لنا ذاكرة

معتقل درب مولاي الشريف السري.. “كوميسارية” صارت مقبرة للأحياء

رغم أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول معتقل درب مولاي الشريف السري إلى مركز للمساعدة الطبية والنفسية والترويض الطبي، في 2011، لفائدة ضحاياه السابقين وعائلاتهم وسكان الحي المحمدي في محاولة للمصالحة مع المكان، إلا أن مجرد سماع عبارة “درب مولاي الشريف” مازال يثير الرعب في نفوس العديد من الذي اكتووا وعائلاتهم بنار هذا المعتقل الذي انتزع اسمه من الحي الذي يوجد به وانفرد به.

الهاجس الأمني

كانت الإدارة الاستعمارية الفرنسية تشدد رقابتها على كل الأحياء التي تبدي مقاومة لوجود فرنسا بالمغرب، وبما أن كريان سنطرال بالدار البيضاء كان من بين الأحياء التي تحتضن خلايا المقاومة، فقد كانت فرنسا تسهر على مراقبته من خلال “كوميسارية” تتموقع بالقرب من سوق الخضر “المارشي كريو”، بالإضافة إلى مركز “أمني” صغير يحيط به سياج من القصب اختارت له الإدارة الاستعمارية أن يكون في الخلاء بين حي درب مولاي الشريف وزنقة كامبي وقرية “الشابو”، مجاورا لمركز صغير لحفظ الصحة.

بعد ذلك اختارت الإدارة الاستعمارية الشمال الغربي من حي كريان سنطرال لإنشاء حي إداري مكون من مصلحة بريدية و مقاطعة و “كوميسارية” في إطار تصميم أطلقت عليه اسم “إيكوشار”.

فاستمرت الإدارة الاستعمارية في الاعتماد على مركز الأمن هذا إلى حدود نهاية سنة 1952، إلى أن تعرض في السابع والثامن دجنبر من نفس السنة إلى هجوم بالحجارة من طرف المتظاهرين فيما عرف آنذاك بحوادث فرحات حشاد. بعدها مباشرة باشرت الإدارة الاستعمارية بناء كوميسارية درب مولاي الشريف الشهيرة، وهذا ما يؤكده تقرير صادر عن هيئة الإنصاف والمصالحة.

أسست الحماية “براكة” عصرية بالقرب من بوابة “الشابو”، وأوضح الباحث نجيب تقي في كتاب “جوانب من ذاكرة كريان سنطرال”، أن العديد من الروايات اتفقت على أن شركة الجير والاسمنت هي من تكلفت ببنائه، وأورد شهادة لأحد قيدومي قرية “الشابو” يدعى محمد إكران، تحدث فيه عن انتقال المركز الأمني من مكانه القديم إلى موقعه الجديد القريب من باب الشركة التي تكلفت ببنائه. وكان دافع هذه الشركة من وراء التطوع لبناء مركز الأمن هذا لإدارة الاستعمار هو توفير الأمن لها أولا، بحكم أهمية استثمارها وضخامة مصالحها في وقت انتشرت فيه بكثرة العمليات الفدائية والمسلحة.

مشروع “الكوميسارية”

في 1955 أجرت الإدارة الفرنسية العديد من الاتصالات من أجل بناء “كوميسارية” وهي التي ستعرف فيما بعد بدرب مولاي الشريف. لقد جاء في إحدى الوثائق بتاريخ 14 فبراير 1955 أن شركة الجير والاسمنت كلفت مديرها العام “بيير ماري” ومساعده “ليون ساكليو” بالتخلي لمديرية الأمن عن بقعة أرضية بساحة هنتز تقارب مساحتها 3900 متر مربع.

بعد ذلك صدر قراران لمدير المالية في 22 شتنبر 1955 في شأن الترخيص للدولة بحيازة بقعتين متجاورتين في كريان سنطرال لإحداث كوميسارية للشرطة إحداهما في ملكية أربعة مغاربة، وبعد أقل من شهر أبرم مدير مصلحة الأملاك المخزنية مع مدير شركة الإسمنت عقد شراء، وفي دجنبر من نفس السنة أبرم عقدا مع المالكين الأربعة، بعد ذلك تقدم مدير الأملاك بطلب دمج القعتينن، إلا أنه رفض لأن هذه الأرض التي باعها هؤلاء كانت قد حازتها الدولة فيما سبق وأدمجتها في ملكها الخاص، فألغي عقد البيع مع هؤلاء لهذا السبب.

في أواخر الخمسينات أصبحت “كوميسارية” درب مولاي الشريف جاهزة لكنها ظلت في أيدي الفرنسيين مما جعل الدولة المغربية تستعيض عنها بـ”كوميسارية” درب البلدية المعروفة بـ”الساتيام” والتي مازالت تشتغل إلى حدود اليوم. لما اكتمل بناء “كوميسارية” درب مولاي الشريف كانت النتيجة عمارة غطت مساحة 1455 مترمربع وضمت ثلاثة طوابق تتوزعها 35 شقة لإيواء مستخدمي الأمن. طابقها السفلي وقبوها كان عبارة عن “كوميسارية” قبل أن يتحول إلى معتقل سري فيما بعد.

“كوميسارية” درب مولاي الشريف كانت في البداية عبارة عن كوميسارية عادية في سنوات الاستقلال الأولى ثم تحولت إلى معتقل، وهذا ما تثبته العديد من الروايات والكتابات، منها رواية صلاح الوديع متحدثا عن زيارته رفقة والدته لوالده، التي أوردها نجيب تقي، “في إحدى المرات ذهبت لزيارته رفقة والدتي في درب مولاي الشريف… وبينما نحن معه استأذن الشرطي الذي كان مكلفا بالحراسة، وأدخلني في المكان الذي كان معتقلا فيه، وقال لي كلاما لم أكن أفهمه كله لحظتها ولكن أدركت معناه فيما بعدن قال لي بالحرف: (كملنا هو هذاك ما كملماش هذه هي بلاصتك) وبالصدفة أنني حينما اعتقلت وخضعت لأول عملية من التعذيب ألقيت وأنا مضرج في دمائي على بعد مترين أو متر واحد من المكان الذي أدخلني إليه والدي وخاطبني فيه بالكلام المشار إليه سالفا”.

درب مولاي الشريف قبل أن يتحول إلى معتقل سري كان عبارة عن “كوميسارية” عادية وهو ما يتذكره العديد من سكان الحي المحمدي الذين كانوا يقصدونها للحصول على الوثائق الإدارية، كما أشار إلى ذلك الباحث نجيب تقي، لكنه استعمل معتقلا سريا ما بين سنتي 1959 و1991، كما تؤكد إحدى وثائق هيئة الإنصاف والمصالحة.

وتأثر حجم استعمال المعتقل بدرجة حرارة العلاقات السياسية بين الدولة والأطراف السياسية، فأحيانا يتقلص عدد ضيوفه، وأحيانا يكتظ كما حدث في سنوات السبعينات التي احتدم فيها الصراع بين الدولة وأحد أجنحة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.