اقتصاد، مجتمع

فتح الجمارك بسبتة ومليلية.. هل سيساهم القرار في إعادة إنعاش اقتصاد الشمال؟

أعاد قرار المغرب وإسبانيا بفتح مكاتب جمركية بمعبري سبتة ومليلية، ابتداءً من شهر يناير المقبل، من أجل عبور منظم وتدريجي للبضائع، (أعاد) ملف الوضع الاقتصادي مع الثغرين المحتلين إلى الواجهة مجددا، وذلك بعد مرور أزيد من سنتين ونصف من قرار المغرب إنهاء ظاهرة التهريب المعيشي بشكل نهائي.

فأمس الأربعاء بنيويورك، أعلن وزير الخارجية الإسباني، خوسي مانويل ألباريس، عقب لقائه بنظيره المغربي، ناصر بوريطة، أن البلدان اتفقا على إعادة فتح مكتب الجمارك بمليلية، وإحداث مكتب جديد بسبتة، ابتداءً من يناير 2023، من أجل ضمان عبور منظم وتدريجي للبضائع عبر المنافذ الجمركية البرية.

وفي الوقت الذي لم يكشف فيه الوزيران عن تفاصيل وطرق عودة الحركية التجارية بين البلدين عبر معبري سبتة ومليلية، برزت تساؤلات حول طبيعة هذه المكاتب الجمركية، وهل يتعلق الأمر بالتبادل التجاري الدولي، أم بتقنين عملية إخراج السلع من المدينتين السليبتين من طرف سكان المدن الحدودية المغربية.

وقبل إغلاق المعبرين شهر مارس سنة 2021، عقب تدهور العلاقات بين البلدين وتفشي جائحة كورونا، كان سكان إقليمي تطوان والمضيق الفنيدق، من جهة، وإقليم الناظور من جهة ثانية، يدخلون إلى سبتة ومليلية، على التوالي، دون تأشيرة، حيث يُلزمون بالإدلاء بجواز السفر وبطاقة التعريف الوطنية فقط، وهي نفس الإجراءات التي كانت سارية على سكان سبتة ومليلية أثناء دخولهم للمدن المغربية الحدودية.

ومكَّن هذا الوضع الذي ظل قائما طيلة عقود، من تحقيق نشاط اقتصادي لافت لمدن الشمال، خاصة تطوان والمضيق والفنيدق ومرتيل والناظور، سواء من خلال أنشطة التهريب المعيشي، أو عبر العمل بشكل قانوني داخل المدينتين المحتلتين، إلى جانب سهولة التنقل والسياحة والزيارات العائلية في كلا الاتجاهين.

غير أنه وبعد فتح الحدود مع سبتة ومليلية عقب طي صفحة الأزمة بين الرباط ومدريد، فرضت السلطات الإسبانية التأشيرة على الراغبين في دخول المدينتين، وهو ما حرم الآلاف من العمال المغاربة القانونيين في العودة إلى أنشطتهم، في وقت كشف فيه مسؤولون إسبان أن الأمر يتعلق بتدابير مؤقتة قد تعقبها قرارات أخرى لوقف العمل بـ”الفيزا”.

وقد مددت السلطات الإسبانية قرار فرض التأشيرة في سبتة ومليلية لمدة شهرين إضافيين، حيث نُشر بالجريدة الرسمية الإسبانية، خلال شتنبر الجاري، قرار بتمديد العمل بهذه الإجراءات ابتداءً من 15 شتنبر الحالي، وإلى غاية 15 نونبر المقبل.

“قرار سياسي”

وفي هذا الصدد، يرى عمر التيجاني، أستاذ الاقتصاد والموارد البشرية بالكلية متعددة التخصصات بالعرائش، أن قرار فتح الجمارك حدث سياسي أكثر منه اقتصادي، على اعتبار أن إغلاق المعبرين جاء نتيجة تأزم العلاقات السياسية بين البلدين، فيما إعادة فتحهما جاء عقب انفراج الأزمة.

واعتبر التيجاني في تصريح لجريدة “العمق”، أن الوضع الاقتصادي لمناطق الشمال المحيطة بالمدينتين المحتلتين، وخاصة الفنيدق وتطوان، سيكون تأثير قرار فتح الجمارك عليها إيجابيا نوعا ما، نظرا لأن عودة التجارة الدولية بالمنطقة ستكون في صالح البلدين معا.

غير أن فتح الجمارك لا يعني عودة الأمور كما كانت عليه من قبل، يضيف المتحدث، “لأن المغرب شرع في سلسلة من المشاريع التأهيلية لفائدة مجموعة من التجار والسكان، خاصة في الفنيدق وتطوان، من أجل إعادة إدماجهم في سوق الشغل عبر برامج اقتصادية واجتماعية متعددة”.

