وجهة نظر

التدبير الترابي وإشكالية النخب المحلية

الاستاذ رشيد أغزاف

 المحامي بهيئة المحامين بمراكش

طالب باحث في ماستر القانون العام الداخلي وتنظيم الجماعات الترابية

يرتبط تقديم الخدمات لعموم الساكنة أساسا بوجود تدبير عمومي ترابي يعتمد الوسائل والطرق الحديثة للتسيير الإداري وذلك من أجل النهوض بالعمل العمومي بشكل عام وبالعمل الإداري على وجه الخصوص.

 غير أن ارتباط التدبير العمومي أساسا بالعنصر البشري يجعل الحديث عن اية تنمية رهين بما حققته النخبة السياسية المحلية من تطور في مستواها وذلك بانتقالها من نخبة تعتمد الوسائل البدائية في تدبير الشأن العام المحلي وكذا انتقالها من نخبة تسلطية ومستبدة  فكرا وممارسة إلى نخبة تعتمد الالتزام والمصداقية والتأهيل الفكري والإداري والتنظيمي لممارسة الحكم أو المعارضة مع ضرورة توفرها على القدرة لتبني أفكار حديثة في التدبير يمكن أن يكون وصفة علمية دقيقة لتخليص التدبير الترابي من إرث الماضي وتصويب الحاضر واستشراف المستقبل.

الفقرة الأولى: اختلالات النخب المحلية:

كما هو معلوم فإن الجماعات الترابية أصبحت مدعوة أكثر من أي وقت مضى للمشاركة إلى جانب الدولة والقطاع الخاص في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وهو ما يقتضى القطع مع أساليب التدبير التقليدي في مقابل اعتماد الوسائل الحديثة والناجعة في التدبير.

وهكذا وبمقتضى دستور 2011 والقوانين التنظيمية لسنة 2015[1] فقد تم تمتيع الجماعات الترابية بصلاحيات هامة لا يمكن تفعيلها بصفة ناجحة وفعالة دون قدرات وأداء حقيقيين للمنتخبين وكذا الأطر الجماعية في تعاون وتكامل مع الإدارة اللاممركزة  والمصالح الخارجية لمختلف القطاعات الوزارية.

غير أنه وبالرغم من المجهودات المبذولة لتأطير العنصر البشري وتأهيله حتى يكون فعالا وذي مردودية عالية إلا أن ما عليه الواقع وكذا الأرقام والمعطيات توضح أن هناك مواطن ضعف عديدة خاصة فيما يتعلق بالمنتخب الجماعي في المستويات الثلاث للجماعات الترابية.

            فقد أثبتت الممارسة أن السبب في تردي تدبير الشأن الترابي يرجع بالأساس إلى ضعف تكوين المنتخب الجماعي وضآلة تجربته في جميع الميادين بحيث تواجهه مجموعة من الصعوبات تهم أساسا انعدام الخبرة الكافية التي تمكنه من ممارسة مهامه بفعالية إما بسبب غياب التكوين أو بسبب عدم توفره على المؤهلات اللازمة لمزاولة مهامه باقتدار فضلا عن تفشي ظاهرة الأمية في أوساط المنتخبين وهو ما يمكن معه القول غياب أي دور للمنتخب في تدبير الشأن الترابي وفق ما هو منصوص عليه في القوانين التنظيمية وهو ما يجعل منه فقط أداة لتمرير القرارات والمصادقة عليها.[2]

            وبالرجوع إلى القانوني التنظيمي للجماعات رقم 11َ3.14 فإنه لم يشترط توفر مستوى تعليمي معين في من سيتولى مهام رئاسة المجالس الترابية وكذا عضوية هذه المجالس وهذا ما يجعل من الأحزاب السياسية تستغل هذا الفراغ التشريعي في اختيار المرشحين لعضوية أو حتى رئاسة الجماعة ليس على أساس الكفاءة والاستحقاق بل على أساس حظوظه في الحصول على المقاعد وذلك على الرغم من تعدد المسؤوليات التي أصبحت ملقاة على الجماعة وتوسيع صلاحياتها التي جاءت في إطار الاستراتيجية التي جاء بها دستور 2011 والقوانين التنظيمية للجماعات بمراتبها الثلاث والتي تؤكد أنه لم يعد مقبولا تولي أناس أميين لا يفقهون شيئا في التدبير الترابي مهام رئاسة الجماعات أو العضوية فيها.

