التوكل والتواكل

التوكل والتواكل

06 ديسمبر 2016 - 01:36

لأن تكون كافراً أيسر بكثير من أن تكون مؤمنا. وكذلك كل طبع شرير في النفس من السهل تطبيقه؛ لكن الطباع النبيلة والحميدة فمن الصعب أن يتحلَّى بها الإنسان.

فأنتَ تعلمُ مثلي أن كل إنسان إلا وبسلوك أقرب إلى لمح البصر تكون ردة فعله دائما عصبية وعنيفة. فالإنسان حالما لا يحقق غرضا من الأغراض ينويه في نفسه إلا ويعبر عن سخطه وعدم رضاه بالتناقض الذي حصل. ونحن إن قُمنا باستقراءٍ دقيقٍ وتشريح جذري للنفسية العربية سنجد بأنها نفسية شريرة مائة في المائة. ولا يُمكن إلا أن نَجْزمَ بأن كل عربي إلا ويتضرع إلى الله طيلة اليوم ليقضي له ما نواه. وفي أغلب الأحيان لا تتحقق النوايا، فيعبر العربي عن خيبته بكل أطياف العبارات الحقيرة، شتما وسبا.

فنحن نعرف أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يجيب السائل في الوقت الذي يسأله فيه. وإنما هناك مُهلة للإجابة لأن هناك من سبقه وسأل. فعلى السائل إذن أن ينتظر دوره ولو من بعد أربعين سنة؛ وربما لن تستجاب دعوته. فالمسألة تتعلق بالإرادة الإلهية. ولا جرمَ أن كل من هو حي على وجه البسيطة إلا ويتضرع للخالق، كيفما كان دينه وكيفما كانت لغته.هذه مسألة لا نقاش فيها.

ولا أحد يستطيع أن يُثبتَ لنا بأن الله قدِ استجاب لدعائه. فهذا سيكون افتراءً على الخالق عز وجلَّ. فمشكلتنا نحن العرب أننا نكثر ـ وهذا لا يستسيغه العقل ـ نكثرُ من السؤال ولا نتوكل على الله. والتوكل على الله يعني أن تعمل. لكننا لا نقوم بأي مجهود يُذكر ليجعل لنا في ذلك المجهود تيسيرا. لكنما نحب أن يقوم الغير بالعمل ونحصدُ نحن ما سيجنيه. وقد وجدتُ رجالا كثيرين يلتمسون الراحة والخمول في حين زوجاتهم هن اللواتي يعملن ويصرفن على الأسرة. وهذا مرض اجتماعي خطير.

فالله أخرجنا للحياة لنعمل ولا نتَّكل على الحظ. فليس هناك حظ إلا في الميسر. والله حرَّم الميسر. فالربا مثلا هو جنيٌ بطريقة جامدة. أي أنْ ليس هناك عمل خوَّل الربح من رأس المال. فهي قيمة ثابتة لا تتحرك ولكنها تزداد إضافة. من هنا يتبين أن الربح الذي يحصل عن طريق عمل من الأعمال هو ربح حلال. ففي الميسر لا نلاحظ أنه قد تمت هناك عملية فيها تعب لكسب المال.

وإذا نظرنا إلى بعض المناصب الحكومية سنجد أن رواتبها حرام. فالوزير مثلا راتبه حرام لأنه لا يعمل ليُحِلَّ ذلك الدخل وإنما هناك مرؤوسين يعملون في مكانه، ومهمته هو تبدو للعيان مهمة خاوية الوفاض.

فنحن إذن نعرف أن الله لن يستجيب لما نسأله به لأن هذا مناقض للشرعية الإلهية. فحين يسأل مراهن في الميسر ربه أن يربح فهذا بالطبع دعاءٌ مرفوض ولن يقبله العقل، فكيف أن يقبله الخالق عز وجل. وحين نسأل الله أن يُمطرنا بالغنى فهذا كذلك سؤال مرفوض لأننا لم نقم بأي عمل لنصبح به أغنياء. وقس على هذا العديد والعديد من الأدعية التي لا يستجيبُ الله لأصحابها.

فإن كنا سنجلس مكتوفي الأيدي ونتوجه بالدعاء إلى الله بأن يغير أوضاعنا، فبصراحة لن يتغير شيء. لأنه من المفروض أن نشرع في التغيير بالعمل حتى يجعل الله في ذلك العمل خيرا كثيرا. فآدم حين أُخرجَ من الجنة لم يعد له الحق في أن يأكل من حيثُ شاء رغدا كما كان في الجنة؛ ولكن أُنزل للأرض ليعمل حتى يأكل ويسكن ويؤسس شعبا. فلكي نغير شيئا علينا أن نعمل له. فإن حدث عطبٌ مثلا في صنبور الماء ولم تقم بإصلاحه فلن يتوقف. ويمكنُ لك أن تجلس بالقرب منه وتسأل الله أن يوقف تدفقه فلن يتوقف ولو قُمتَ عليه سنينا تسأل وتنتظر.

فالوضع الذي نعيشه لن يحدث فيه أي تغيير ما دمنا لا نقوم بأي مبادرة لإصلاحه. فإن أصلح هذا شيئا والآخر والآخر...ففي يوم ما سنجد أن الوضع قد تغير. وبما أن هذا يفسد والآخر والآخر...ففي يوم ما ستقع كارثة لا مفر منها.

أريد أن أقول بأنك إذا ركنتَ سيارتك في مكان، فلن تتحرك من هناك إن لم تقم أنتَ بتحريكها. فالحكومات لن تتغير إلى يوم يبعثون إن لم يقم الشعب بتغييرها. والتغيير يبدأ من الشخص نفسه وهكذا صعودا حتى ينتهي إلى قمة الهرم. ومن غير عمل لذلك،فالأمور ستبقى على حالها والله أعلم.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

من أجل دخول مدرسي سليم

اختفاء طفل بطنجة

عشر مقترحات لمحاربة البيدوفيليا

مرض الانتقاد

تابعنا على