وبخصوص طريقة فتح الجمارك، أوضح الخبير الاقتصادي أن ذلك سيكون إجراءً عاديا لدخول البضائع بشكل قانوني، كأي مكتب جمركي آخر على غرار ميناء طنجة أو الدار البيضاء، وربما ستكون هناك تسهيلات للتجار المغاربة، مشددا على أن تدفق البضائع عبر التهريب المعيشي لن يعود مجددا إلى المعبرين.

وبالنسبة إلى إمكانية العودة إلى إجراءات إعفاء سكان تطوان والناظور ونواحيهما من التأشيرة، أبرز التيجاني أن هذه المسألة مرتبطة بما يمكن أن يلعبه الضغط السياسي والدبلوماسي المغربي من أجل إقرار هذا الوضع بشكل مقنن، عكس ما كان عليه الوضع في السابق.

واعتبر الأستاذ الجامعي أن هذه ورقة يمكن استثمارها من طرف الدبلوماسية المغربية من أجل تعزيز العلاقات مع إسبانيا، لأن عائدها سيكون في صالح البلدين، خاصة في ظل استمرار التوتر السياسي بين الرباط وباريس على خلفية العراقيل الفرنسية في منح التأشيرات للمغاربة، مقابل انفراج العلاقات مع إسبانيا.

لا حل مع استمرار “الفيزا”

من جانبه، يرى شكيب مروان، الكاتب العام للمكتب النقابي للعمال والعاملات المرخص لهم قانونيا العمل في سبتة المحتلة، أن فتح الجمارك عبر المعابر البرية، قرار في صالح المغرب وإسبانيا، مشيرا إلى أن الجميع يترقب اتفاق البلدين على إعادة السماح بدخول المدينتين بدون تأشيرة، من أجل تحقيق رواج اقتصادي لصالح الحميع.

واعتبر مروان في اتصال لجريدة “العمق”، أن قرار فتح الجمارك يأتي ضمن المرحلة الثالثة في تنزيل خارطة الطريق بين البلدين، وذلك بعدما نصَّ إعلان “7 أبريل” الذي أعقب استضافة الملك محمد السادس لرئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، على ضرورة فتح كافة المنافذ البحرية والبرية والجوية بين البلدين.

وأشار إلى أن المرحلة الأولى شهدت فتح المعبرين في وجه المسافرين والسكان الحاملين للتأشيرة، والمرحلة الثانية في وجه العمال القانونيين الحاصلين على “الفيزا”، لافتا في هذا السياق إلى أن 600 عامل قانوني بسبتة فقط من تمكن من الدخول بالتأشيرة، فيما لا زال 3 آلاف ينتظرون صدور قرار الإعفاء من “الفيزا”.

وبخصوص المرحلة الثالثة من عملية فتح المعبرين، توقع المسؤول النقابي أن تشهد هذه المرحلة العودة إلى الوضع السابق بإعفاء سكان أقاليم تطوان والمضيق-الفنيدق والناظور من التأشيرة، مع ضمان عدم عودة التهريب المعيشي.

وأوضح أن تحديد يناير المقبل موعدا لفتح الجمارك، قد يُفسر برغبة البلدية في ضمان تجهيز المعبرين بما يسمى “الحدود الذكية”، خاصة بعد تركيب أجهزة مراقبة حديثة و”سكانيرات” ذكية على جانبي المعبر، وذلك لتشديد المراقبة ضد أي محاولة لعودة التهريب أو عمليات التزوير والهجرة السرية وتهريب المخدرات.

ويرى شكيب مروان، أن فتح الجمارك لن يكون له أي معنى في حالة استمر فرض التأشيرة، مشددا على ضرورة إعفاء ساكنة المناطق الحدودية مع سبتة ومليلية من “الفيزا”، والسماح لهم بنقل السلع والبضائع بشكل قانوني، وهو ما سينعش الاقتصاد المحلي على الجانبين.

وأوضح المصدر ذاته أنه في حالة السماح لساكنة الشمال بنقل السلع والبضائع من المدينتين المحتلين، فإن ذلك يستوجب على السلطات المغربية تحديد الإجراءات المرتبطة بكميات وأنواع المنتوجات المسموح إدخالها للمغرب، والحد الأقصى من الأموال في كل عملية، وغيرها من التفاصيل، بما يحمي الاقتصاد الوطني من أي تداعيات سلبية.

ونبه مروان إلى أن استمرار فرض التأشيرة بعد فتح الجمارك، سيعني استمرار نفس الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتسمة بالتدهور، خاصة في عمالة المضيق الفنيدق، مع ما يعنيه ذلك من استمرار مآسي البطالة والهجرة السرية والمخدرات، وفق تعبيره.