            ومن هنا يمكن تحديد أهم عناصر العجز الذي تعاني منه النخبة السياسية المحلية في مجال تدبير الشؤون الخاصة بالجماعات فيما يلي:[3]

  • عجز على مستوى المطابقة مع الواقع والمتطلبات الاجتماعية للساكنة ويتجلى ذلك أساسا في غياب أي تصور تنموي حقيقي لعدم فهم وعدم استيعاب المنتخب الجماعي لأدواره المنصوص عليها قانونا وعدم احتكاكه بالواقع لمعرفة الحاجيات الأساسية للساكنة.
  • عجز على مستوى مسايرة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الحاصلة في المجتمع ويرجع ذلك كما سبقت الإشارة إلى ذلك ضعف المستوى التعليمي للمنتخب الجماعي وعدم تفعيل برامج التكوين المستمر له من طرف المجالس التي ينتمي إليها.
  • عجز على مستوى الانسجام والتكامل والتناغم بين مكونات المشهد السياسي والاجتماعي داخل المجال الترابي وذلك في غياب أي تأطير حزبي للمنتخبين بل إن التزكية لا تمنح بالضرورة للأعضاء النشطين في الحزب بل قد يتم منح التزكية ليلة انتهاء الأجل الممنوح لتقديم طلبات الترشيحات بحيث يغلب على ذلك هاجس الحضوض في الحصول على المقاعد في تغييب تام للمستوى التعليمي والكفاءة لدى المرشح.
  • عجز على مستوى التدبير التنموي المحلي وانعدام القدرة على الابتكار والإبداع بحيث يلاحظ انعدام الاهتمام واللامبالاة لدى فئات عريضة من المنتخبين على اعتبار أنهم يتم انتخابهم لأداء مهام انتدابية لمدة محددة تنعدم فيه مستحقات المعاش ولا يوفر التعويضات المناسبة مع غياب أية تحفيزات لديه.
  • عجز وظيفي يتجلى في عدم القدرة على استيعاب استراتيجيات التنمية المحلية.
  • عجز على مستوى الترافع والدفاع عن قضايا الجماعة والبحث عن مصادر التمويل والتعريف بالمتطلبات الاجتماعية للسكان والعمل على تحقيق وتنزيل المشاريع المقترحة.
  • من العوامل المؤثرة كذلك التي تحد من فعالية أداء المنتخب المحلي في التنمية المحلية هو ظاهرة الغياب المتكرر بين صفوف المنتخبين والتي تؤثر سلبا على العلاقة بين الناخبين الذين منحوهم الثقة من خلال التصويت عليهم كما تؤثر كذلك على سير المجالس الجماعية وعلى أدائها لمهامها المنوطة بها قانونا.

الفقرة الثانية: تداعيات اختلالات النخب المحلية على الشأن العام الترابي:

يترتب عن  الظواهر السلبية التي تعتري النخب السياسية وفق ما تم تفصيله أعلاه اختلالات وكذلك مجموعة من المعيقات التي تقف حجرة عثرة أمام هذه التنمية المحلية أو الترابية ويمكن أن نجمل أهم تداعيات هذه الاختلالات فيما يلي:

  • غياب الانسجام بين المنتخبين المحليين بسبب الصراعات السياسية والشخصية والتي تنتج أساسا من خلافات خلال مرحلة الانتخابات وكذا غياب التواصل بين المنتخبين مما يؤدي إلى انعدام المساهمة وعدم المشاركة وانتشار النمطية في التفكير والأداء وغياب المبادرة لدى المجالس مما يؤدي إلى سوء التسيير للجماعات ويضعف قدرتها التنظيمية.
  • سيادة ظاهرة الفساد في الوحدات الترابية المنتخبة وهو ما يتسبب في فشل الجماعات الترابية في أداء وظائفها الإدارية والتدبيرية وكذا فشلها في بلورة برامج للتنمية البشرية المستدامة بحيث تم تكريس انتشار ظاهرة الفساد الإداري التي أصبحت هي الأصل في حين أصبح التدبير الترابي المناسب والمطلوب استثناء.
  • يلاحظ في الآونة الأخيرة أنه وانطلاقا من استراتيجية الدولة الرامية إلى محاربة الفساد أنه تم تقديم عدد كبير من المنخبين إلى العدالة في إطار جرائم الأموال نتيجة ما مارسوه من استغلال النفوذ والرشوة وتبديد واختلاس أموال عمومية وذلك في إطار تفعيل وتنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وكذا لتكريس مبذأ الحكامة الجيدة التي جاء بيها روح دستور 2011 دون أن ننسى الأدوار التي أصبح يضطع بها المجتمع المدني في إطار تفعيل الصيغة المستحدثة للتدبير على أساس الديموقراطية التشاركية التي حلت محل الديموقراطية التمثيلية.

إن ضعف النخب السياسية الناتج عن عدم تكوينها وانعدام الحوافز وفق ما تم تفصيله أعلاه قد خلق مظاهر من الفساد الإداري والمالي كما أنه أدى بشكل كبير إلى كبح وعرقلة التنمية بشكل كبير ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر سوء التدبير والتماطل في تنفيذ المشاريع التنموية واتساع دائرة التسلط والتعسف في استعمال السلطة وسيادة البروقراطية [4] وكذا تعقيد المساطر الإدارية وضعف التواصل.

