وجهة نظر

لماذا هزيمة حزب العدالة والتنمية.. هزيمةٌ في حجم الفضيحة؟؟

10 سبتمبر 2021 - 18:44

المفاجأة في انتخابات 8 شتنبر المغربية ليست في هزيمة حزب العدالة والتنمية الذي يقوده رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، وفوز التجمع الوطني للأحرار الذي يرأسه وزير الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات عزيز أخنوش، الهزيمة للحزب للأول والفوز للحزب الثاني كانا متوقعين، إن لم نقل مـؤكدين بالنسبة للشارع المغربي في عمومه، بوادرهما وعلاماتهما أضحت جلية لكل ذي عين بصيرة قبل الشروع في الحملة الانتخابية بأسابيع وشهور بعيدة.

كانت المفاجأة في طبيعة الهزيمة التي مُني بها الإسلاميون وحجمها، فمن حزب كان يحتل المرتبة الأولى بعدد المقاعد في مجلس النواب يصل 125 مقعدا، وبرئاسته للحكومة كأكبر حزب مغربي، اندحر العدالة والتنمية إلى المرتبة الثامنة، وبعدد من المقاعد لا يتجاوز 12 مقعدا، أي أنه لا يملك فريقا في مجلس النواب، فللحصول على فريق نيابي، كان يتعين على البيجيدي حَصْدَ 20 مقعدا، وهو ما لم يتمكن من تحقيقه.

فلا أحد من المغاربة كان يتصور هذه الهزيمة الكارثية، على حد تعبير أحد وزراء البيجدي عزيز الرباح، فحتى قيادته وخصومه لم يكونوا يتصورون أن العدالة والتنمية سيجني هذه النتيجة المُرّة، جراء تدبيره للشأن العام لمدة 10 سنوات متتاليات. كان المتوقع هو أن يحصل الحزب على المرتبة الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة على أبعد تقدير، أما أن يتقهقر إلى المرتبة الثامنة، فهذا هو الذي فاجأ الجميع. لكن، بمراجعة نقدية لتصرفات قيادة العدالة والتنمية منذ 2011 إلى 2016 يمكن للمرء الوقوف على بعض أسباب هذه الهزيمة المؤلمة.

يتذكر المغاربة أن عبد الإله بنكيران حين كان في الفترة المشار إليها رئيسا للحكومة، فإنه كان يدافع عن مكانة رئاسة الحكومة، وبالتالي عن موقع الحزب الذي يقودها، دفاعا مستميتا، لقد كان الرجل، بقدرته على الخطابة، يقارع خصومه مقارعة شديدة، ففي الجلسات البرلمانية التي كانت تخصص للأسئلة الشفوية، وحين كان برلمانيو الأحزاب المعارضة يقومون بانتقاد أداء الحكومة ويهاجمون قراراتها، كان عبد الإله بنكيران يتصدى لهؤلاء النواب تصديا شرسا، وكان يكاد يقمعهم في مجلس النواب، وكان يبدو متفوقا عليهم ومسيطرا، بالكل، على النقاشات في القبة البرلمانية..

وكانت أشغال جلسات البرلمان تُنقل على شاشة التلفزيون المغربي، وبدل أن يكون رئيس الحكومة موضع نقد ومساءلة، وفي قفص الاتهام، كان بنكيران يبدو، في الشاشة أمام الجمهور الذي كان يتابع بكثافة تلكم الأشغال في التلفزيون، في موقع المتفوق والمهاجم، والذي يضع خصومه في خانة المدافعين عن أنفسهم، الأمر الذي كان يجعل رئيس الحكومة، وقتها، يحظى بتعاطف كبير من الرأي العام المغربي..

وما ميّز بنكيران حينئذ هو أنه كان يخاطب النواب ويجيبهم عن أسئلتهم وتدخلاتهم بلغة دراجة وعامية أقرب إلى لغة الشعب، وبطريقة حماسية وفيها حرارة وحِدّة، وكان يخلق الانطباع لدى الفئات الشعبية أنه مندمج معها، ويتكلم لغتها ويحمل همومها، الأمر الذي كان يُخلِّفُ تعاطفا شعبيا مع العدالة والتنمية، تعاطفٌ ترجمته، من ضمن عوامل أخرى، نتائج الانتخابات في سنة 2016 حين حصل الحزب على المرتبة الأولى بعدد المقاعد الذي بلغ 125 مقعدا..

وبسبب هذه السيطرة المطلقة على أشغال البرلمان، ولأسباب أخرى كذلك، ورغم حصول العدالة والتنمية في انتخابات 2016 على المرتبة الأولى، فإن عبد الإله بنكيران عانى من البلوكاج لمدة 6 أشهر كاملة، ولم يُسمَح له بتشكيل الحكومة، وهو المكلف وقتها من طرف الملك بتأليفها طبقا للنص الدستوري، وفي رفضه للشروط التي أرادوا فرضها عليه لتشكيل الحكومة ولم يقبل بها، كان يحظى بتأييد كامل من أعضاء الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية..

لكن بعد إقالة الملك لبنكيران من مهمته كرئيس مكلف بتشكيل الحكومة وإسناد هذه المهمة لسعد الدين العثماني، فإنه قبل بالمنصب، والمثير هو أن قبولَهُ جاء مرفقا بالموافقة على الشروط التي رفضها بنكيران، والأكثر من هذا هو أن العثماني بات أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية بدل بنكيران الذي أطيح به من قيادة الحزب، ففضّل الحفاظ على بقائه في صفوفه، بعضوية عادية..

وحين صار سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة وأمينا عاما لحزب العدالة والتنمية، فإنه بات يحرص على أن يبدو هادئا ومتجانسا مع النواب في البرلمان بمن فيهم الذين يعارضون الحكومة، وفي كل الندوات واللقاءات الصحافية التي كان يعقدها، وفي المناسبات التي يظهر فيها للعموم، صار العثماني يتكلم بأسلوب مهادن ومسالم، وكأنه يحرص على عدم إغضاب خصومه السياسيين، وبدا في جميع سلوكياته يحاول أن يكون مختلفا عن بنكيران، ولم يعد في أدائه الحكومي قادرا على المبادرة، وعلى الممانعة، أو الاعتراض على أي قرار يملى عليه من الفوق.

ففي عهد العثماني تم قمع حراك الريف، وزُجَّ في السجن بقادته، واعتقل عدد من الصحافيين، من بينهم توفيق بوعشرين، وسليمان الريسوني، وعمر الراضي، ووُجّهت لهم تهم غليظة، وصدرت ضدهم أحكام بالسجن لمدد طويلة، ونفس المصير كان من نصيب عدة مدونين في الفاسبوك وناشري فيديوهات في اليوتيوب، فلقد اعتقلوا هم أيضا، وقضت المحاكم عليهم بأحكام قاسية، وتعرض المتظاهرون السلميون، بسبب حاجتهم إلى الشغل أو إلى الماء الشروب، في جهات عديدة من المغرب للقمع والاعتقال..

وتم توقيف التوظيف، وطرد العديد من العمال بعد إغلاق المعامل، ورفضت الحكومة مراجعة نظام التعاقد المفروض على الأساتذة، وفرّقت مظاهراتهم الاحتجاجية في الشوارع بقوة الهراوات، وأضيفت هذه القرارات وغيرها، إلى ما اتخذته الحكومة الملتحية من تدابير تتعلق بضرب صندوق المقاصة، ورفع أسعار العديد من المواد الاستهلاكية الأساسية، وبالتالي إرهاق القدرة الشرائية للطبقة الكادحة، وعدم مراجعة ما سمي بإصلاح الصندوق المغربي للتقاعد الذي أقدمتْ عليه حكومة بنكيران، والذي وُوجه بمعارضة شديدة من طرف النقابات العمالية ومجموعة من التنسيقيات المدنية، لكنها لم تفلح في الحيلولة دون المصادقة عليه في البرلمان.

فجميع القرارات التي كان يرفض اتخاذَها الوزراء الأولون السابقون وحكوماتهم، بسبب عدم شعبيتها، ولأنها تمس قطاعا واسعا من المغاربة في قوتهم اليومي، تجرأت حكومة العدالة والتنمية على اتخاذها، ولعلها كانت تُدفَعُ للإقدام على ذلك، بغية إحراقها أمام المواطنين الذين انتخبوا أعضاءها، بوعود إخراجهم من أزمتهم الاقتصادية والاجتماعية..

وكانت ثالثة الأثافي، كما يقال، هي عندما تخلت الحكومة عن التدريس باللغة العربية للمواد العلمية، فبدلا عن العربية اللغة الدستورية الأولى للمغرب، فرضت حكومة العثماني اللغة الفرنسية على أبناء المغاربة، وأَتْبعت هذا القرار، بتوقيع رئيسها سعد الدين العثماني على صفقة التطبيع مع الكيان الصهيوني مقابل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء.

ورغم أن عبد الإله بنكيران انتقد قرار استبدال اللغة العربية بالفرنسية، وندد به، فإنه، بالمقابل، تقدّم الصفوف وبادر إلى تزكية التوقيع على قرار التطبيع مقابل الاعتراف الأمريكي بمغربية الأقاليم الصحراوية، وهبَّ للدفاع عنه بحماس واندفاع، وهو الذي كان قد مُنِعَ عمليا من تشكيل الحكومة، ويعيش على الهامش في الحزب، بعد أن تمت إزاحته من على رأس أمانته العامة، وتماهى بنكيران مع العثماني، بل زايد عليه في موضوع التطبيع مع الكيان الصهيوني، وجرى ذلك في مجتمعٍ مغربي يَعتبِرُ، في أغلبيته المطلقة، القضية الفلسطينية قضية وطنية.

فحتى الجانب الرمزي في برنامج العدالة والتنمية، الذي ينص على الدفاع عن هوية المغرب الحضارية ممثلة في عروبته ودينه الإسلامي، ورفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، حتى هذا الجانب، فرّطت فيه قيادة الحزب ومعها حكومة العثماني، وباتت تبدو كأنها ليست فقط حكومة لا تحكم، وإنما حكومة بالاسم، بحيث توجد في الصورة، ولكن في الفعل، فإن جهات أخرى هي التي تتخذ القرارات وتفرضها على العثماني الذي يقوم بتنفيذها. وكانت الدعاية المناهضة للبيجيدي تستغل جميع القرارات غير الشعبية المتخذة من طرف الحكومة وتلصقها بالحزب لوحده، دون غيره، رغم أن الحكومة مؤلفة من أحزاب أخرى إلى جانبه..

ولم يكن الحزب ولا أطره، ولا أمينه العام ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني ينتفض ليعيد الأمور إلى نصابها الحقيقي، كان كالغائب الحاضر أو الحاضر الغائب، وصارت الحكومة تبدو في نظر المغاربة عاجزة ومشلولة لجهة اتخاذ القرارات التي تخفف عن الشعب وطأة معيشه اليومي، وتحميه من مستغليه. وبات من المنطقي أن يتساءل المغاربة، لماذا التجديد في الانتخابات للحزب الذي يقودها؟ بماذا يختلف العدالة والتنمية عن باقي الأحزاب الأخرى؟ لماذا لا يقع استبداله بغيره، وهو الذي حَكَمَ البلاد لمدة عشر سنوات متلاحقة، وكان قد وعدهم في حملاته الانتخابية بمحاربة الاستبداد والفساد، فإذا به يتعايش معهما، ويبررهما في خطابه وهو على رأس الحكومة؟

من هنا انطلقت الشرارة التي أضرمت النيران في الشعبية التي كان يتمتع بها حزب العدالة والتنمية وأحرقتها، وأدت إلى أن يخسر الحزب الانتخابات بهذه الخسارة التي في حجم الفضيحة، فكل قياداته من الصف الأول سقطت في صناديق الاقتراع، ومن بينهم الأمين العام للحزب العثماني الذي لم يحصل على مقعدٍ نيابي في الرباط العاصمة الإدارية للمملكة، التي جرت العادة أن يكون التصويت فيها تصويتا سياسيا.

استعمال المال في الانتخابات الذي يريد الحزب التذرع به لتفسير اندحاره انتخابيا، ليس وليد اليوم، فلقد استُعمِلَ المال في الاستحقاقات الانتخابية لدورتي 2011 و2016، ومع ذلك، حقق الحزب المذكور في الدورتين معا نتائج باهرة، وفاز بالانتخابات وقتها.. أما في هذه الدورة، فلقد خسر العدالة والتنمية الانتخابات خسارة مدوية، وعلى قيادته تحمُّلَ مسؤوليتها والاعتراف بالهزيمة، ودراسة أسبابها الحقيقية، لا المختلقة، لمعالجتها، واستدراكها في استحقاقات قادمة، هذا إنْ بقي البيجيدي، على حاله، حزبا موحدا ومتضامنا، ولم يتعرض لتصدعات وانشقاقات تعصف بوحدته وتُلغيها..

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

الصعود مع الصين أو السقوط مع فرنسا

وجهة نظر

تجربة العدالة والتنمية.. نهاية أطروحة ونكسة مشروع (2): في البدء كانت أطروحتان

وجهة نظر

المذكرة 80 لتأطير إجراء المراقبة المستمرة وسؤال المشروعية

تابعنا على