وكان المغرب قد اتخذ سلسلة من الإجراءات الاقتصادية لمعالجة الإشكالات التي أحدثها قرار إنهاء التهريب المعيشي، خاصة بعد الاحتجاجات العارمة التي شهدتها مدينة الفنيدق بعد إغلاق معبر سبتة.

ومن بين أهم الإجراءات، إحداث منطقة للأنشطة الاقتصادية والتجارية بالفنيدق، شبيهة لمنطقة “تراخال” بباب سبتة، خُصصت لساكنة المنطقة ممن كانوا يزاولون أو يستفيدون من التهريب المعيشي، مع إحداث منطقة ثانية للأنشطة الاقتصادية بين تطوان ومرتيل، بهدف النهوض بالوضع الاقتصادي للشمال بعدما ظل لعقود يعتمد على مدينتي سبتة ومليلية.

لقاء نيويورك

وكان وزير الخارجية الإسباني، خوسي مانويل ألباريس، قد كشف خلال لقائه بنظيره المغربي، أمس الأربعاء بنيويورك، على هامش الدورة الـ77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، أن الرباط ومدريد ستعقدان اجتماعا رفيع المستوى نهاية العام الجاري، وهو اللقاء الذي لم يُعقد منذ 2015.

وأبرز ألباريس أن الصادرات الإسبانية إلى المغرب ارتفعت خلال 2022 بـ%30 لتصل إلى 6000 مليون أورو، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مما عزز موقع إسبانيا كأول شريك تجاري للمغرب، مضيفا: “نريد الذهاب إلى أبعد من ذلك بإعادة فتح مكتب الجمارك بمليلية وإنشاء آخر في سبتة”.

وأشار إلى أنه اتفق مع نظيره المغربي على تعزيز التعاون في مكافحة الاتجار بالبشر والهجرة السرية، خاصة على الواجهة الأطلسية، لافتا إلى أن توافد المهاجرين السريين على بلاده تراجع بشكل لافت بعد طي الخلاف مع المغرب، حيث انخفض بـ%20 في الأشهر الأربعة الماضية، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وأعلن ألباريس أن حكومة بلاده ستوافق على مشروع صندوق للنهوض بالتنمية بقيمة 20 مليون أورو، وهو المشروع الأول منذ 20 عاما في المغرب، وهو مشروع يهدف إلى منح قروض صغيرة لتعزيز إدماج الشباب والنساء في منظومة الإنتاج، مضيفا أن التعاون بين البلدين سيشمل أيضا السكك الحديدية والمياه، بهدف إرساء أنظمة متكاملة.

يُشار إلى أن هذا اللقاء هو الثالث بين البلدين بعد طي صفحة الأزمة الديبلوماسية بين البلدين، وذلك بعد زيارة رئيس الحكومة، بيدرو سانشيز، إلى الرباط في 7 أبريل ولقائه مع الملك محمد السادس، حيث تم وضع الأسس للمرحلة الجديدة في العلاقات الثنائية.

والتقى الباريس وبوريطة في أوائل ماي في مراكش، على هامش هامش اللقاء الذي احتضنته مراكش للتحالف الدولي ضد “داعش”، ثم أعلن كلاهما عن إعادة فتح الحدود في سبتة ومليلية، وهو ما حدث، ولو جزئيا، في 17 ماي الماضي، على حد ما أوردته وكالة “يوروبا بريس”.

وفي مارس الماضي، بعث رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، برسالة إلى الملك محمد السادس، أكد فيها على أنه “يعترف بأهمية قضية الصحراء بالنسبة للمغرب”، وأن “إسبانيا تعتبر المبادرة المغربية للحكم الذاتي بمثابة الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية الخلاف” المتعلق بالصحراء المغربية، بحسب ما ذكره بلاغ للديوان الملكي.

واعتبر سانشيز في رسالته أن “ازدهار المغرب مرتبط بازدهار إسبانيا والعكس صحيح”، مشددا على أن “إسبانيا ستعمل بكل الشفافية المطلقة الواجبة مع صديق كبير وحليف”، مضيفا: “أود أن أؤكد لكم أن إسبانيا ستحترم على الدوام التزاماتها وكلمتها”، وأنه “سيتم اتخاذ هذه الخطوات من أجل ضمان الاستقرار والوحدة الترابية للبلدين”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تعليقات الزوار

  • حسين بن عبد السلام
    منذ 5 أيام

    لا للتهريب المعيشي بالسيارات، فيه الكثير من الشغب والظلم والفساد وليس توجد أي مراقبة للسلع التي تدخل المغرب، أمر خطير جدا، الكثير من السيارات،اغلبيتها، تدخل المغرب بدون تفتيش ولا مراقبة والله أعلم شنو كانو كيداخلو وهاذ الأمور ما خصاشي ترجع وتتعاود