ABDELLAH BOUSOUF وجهة نظر

حديقة “تبون” التي تخفي الغابة..

15 نوفمبر 2021 - 18:23

طارت الآلــة الإعلامية الجزائرية فـــرحا وهللت بزيارة الرئيس الإيطالي للجزائر يومي 6 و 7 من نوفمبر، فالنظام يعيش شبه عزلة سياسية، إذ تعتبر زيارة الرئيس الإيطالي ” سيرجو متاريلا ” هي أول زيارة رئيس دولة أوروبية للرئيس عبد المجيد تبون، كما انها جاءت بعد 18 سنة على آخر زيارة لرئيس إيطالي للجزائر…

و قد تزامنت الزيارة مع الجرح العميق الذي خلفته تصريحات الرئيس الفرنسي بخصوص الذاكرة التاريخية للجزائر و قبله بصدور تقرير بنجامين ستورا ” ذاكرة الاستعمار و الحرب الجزائرية ” في يناير 2021 ، و رفض مؤرخي الثكنات العسكرية الجزائرية لتقرير المؤرخ ” ستورا ” تارة بدعوى أنه يتماهى مع توجه اليمين الفرنسي ، و أخرى أنه يخدم أجندات انتخابية..

لكننا نعتقد ان النظام الجزائري قد خرج بأهداف الزيارة الاقتصادية والسياسية والإعلامية… الى التوظيف التاريخي لإيطاليا و لأحد أهم شخصيات ما بعد الحرب العالمية الثانية في إطار صراعها حول الذاكرة التاريخية المشتركة مع فرنسا… و ذلك من خلال تصريحات الرئيس الجزائري ” تبون ” بإعجابه بالنموذج الاقتصادي الإيطالي .. وأيضا من خلال إطلاق اسم ” انريكو ماتي ” على حديقة جزائرية و وصفه بصديق الثورة الجزائرية، هذا دون الحديث عن الهدية الأخرى الحصان البربري الأصيل ” فــــولاذ ” و إسقاطات التشبيه مع حصان نابوليون بونبارت…

كما نعتقد ان هذا التوظيف السياسي لشخصيات تاريخية إيطالية قد شابه الكثير من التعتيم والتقزيم بوصف ” انريكو ماتي ” بصديق الثــورة الجزائرية فقط .. فكيف كانت ستكون مجريات أحداث الثورة وقادتها وجمهوريتها المؤقتة بالمنفى ومشاورات ” إفيـــان ” في غياب شخصية من وزن ” انريكو ماتي “…؟

لقد ارتبط اسم ” انريكو ماتي ” باسم شركة المحروقات الإيطالية “إيني ” إذ يعتبر مؤسس ومهندس السياسة الطاقية بإيطاليا بعد ماضي ضمن صفوف مقاومة الفاشية والنازية بإيطاليا و مسار سياسي متميز ضمن التيار الديمقراطي الكاثوليكي..

” انريكو ماتي ” كان يحمل تصورا جديدا عن أهمية الاستقلال الطاقي الذي يضمن الإقلاع الاقتصادي و إستقلال القرار السياسي خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، كما كان يحمل تصورا تعاقديا جديدا بعيدا عن المعادلات الاستعمارية بين الدول الغنية بالبترول و الغاز و الشركات المنتجة التابعة للدول الغنية…

“انريكو ماتي ” ربط العلاقات مع كل الدول الغنية بالبترول بعيدا عن الأيديولوجيات و الخلفيات السياسية من ايران و الأردن و مصر و تونس و ليبيا و المغرب الى الاتحاد السوفياتي و الصين.. وهو ما جلبه الكثير من المتاعب خاصة من محور الغرب اللبيرالي… و هو ما مكنه من تكوين شبكة علاقات و صداقات قوية داخل دوائر نافذة في السياسة و الاعلام و مصادر القرار..

اعتقد ان الثورة الجزائرية كانت محظوظة باندلاعها في مرحلة انتقالية عالمية تميزت بصراع ايديولوجي قوي بين قطبي الليبيرالية والاشتراكية ( الشرق و الغرب ) و خلق منظمة عدم الانحياز سنة 1955 ( الشمال و الجنوب ) و تداعيات العدوان الثلاثي سنة 1956 و خلق المجموعة الاقتصادية الأوروبية ( معاهدة روما 1957 )…و اكتشاف حقول البترول و الغاز بالجزائر سنة 1954 و 1956..وخلق منظمة الدول المصدرة النفط ( opec) في دجنبر 1960…

كما نعتقد ان الثورة الجزائرية كانت محظوظة بتبنيها من طرف مفكرين و كتاب كبار محسوبين على التيار الاشتراكي او من مناصري قضايا العالم الثالث و يكفي ان نذكر ببعضهم كبول سارتر و فوكو و فرانتز فانون من فرنسا ، و المحامي سيرج مورو و لوك سومرهاوزن و الأساتذة لابيرش و لي غريف من بلجيكا ، و ميشيل رابتيس و سال سانتيم من هولنذا ، و إطلاق جريدة ” الجزائر حرة ” في كل من الدانمارك و بريطانيا و ألمانيا ، و اهتمام كبير من طرف صحافيين من سويسرا و غيرهم…

لكن الثورة الجزائرية كانت محظوظة أكثر بتواجد شخصية من عيار ” انريكو ماتي ” و الذي وفر لها الدعم المالي و الغطاء السياسي و الإعلامي…حيث كان يتنقل قادة الثورة الجزائرية بكل سهولة في إيطاليا و يحصلون على التأشيرات وتراخيص الإقامة، كما كان يشارك ممثل الثورة الجزائرية بروما “الطيب بولحروف ” في ندوات السلام المنظمة من طرف البرلماني و عمدة فلورانس “جورجو ببيرا ” سنوات 1958 و1960 و 1960..