            وإذا كان لمجموع هذه المظاهر السلبية تبعات سلبية على التدبير الإداري للجماعات الترابية فإن تأثير وتداعيات ذلك على التدبير المالي أعمق وأخطر وأكثر وقعا على التنمية المحلية وعلى الحكامة الترابية بشكل عام.

أمام هذه النقائص التي تؤدي إلى ضعف أداء النخبة السياسية لابد من طرح مجموعة من الاقتراحات لتجاوزها وذلك لتحديث تدبير الجماعات عبر إعادة تأهيل عميق لمواردها البشرية وذلك عبر مجموعة من النقاط:[5]

  • التخطيط: وذلك بوضع الأهداف أو الغايات وضوابط أنشطة الجماعة ووضع القواعد والإجراءات والتصاميم والتوقعات والتنبؤ ببعض الأحداث المستقبلية والإجابة عنها بشكل استباقي.
  •    التنظيم: وذلك بتسليم مهمة محددة لكل عضو ووضع قواعد العمل وتفويض السلط ونشر حدود السلطة والتواصل وتنسيق العمل بين المنتخبين.
  • تدبير المنتخبين عبر إعداد معايير الإنجازات والأداءات وتقويمها مع خلق حوافز وضمان تكوينهم.
  • القيادة والتوجيه: يلعب فيها رئيس الجماعة الدور الأساسي والمحوري حيث ستكون مهمته هي التنسيق بين الأعمال والأنشطة التي يعدها الأعضاء وكذا خلق التوازن والانسجام ليس فقط بين مكونات الأغلبية في المجلس بل كذلك بين أعضاء الأغلبية وأعضاء المعارضة.
  • وفي ا رتباط بهذه النقطة لابد من دعوة الأحزاب السياسية للاضطلاع بأدوارها في التأطير والتكوين وكذا اعتماد معايير الكفاءة والمستوى التعليمي في منح التزكيات مع ضرورة تسجيل حضورها الدائم والمتواصل خلال المدد الانتدابية وليس فقط الظهور في الفترات الانتخابية.
  • إنه ونظرا لأهمية جانب الردع والجانب الزجري لابد من توعية وتحسيس المنخبين بضرورة اعتماد مقاربة التواصل والشفافية في التدبير مع ضرورة اعتماد برامج للتكوين والتكوين المستمر قصد تأهيلهم وتحفيزهم على على العمل على بلورة برامج تنموية وفق الاختصاصات المخولة لهم.

خاتمة:

إنه لتجاوز كل هذه المعيقات والظروف التي تعرقل أنشطة الجماعة والتي ترجع بالأساس إلى العنصر البشري لابد من التأكيد على ضرورة إتاحة الفرصة للكفاءات لتولي مناصب المسؤولية بحسب الاستحقاق والجدارة أكثر من المصالح الذاتية أو الحزبية وإعادة روح الثقة بين الناخب والمنتخب من خلال ضمان الشفافية في العمل وصدقية القول مع الفعل وذلك بشكل يجعل من المنتخب مصدر سلطة وصاحب قرار يمكنه من الاستجابة لتطلعات وطموحات السكان بدء من رئيس الجماعة كمفعل أساسي للتدبير التشاركي مرورا بالمستشارين الجماعيين باعتبارهم دعامة أساسية للديموقراطية التشاركية.

[1]  يقصد بها القوانين التنظيمية المنظمة للجماعات الترابية بمستوياتها الثلاث وهي القانون التنظيمي 111.14 المنظم للجهات والقانون التنظيمي 112.14 المنظم للعمالات والأقاليم والقانون التنظيمي 113.14 المنظم للجماعات.

[2]  [2]مقال بعنوان “أي دور للمصالح اللاممركزة في تنزيل مضامين ميثاق اللاتمركز الإداري” مدكري أستاذ التعليم العالي مؤهل مجلة دار المنظومة العدد الرابع 2020 الصفحة 89

[3]  ابراهيم كومغار: ” أي مستقبل للحكامة المحلية من خلال القانون التنظيمي” مقال ضمن مجلة مسالك العدد 33/34 مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 2015 ص: 156

[4]  عبد المجيد مصواب: ” تحديث الإدارة الجماعية المغربية” رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة, كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية, جامعة الحسن الثاني, عين الشق الدار البيضاء, 2002-2003 ص 15

[5] Brahim kirmi : “Administration et Gestion du Personnel” Imrimerie spartel tanger, Edition 2015, p : 5-6

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *