اكتشاف جديد: اللب الداخلي للأرض يتحرك ذهابا وإيابا بضعة كيلومترات كل 6 أعوام
المفيد في تطور الفرضيات العلمية هو أنه كلما ظهر تطور جديد يصحح الفرضيات القائمة أو يطورها، أغنى معارف البشر بمعلومات جديدة، تكون أدق، وزودهم برؤية جديدة تختلف عما كانت عليه.
وأثار لب الأرض العشرات من الفرضيات العلمية التي تحاول تفسير سلوكه. واليوم يكشف بحث جديد حقائق أحدثت انقلابا في المعارف العلمية حول لب الأرض، وأزاحت العديد من الفرضيات التي كانت مرتكز العلماء في تحليل سلوك الأرض.
يتأرجح ذهابا وإيابا
و البحث الجديد -الذي نشر بتاريخ العاشر من يونيو/حزيران الجاري في دورية “ساينس أدفانسز” (Science Advances)- قدم فيه علماء جامعة جنوب كاليفورنيا دليلا على أن اللب الداخلي للأرض يتأرجح في دورانه ذهابا وإيابا، وهو اكتشاف يتعارض مع الفرضيات السابقة التي تشير إلى أن اللب يدور باستمرار بمعدل أسرع من سطح الكوكب.
وأظهرت دراستهم أن اللب الداخلي قد غيّر اتجاه دورانه خلال 6 سنوات بين 1969 و1974، وهكذا تمكن الباحثون من تفسير التباين في طول اليوم عبر نموذج الحركة الأساسية للب الأرض، الذي كان يتأرجح باستمرار طوال العقود الماضية.
ووفقا للبيان الصحفي المنشور على موقع “يوريك ألرت” (Eurek Alert)، فقد تمكن الباحثون من رؤية تحولات سطح الأرض مقارنة مع التغيرات التي تطرأ على نواتها الداخلية، وصرح جون إي فيديل -المؤلف المشارك للدراسة وأستاذ علوم الأرض في جامعة جنوب كاليفورنيا- بأن النتائج التي توصلوا إليها “تتوافق مع ما لاحظه الناس على مدار 20 عاما”.
وأضاف “تظهر ملاحظاتنا الأخيرة أن اللب الداخلي كان أبطأ قليلا في الفترة بين 1969 و1971، ثم تحرك في الاتجاه الآخر في الفترة بين 1971 و1974. ولاحظنا أن طول اليوم ازداد ثم قصر كما هو متوقع”.
تحليل الاختبارات الذرية
في غضون 30 عاما مضت، توسّع فهمنا لطبيعة اللب الداخلي لكوكب الأرض، الذي ثبت أنه كرة ساخنة كثيفة من الحديد الصلب بحجم بلوتو تتحرك باستمرار على مدى عقود.
وكان البحث الذي نشر في دورية “نيتشر” (Nature) عام 1996 أول ما اقترح أن النواة الداخلية تدور بشكل أسرع من بقية الكوكب بمعدل يقارب درجة واحدة سنويا، وهو ما سمي آنذاك “الدوران الفائق”.
وباستخدام البيانات من “لازا” (منشأة تابعة للقوات الجوية الأميركية في مونتانا) وجد وي وانغ وفيديل أن اللب الداخلي يدور بشكل أبطأ مما كان متوقعا بنحو 0.1 درجة في السنة.
وطور الفريق تقنية جديدة لتحليل الموجات المتولدة من اختبارات القنبلة النووية السوفياتية تحت الأرض في الفترة الممتدة بين 1971 و1974 في أرخبيل القطب الشمالي “نوفايا زيمليا”.
يقول فيديل “كانت فكرة تأرجح النواة الداخلية نموذجا موجودا، إلا أن المجتمع العلمي كان منقسما بين مؤيد لقابلية تطبيق هذا النموذج ومعارض له”.
وبقياس الموجات الانضغاطية الناتجة عن الانفجارات النووية، فوجئ الباحثان بأن اللب كان يدور في اتجاه معاكس في تلك الفترة بما يقارب 0.1 درجة في السنة؛ وبهذا تمكن الباحثان -للمرة الأولى- من الإشارة إلى التذبذب المعروف على مدار 6 سنوات.
وقال فيديل “اللب الداخلي غير ثابت، إنه يتحرك تحت أقدامنا، ويبدو أنه يتحرك ذهابا وإيابا بضعة كيلومترات كل 6 أعوام”، وأضاف “نحن نحاول فهم كيفية تشكل اللب الداخلي وآلية حركته بمرور الوقت وهذه خطوة مهمة في فهم هذه العملية بشكل أفضل”.
اللب الداخلي للأرض ليس “كتلة مصمتة من الحديد“
لأكثر من نصف قرن، اعتقد المجتمع العلمي أن اللب الداخلي للأرض عبارة عن كرة صلبة مضغوطة من الحديد محاطة بنواة خارجية سائلة، لكن بحثًا جديدًا نشر السنة الماضية أشار إلى أنها تتكون في أجزاء منها من المعدن الصلب وشبه الصلب والسائل.
تقول جيسيكا إيرفينغ -عالمة الزلازل في جامعة “بريستول” (University of Bristol) في إنجلترا التي لم تشارك في الدراسة- لموقع “لايف ساينس” (Live Science) في تقرير نشر يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول 2021 “كلما نظرنا إليها، أدركنا أنها ليست كرة مصمتة من الحديد.. نحن نكتشف عالما مخفيا جديدا بالكامل”.
في الحقيقة، لا يزال اللب الداخلي للأرض غامضا كما كان عندما نشر جول فيرن كتابه “رحلة إلى مركز الأرض” عام 1864، ورغم أن العلماء عرفوا منذ خمسينيات القرن الماضي أن كوكبنا ليس أجوف كما توقع فيرن، فإن باطن الكوكب لا يزال غير مستكشَف؛ فالحرارة والضغط الهائلان هما ببساطة أكبر من أن يغوص أي مسبار إلى هناك.
تقول إيرفينغ “ما لم يحدث شيء كارثي لكوكبنا، فلن يكون لدينا أبدا رؤية مباشرة لنواة الأرض”.
بدلا من ذلك، يعتمد الجيوفيزيائيون على الموجات الزلزالية الناتجة عن الزلازل، فعبر قياس هذه الاهتزازات الهائلة يمكن للعلماء إعادة بناء تصور لبنية الكوكب الداخلية بطريقة “تشبه التصوير المقطعي”، على حد قول إيرفينغ، وتأتي هذه الموجات في صورتين رئيسيتين: موجات الضغط المستقيمة وموجات القص المتموجة، حيث يمكن لكل موجة أن تتسارع أو تتباطأ أو ترتد عن الوسائط المختلفة في أثناء انتقالها عبر الأرض.
وتمتلك الكواكب الأخرى -مثل المريخ- مركزا سائلا، ولكنها تفتقر إلى كل من النواة الداخلية والمجال المغناطيسي، وفقًا لبحث أجرته وكالة ناسا؛ ولذلك يعتقد العلماء أن الفهم الأعمق للنواة الداخلية سيساعد على فهم العلاقة بين باطن الكوكب ونشاطه المغناطيسي.
اترك تعليقاً