح المعالم قد يكوم مرعبا، في بيئة عالمية غير مطمئنة تماما، وفي ظل إكراهات كثيرة تواجه البلاد وتؤثر على معيشة عامة الشعب.

فقانون النقاباث قد يضع حدا للعبث النضالي وتناسل التنسيقيات، كما سيححق الحكامة المالية لهذه التنظيمات، ويقضي على مفهوم الزعامات الأبدية، ويرشد التفرغات وفق الاستحاقات، والأكثر من ذلك سيعيد الثقة للعمل النضالي، وفق ضوابط تتفق مع قاعدة تطابق الحقوق مع الواجبات.

لذا، فقانون النقابات هو في صالح العام والخاص، وعرقلته أو تكبيل العمل النضالي من خلاله، يخالف قيم الديمقراطية الحقيقية، والكرامة والمساواة والتضامن، على أساس المصلحة العامة، وليس الاقتصار على المصالح الفردية المؤقتة والفانية، والتي قد تنفر الجميع من العمل والانخراط النقابيين، وتدفع بالاحتجاجات غير المؤطرة نحو الفراغ المجهول.

لذا البلاد تحتاج لحكامة نضالية كذلك، من خلال قوانين تؤطر، ولا تعكر الحقوق والحريات، وفق ضوابط ملزمة للجميع دون استثناء.

كما أنه وفي غياب انخراط أغلب الأجراء والموظفين في العمل النقابي، تسقط مقولة الوصاية، وبالتالي من غير المعقول أن تتخذ النقابات، التي بتلاشى وهجها النضالي رويدا رويدا في الحسم في أمور متعلقة بالأجراء، كما فعلت عند المطالبة بالاقتطاع الاجباري للأجور دون استشارة القواعد، وكأنها وصية على قاصرين، أو بغية منها بلعب دور البطولة في حب الوطن، فلا يمكن لأحد أن يزايد على الأجراء في اخلاصهم الثابت للوطن ومؤسساته، فهم يساهمون بطرق مباشرة وغير مباشرة في التضامن الفعلي، ويتشبتون و يركزون على جانبه التطوعي المشروع، والإنساني المحض، بعيدا كل البعد عن الظهور بمظهر الصلاح، على ظهر أناس صالحون مجندون باستمرار، للوقوف مع الوطن باعتبارهم مواطنين لا قاصرين، كما تفعل بعض التنظيمات النقابية التي تتبجح من خلال المطالبة بالمقاربة التشاركية في شعاراتها، وهي بعيدة كل البعد عن هذا الشعار في تدبيرها للأمور الطارئة والواضحة المستجدة.

فاتح ماي ليس للشعارات، فاتح ماي هو للنقد الذاتي والاعتذار للجميع والاعتراف بالأخطاء، والشروع في تجديد الهياكل النقابية، بقانون يحدد فترة ترؤس النقابة ويضع قطيعة لمفهوم الزعامات الأبدية.

أفول النضال لن يخدم أحدا، والاحتجاج لأتفه الأسباب لن يفيد أحد.
فياعقل تعقل، الوطن يحتاج لنكران الذات، لا إلى الضحك عل عقول تزداد وعيا يوما بعد يوم!
فالمجد للوطن أولا وأخيرا.
واخي ا وليس اخيرا أعتذر عن الازعاج وشكرا على تفهمكم.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

يلاه نديرو يد الله!

وجهة نظر

الثورة الرقمية فرصة لتحقيق التنمية

وجهة نظر

إلى النظام الجزائري: قليلاً من الجنون كثيراً من التعقل !

تابعنا على