و بالإضافة الى إصدار جرائد إيطالية يومية فقد تكلف الناشر الإيطالي الكبير ” جاكوم فيلترنيلي ” بنشر العديد من كثب الثورة و ترجمتها الى الإيطالية خاصة كتب الطبيب النفسي و الكاتب الفرنسي ” فرانتز فانون “…

أكثر من هذا ، فان ” انريكو ماتي ” التقى شخصيا اكثر من مرة بقادة الصف الأول للثورة الجزائرية سواء في إيطاليا او سويسرا أو مصر و نذكر منهم سعد دحلب و يوسف بن خدة و عبد الحفيظ بوصوف و فرحات عباس و احمد فرانسيس و محمد يزيد و محمد بن يحيى و الطيب بولحروف و احمد بومنجل … وهي أسماء لها وزن كبير في جزائر الثورة و بعد الثورة..

كان بمثابة الأستاذ الملهم خاصة في مجال الطاقة والمحروقات و المعاهدات والاتفاقيات…لذلك كلف الصحفي و مساعده المقرب ” ماريو بيراني ” بالإقامة في تونس في يناير 1962 و تقسيم المجموعات بين الملفات السياسية و علاقات الاورومتوسطية أي مجموعة عبد الحفيظ بوصوف و كريم بلقاسم و محمد بن يحيى ، و الملفات التقنية مع مجموعة ” المالغ ” و ملف المحروقات أي مجموعة رضى رحال و محمد خالدي و قصدي مرباح و محمد حرمة كروحة…

وهي اللقاءات التي جعلت الوفد الجزائري في مفاوضات ” إفيان ” و غيرها .. أكثر استعدادا وإلماما بملفات المحروقات اثناء المفاوضات حول الصحراء والتي حاول الجانب الفرنسي استثنائها من المفاوضات..

صحيح ان “انريكو ماتي ” كان يسعى الى تامين مصادر الطاقة لبلده الخارج للتو من حرب عالمية مدمرة و كان يسعى الى التحرر من قبضة الشركات العالمية (كارتيل) ، لكنه رفض الدخول في اتفاقيات تخص بترول الجزائر قبل اعلان الاستقلال ، لأنه كان يريد التفاوض مع الثوار الجزائريين..

لكن موته المفاجيء بعد تحطم طائرته في 27 أكتوبر1962 أي بعد شهور قليلة من نيل الجزائر لإستقلالها ، حال دون تحقيق أحد أحلام “انريكو ماتي ” أي أنبوب غاز يمر عبر المغرب و اسبانيا و فرنسا و إيطاليا ، و تم الاكتفاء بأنبوب إيطاليا عبر تونس يحمل اسم ” انريكو ماتي ” سنة 1983..

الملاحظ أيضا ان قادة الصف الأول للثورة الجزائرية سيتم الانقلاب عليهم مباشرة بعد إعلان الاستقلال سنة 1962 و ستتم سرقة الثورة و أفكارها و الانقلاب على كل المباديء و الالتزامات ( أفكار ماتي ) أي التعامل جنوب / جنوب…و سيتم إجبار بعضهم على الاعتزال السياسي و خرق علاقات الجوار مع كل من تونس بالاستلاء على مناطق شاسعة من صحراءها ، و الدخول مع المغرب في مناوشات حدودية انتهت بحرب الرمال سنة 1963…

لكل هذا ، فقد أخطأ النظام الجزائري التوظيف السياسي بإقحام شخصية ” انريكو ماتي ” في صراع الذاكرة التاريخية المشتركة مع فرنسا، بــــإطلاق اسمه على مجرد حديقة و بـــوصفه صديق للثــــورة فقط … في حين أن الرجل يستحق أكثر من ذلك فقد قام بتكوين وفـــد الــثوار المفاوض ، كما قـــام بتكوين الأطر الجزائرية في مجالات استخراج البترول و تسويقه في معهد خاص بذلك في مدينة ميلانو الإيطالية… لكن ماذا ننتظر من نظام عسكري انقلب على الجيران و على الجيل المؤسس و على القادة الأصليين للثورة الجزائرية أمثال فرحات عباس و بن خدة و احمد بومنجل و دحلب و غيرهم…؟ رحم الله شهداء الثورة الجزائرية العظيمة…

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وجهة نظر

الريسوني يكتب: المغرب الرسمي في مفترق طريقين

وجهة نظر

قرار بنموسى الأهوج والتبرير الأعوج!

وجهة نظر

هل سوف يطبق حمدوك ماوقع عليه؟

تابعنا على