منوعات

الكسكس يجمع الناس ثقافيا ويفرق المغاربيين سياسيا

الكسكس في الأعراف والثقافات الشعبية أكلة تجمع الناس، فهي سجلت نفسها كألة شعبية عريقة تهيمن على موائد الطعام في مناسبات عدة، وخاصة ذات الطبيعة الاجتماعية مثل الجنائز، أو ذات البعد الديني مثل يوم الجمعة الذي يعتبر الكسكس في الأسر المغربية الأكلة التي يكاد تجمع عليها موائدها.

غير أن هذه الأكلة التراثية التي لم تعرف الحدود الجغرافية حين نشأت في قديم الزمن، وانتشرت بالخصوص في شمال إفريقيا، تراهن الجدالات في مواقع التواصل الاجتماعي على ربطها ببقعة جغرافية معينة.

ولا يقتصر الأمر على الكسكس بل يتعداه إلى عالم الفن الأزياء والغناء، فنجد التجاذب يطال فن “الراي” وموسيقى “كناوة”، وغيرها من التراث الثقافي غير المادي.

وتندلع تلك النقاشات بالخصوص بين المغاربة وكل من الجزائريين والتونسيين، حول أصل وجبة الكسكس الشهيرة، أو جذور زي القفطان التقليدي الذي تلبسه النساء في المناسبات العائلية، أو حول أصل موسيقى “الراي” و”كناوة”، وأصل بعض الحلويات، هل هي مغربية أم جزائرية، بينما تنادي نخب محايدة من الجانبين، باتخاذ ذلك التراث المغاربي وسيلة للتقارب وليس التناحر، حسب اندبندنت عربية.

امتلاك الأصل التاريخي

وحسب نفس المصدر، نشأت خلافات حادة بين المغاربة والجزائريين بشأن أصل “الكسكس”، فالمغاربة يعتبرونها أكلة تاريخية خاصة بهم، بينما الجزائريون يؤكدون أنه طبق محلي محض يعود تاريخه إلى قبل 5 آلاف سنة.

وحسمت لجنة التراث غير المادي لمنظمة “اليونسكو” هذا السجال، في ديسمبر (كانون الأول) 2020، بإعلان “الكسكس” طبقاً مغاربياً ضمن لائحة التراث، بعد تقديم ملف مشترك بين بلدان المغرب، والجزائر، وتونس وموريتانيا، بعنوان “الكسكس: المعارف والمهارات والطقوس”

واحتدمت النقاشات بين البلدين الجارين أيضاً بشأن هوية زي “القفطان” النسائي، ومن لديه أحقية امتلاك “الأصل التاريخي والحضاري” لهذا اللباس، بخاصة بعد سعي الحكومة الجزائرية إلى تقديم ملف إلى “اليونسكو” لتصنيف القفطان لباساً تقليدياً جزائرياً، وهو ما بادرت إليه وزارة الثقافة المغربية أيضاً، دون أن يُحسم هذا الجدل نهائياً حتى الآن.

وأما موسيقى الراي فقد نالت حظها من المناكفات بين المغرب والجزائر، فكل طرف يزعم أن نشأة هذا الفن تعود إليه، في الوقت الذي تحاول أطراف ثالثة أن تكون أكثر حيادية بالتأكيد على أن الراي موسيقى مغاربية مشتركة بين البلدين، مثل الكسكس.

السجال نفسه اندلع ولا يزال بشأن هوية موسيقى “كناوة” (بلسان المغاربة)، و”القناوي” (بلسان الجزائريين)، بينما يصر مؤرخون على أن أصل هذا الفن الأفريقي يعود إلى غانا، لكنه انتقل مع موجات تهجير العبيد إلى المغرب في القرن السابع عشر ميلادي.

اتهامات بسرقة التراث

في السياق ذاته، تفجرت موجة اتهامات بين البلدين الجارين المتخاصميْن حول “سرقة التراث”، فالمغرب اتهم الجزائر بالسطو على صورة لصومعة “الكتبية” الشهيرة بمدينة مراكش، وذلك من خلال عرضها في ملصق إعلاني لمعرض دولي في يناير (كانون الثاني) 2019، على اعتبار أن الصومعة تراث جزائري.

ولم تكد تمر أشهر حتى تعرض المغرب بدوره لاتهامات من طرف الجزائر بأنه تعمد “سرقة التراث الجزائري”، بعد أن عرض صورة تراثية لفتاة جزائرية في أحد المعارض المعروفة في السنة الماضية، على أنها تراث مغربي.

تبادل هذه الاتهامات والمناوشات بخصوص “سرقة التراث” دفع الحكومة إلى إحداث علامة التميز “تراث المغرب”، بهدف حماية التراث المغربي المادي وغير المادي من الاستعمال غير المشروع.

ووفق هذا القرار الحكومي، فإنه “سيتم جرد لائحة التراث التي ستحصل على علامة التميز، كما يمكن للشركات والجمعيات المغربية جر كل من يستعمل تراث المغرب بطريقة غير مشروعة إلى المحاكم الدولية المتخصصة”.

من جهتها، عمدت وزارة الثقافة الجزائرية إلى سن تدابير عدة لحماية التراث من النهب، كما تستعد لإنشاء لجنة مشكلة من باحثين ومتخصصين لحماية التراث غير المادي وحفظه، عبر إنشاء متحف وطني خاص لهذا الغرض.

عبثية البحث عن الأصول

الكاتب المغربي مصطفى لغتيري يعلق على هذا الموضوع بالقول لـ”اندبندنت عربية”، إن البحث عن الأصول غالباً ما يكون عبثياً، بل ما يلبث أن يسقط في مطب الخرافة، وعلى الرغم من التمايزات الظاهرة بين الشعوب، فإن الماضي يكاد يكون مشتركاً بين جميع الأمم.

ويستطرد لغتيري “الحضارات تتميز بطابعها الإنساني الشمولي، فكل أمة في مرحلة عنفوانها تسهم في هذا البناء الحضاري الإنساني، بعد أن ترثه عن الأمة التي سبقتها في الازدهار والتطور، ثم تنكص لأسباب معينة، فتضيف إليه بعد أن تستوعبه”.

ويكمل مؤلف رواية “أسلاك شائكة” التي تحكي عن مآسي إغلاق الحدود بين المغرب والجزائر، بأن الأمر أشبه بسردية تتناوب عليها الحضارات بالتناوب، فاللغة مثلاً لم تخترع مرتين، بل ظهرت في بلاد الرافدين ثم اقتبست بقية الشعوب الفكرة وطورتها.

وزاد لغتيري بأن “هذا التجاذب يصبح عبثياً أكثر إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الشعوب المغاربية تشترك في التاريخ والجغرافيا والعادات واللغة، والعرق الذي يستوطنها هو خليط ما بين الأمازيغ والأفارقة والعرب والموريسكيين الذي هاجروا إلى البلاد بعد سقوط الأندلس”.

وخلص المتحدث إلى أن “كل التعبيرات الثقافية من لباس كالقفطان مثلاً ووجبات غذائية كالكسكس وأغان كالراي وغيرها، هي تعبيرات مشتركة بين هذه الشعوب، فالأحرى أن تكون عامل جمع في ما بينها بدل أن تصبح سبباً للتفرقة”.

المغامرة بالمشترك المغاربي

الدكتور إدريس لكريني، أستاذ جامعي ورئيس منظمة “العمل المغاربي”، يقول إن البلدان المغاربية عموماً، بخاصة المغرب والجزائر، تعيش مفارقة عجيبة، فبدلاً من تحويل العناصر المشتركة بينها إلى عوامل قوة واتحاد، باتت من أسباب التفرقة والتناحر.

ويضيف لكريني، لـ”اندبندنت عربية”، أن كثيراً من بلدان العالم استطاعت أن تستثمر خلافاتها وتناقضاتها إلى عوامل قوة لتنفتح على المستقبل وترسي تكتلات واعدة لمواجهة التحديات وكسب رهانات المستقبل، بخلاف دول المنطقة المغاربية التي لم توظف مشتركها الحضاري والجغرافي في ما يعود عليها بالنفع، بل سقطت في الخلافات والأحقاد

ويسترسل المتحدث بأن الأمر لا يتعلق بطبيعة الثقافة أو الفن في حد ذاتهما، لأنهما يحيلان إلى التواصل والمشترك الإنساني، بل يتعلق ببعض الأطراف التي تسهم في تكريس الفرقة والتباعد وتعطيل الاتحاد المغاربي، ما يجعل هذه المنطقة من أكثر مناطق العالم عرضة للإشكالات والتدخلات الخارجية وهدر الفرص التنموية.

ووفق رئيس منظمة “العمل المغاربي”، فإنه “لو كان التعاطي مع هذه العناصر والدعائم الثقافية والفنية والتراثية والحضارية، من منظور إيجابي، لتحولت من نقاط مثيرة للجدل والنقاش العقيم السلبي، إلى نقاش إيجابي وراق يعزز الوحدة والمشترك المغاربي بين هذه الشعوب، ويساعد صانعي القرار على طي صفحة الخلافات الناشئة”.

ودعا لكريني النخب الثقافية والفكرية والإعلامية إلى التدخل من أجل العمل على إنقاذ مستقبل الشعوب المغاربية بصورة تحد من بعض الانفلاتات التي غالباً ما تجد رواجاً هائلاً في مواقع التواصل الاجتماعي، وتبلغ أحياناً حد الابتذال والسطحية، ما يفوت على المنطقة مكتسبات وفرص التفاهم والتعاون، ويرمي بها في أتون المخاطر والتحديات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.