وجهة نظر

انتخابات هياكل مجلس النواب تخرق مقتضيات النظام الداخلي المتعلقة بحقوق المعارضة

13 أكتوبر 2021 - 21:51

كرس دستور 2011 وضعية متقدمة للمعارضة البرلمانية من خلال الحقوق التي نصت عليها صراحة الفصول 10 و60 و69 و82، وألزم في ذلك المشرع بوضع ضمانات ممارسة مكونات المعارضة لهذه الحقوق في مختلف المؤسسات ذات البعد التمثيلي، عبر تحديد الكيفيات والإجراءات والمساطر الكفيلة بذلك سواء من خلال القوانين التنظيمية أو القوانين العادية أو النظام الداخلي لكل من مجلسي البرلمان.

ويمكن القول بعد مرور ولايتين تشريعيتين على تنزيل المقتضيات الدستورية الخاصة بالمعارضة البرلمانية، إن المعارضة بمجلس النواب قد ارتقت إلى سلطة دستورية تحظى بمكانة متقدمة عكستها من جهة مقتضيات النظامين الداخليين للمجلس لسنتي 2013 و2017، والتي مكنت مكوناتها من تمثيلية مؤسساتية معتبرة في مختلف أجهزة وهياكل المجلس تجاوزت خلال الولايتين حدود قاعدة التمثيل النسبي، ومن جهة أخرى استفادت المعارضة من مأسسة أدوراها تجسيدا لمقتضيات الفصل 60 من الدستور، مما ضمن لها حضورا مؤسساتيا وسياسيا ساعدها على القيام بأدوارها الرقابية والمساهمة الفعلية في التشريع والمشاركة في تقييم السياسات العمومية وفي الديبلوماسية البرلمانية.

وقد شكل قرار المجلس الدستوري رقم 13/924 الصادر بتاريخ 13 غشت 2013، القاضي باقتسام الحصة الزمنية المخصصة لمجلس النواب بين الأغلبية والمعارضة في جلسة الأسئلة الشهرية الموجهة لرئيس الحكومة في محور السياسات العامة، اجتهادا من طرف القضاء الدستوري لمضامين الفصول الدستورية تجاوز قاعدة التمثيل النسبي ومكن المعارضة داخل المجلس من وضع متقدم جعلها إحدى أطراف معادلة توازن السلط داخل المشهد البرلماني.

غير أن المتتبع لمخرجات جلسة انتخاب مكتب مجلس النواب ورؤساء اللجان الدائمة، التي شهدها المجلس يوم الإثنين 11 أكتوبر 2021، لاحظ الرجوع إلى تكريس الفعل الأغلبي عكسه تراجع المجلس عن تمكين مكونات المعارضة من بعض حقوقها التي تواترت على ممارستها خلال الولايتين السابقتين داخل مكتب المجلس، وسقوطه بالتالي في خرقين واضحين ارتبطا بحرمان مكونات المعارضة من استكمال تمثيليتها في مكتب المجلس ورئاسة اللجان، مما يمكن اعتباره تجاوزا لمضمون قرار المحكمة الدستورية رقم 37/17 الصادر بتاريخ 11 شتنبر 2017 والمتعلق بمطابقة النظام الداخلي لمجلس النواب للدستور.

أولا: حرمان المعارضة من حقها في منصب محاسب أو أمين بمكتب المجلس كحد أدنى

شكل غياب تمثيلية فرق المعارضة في منصب محاسب و/ أو أمين خرقا واضحا لمقتضيات المادة 23 من النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2017، ومما جاء في اللفظ الصريح لهذه المادة هو أنه “لا يحق الترشح لأحدهما أو لهما إلا نائبة أو نائب من المعارضة”، وفي هذا تخصيص حصري لمنصب محاسب أو أمين أو هما معا لفرق المعارضة بالمجلس. انعكاس هذا الخرق يبدو واضحا على تمثيلية المعارضة بالمكتب، حيث بقيت تمثيلية فرق المعارضة داخل المكتب المنتخب محدودة في نسبة 23%، بينما لو التزم المجلس بحقوق المعارضة كاملة كما هي منصوص عليها في النظام الداخلي لتمكنت المعارضة من رفع تمثيليتها داخل المكتب إلى نسبة 38,46%، أي بفارق يصل إلى أكثر من 15% من التمثيلية، هذا الحرمان سيؤثر حتما في موقع المعارضة داخل المكتب إلى غاية منتصف هذه الولاية التشريعية، ويقلص بالتالي من تأثيرها في توجيه القرار المؤسساتي داخل المجلس، أخذا بعين الاعتبار الصلاحيات التي يتمتع بها مكتب مجلس النواب.

ثانيا: عدم تخصيص رئاسة لجنة مراقبة المالية العامة بالأسبقية للمعارضة

نصت المادة 70 من النظام الداخلي لمجلس النواب على تخصيص المجلس رئاسة لجنتين على الأقل للمعارضة، تكون من بينها وجوبا اللجنة المكلفة بالتشريع وبالأسبقية لجنة مراقبة المالية العامة…، مما جعل الأغلبية تحظى برئاسة ست لجان دائمة فيما ترأست فرق المعارضة ثلاث لجان فقط.

وتكمن أهمية هذه اللجنة بالنسبة للمعارضة في مهامها الحيوية التي عددتها حصرا المادة 81 من النظام الداخلي لمجلس النواب في ثلاثة اختصاصات أساسية:

مراقبة وتتبع الإنفاق العمومي، دراسة التقارير الموضوعاتية التي يعدها المجلس الأعلى للحسابات وفقا للفصل 148 من الدستور ثم النصوص التشريعية المتعلقة بمراقبة المالية العامة.

حرمان المعارضة من رئاسة هذه اللجنة سينعكس على الحيز الرقابي المتاح لمكونات المعارضة بخصوص إمكانية مراقبة الإنفاق العمومي وتتبع التقارير الرسمية في هذا الخصوص، بالنظر لما تتمتع به اللجان الدائمة وفقا لمقتضيات الفصل 102 من الدستور والمادة 98 من النظام الداخلي من أدوار رقابية تتمثل أساسا في الاستماع إلى أعضاء الحكومة وإلى مسؤولي الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية بحضور الوزراء المعنيين وتحت مسؤولياتهم، في مختلف القضايا التي تشغل الرأي العام الوطني، مما سيقلص من الحيز الزمني الرقابي للمعارضة بالمجلس بنسبة 25%.

وعلى الرغم من تفاوت درجة مخالفة هاذين الخرقين الصريحة لمواد النظام الداخلي، على اعتبار أن الخرق الأول ارتبط بحق التمثيلية المخولة للمعارضة “لا يحق … إلا لنائبة أو نائب…” فيما ارتبط الثاني بأسبقية المعارضة في رئاسة اللجنة إذا قدمت ترشيحها، إلا أنهما يشكلان تجاوزا لقرار المحكمة الدستورية القاضي بمطابقة المواد الضامنة لحقوق المعارضة للدستور، خاصة وأن المعارضة استهلت الولاية التشريعية في ظل تمثيلية سياسية متدنية تقلصت إلى أقل من 25% من مجموع مقاعد المجلس (97 نائبا)، بعد إعلان فرق الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية والمجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية عن اختيارها الاصطفاف في المعارضة.

ولإن كانت قرارات المحكمة الدستورية، طبقا لأحكام الفصل 134 من الدستور، لا تقبل أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية، فإن قرارها القاضي بمطابقة مواد النظام الداخلي ومنها تلك المتعلقة بحقوق المعارضة للدستور يلزم مجلس النواب باعتباره سلطة تشريعية، لتبقى هذه الوضعية أمام ثلاثة استفهامات:

هل ستقوم المحكمة الدستورية بلفت انتباه مجلس النواب بخصوص هذا الخرق؟ أم سيتدارك المجلس من تلقاء نفسه هذا الخرق ويمكن المعارضة من حقوقها كاملة في التمثيلية داخل المكتب وفي رئاسة اللجان الدائمة؟ أم ستلجأ المعارضة للمحكمة الدستورية لاسترداد حقوقها الدستورية؟

*حسن المزدوي / باحث في القانون الدستوري

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

هكذا ننظر للطموح في النظام الأساسي المرتقب للتربية والتكوين !

وجهة نظر

جواز الجدل

صورة تعبيرية وجهة نظر

الدين العام .. عبء في تزايد وحتمية اللجوء إليه: حجم المديونية تجاوز الناتج الداخلي الإجمالي

تابعنا على