مجتمع

جانحون وراء القضبان بـ”عكاشة” بتهم تعنيف الأصول

محكمة - محاكمة - قضاء - عدالة

لفّت جدران زنزانة “عكاشة” عتمة ثقيلة، خيّم صمتها على روح “زهرة”، شابة في مقتبل العمر، لم يرقص شعرها الأسود كعادته على نغمات الحياة، بل انكسر خيطه تحت وطأة ندم تعنيف والدها وظلم الأسرة وقهر الطلاق.

“زهرة” تعنف والدها

حُبست “زهرة” خلف القضبان بلا محاكمة، بتهمة لا تُنطقها شفتاها، انهارت قواها وتهاوت معنوياتها. مر شريط حياتها أمامها، ظلت معتصمة بالصمت لحظات خجلت من نفسها وهي تسمع التهمة التي رمت بها في زنزانة باردة وهي “العنف ضد الأصول” فظيع أن يحدث ذلك.

“زهرة” في مقتبل العمر، عاكستها الحياة ورمتها على القارعة دون شفقة أو رحمة، في مجتمع ينصب المشانق للمطلقات.

روت “زهرة” قصة اعتدائها على والدها بندم شديد أمام قاضي غرفة الجنحي التلبسي بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وتركت كل من حضر جلسة المحاكمة يتعاطف لأول مرة مع “مجرم”.

خجلت “زهرة” من نفسها وهي تحكي قصتها للقاضي مطأطأة الرأس، كانت معاقرة الخمر الملجأ الوحيد للهروب من واقع ينبذ المرأة المطلقة .

تقول “زهرة” أنها دخلت في نزاع مع والدها، فقدت خلاله السيطرة على نفسها، وهي في حالة سكر، فمر شريط معاناتها أمام عينيها في لمحة بصر، فقررت الانتفاضة، فإذا بها تضربه بإبريق مخصص للشاي “براد”، وعندما عادت إلى وعيها وجدت نفسها أمام الشرطة “متهمة بالعنف ضد الأصول”.

عاشت “زهرة” حياة من العذاب من طرف عائلتها بحسب ما قصّته على القاضي، ذنبها الوحيد أنها مطلقة وأم لطفل، واجهت مصيرها المحتوم بعنفوان المرأة المغربية خرجت لتشتغل أي شيء، ورفضت أن تغادر منزل العائلة، هذه الأخيرة كانت تتحين الفرصة لطردها، ولو بالزج بها في غياهب السجن.

تقول في قصتها والقاضي يصغي إليها “جراو على أمي لي عايشة دبا متشردة في الشارع ويريدون تشريدي مثلها وأنا ما عندي فين نمشي مغاديش نخرج من البِيتْ”.

يسألها القاضي هشام بحار بنبرة من الصرامة تختلط بالشفقة على حالها، وهو يقول لها، “لماذا لجأت إلى الخمر، كلما شعرت بالغضب كان عليك أن تغيري جو محيطك لكيلا تقعي فريسة للإدمان”.

أرقها سؤال القاضي وتفرع إلى أسئلة في ذهنها، ربما كانت تطمح أن تكون سيدة ذات شأن لكن الواقع أقوى من أمانينا.

تقول “زهرة” أنها حاولت تغيير واقعها، لكن أسرتها كانت تقف سدا منيعا ضدها، مما كان يترك جراحا وندوبا لن يمحوها الزمن.

في الوقت الذي كانت “زهرة” تحكي قصتها للقاضي يوم محاكمتها خلف الشاشة مباشرة من سجن “عكاشة” كانت شقيقتها تقف أمام القاضي كطائر جريح مرتدية جلبابا باليا وفولار يغطي نصف رأسها، وهي تحاول جاهدة تبرير تصرف أختها ضد والدهما، وتقدم له وثائق تنازل والدها وهي تبكي وتستعطفه بأن يعفو عنها.

وخلف الشاشة “زهرة” تكرر جملة أنها لم تكن تدرك ما حدث، ولا كيف ضربت والدها “بالبراد”، وهي تتكلم وتحاول أن تُشعر القاضي بأنها نادمة وتعده بأنها لن تكرر فعلتها ولن تتعاطى مرة أخرى للخمر، فردّ عليها القاضي وهو ينظر إليها من الشاشة نظرة تعاطف وعتاب “أتعدينني” فكان جوابها، أعدك، فرد القاضي بحار بإنسانيته وابتسامته المعهودة وهو مُدرك بأن “زهرة” ضحية ظلم وظروف قاسية، وأن سجنها لن يصلح ما أفسده الدهر: “اليوم تباتي في داركم يالا سيري”.

في تلك اللحظة الإنسانية همّت “زهرة” بالنهوض على كرسيها وهي تشكر القاضي بعبارات مختلطة بالفرح وأمامه أختها تبكي وتقول “الله يرحم الوالدين ا سعادة القاضي”، وداخل القاعة تصاعدت همسات الحاضرين الذين تبسموا من قرار القاضي مطمئنين بأن أي قرار يصدر عنه تجاه أفراد عائلتهم المعتقلين سيكون عادلا بالنسبة لهم.

ضرب أمه “بكاس”

في قاعة المحكمة الدافئة، استمر القاضي بمناداة باقي المتهمين لمحاكمتهم عن بعد، أغلبهم شباب من مواليد التسعينات، كلّ ينتظر دوره للمحاكمة بعد أيام من الاعتقال الاحتياطي، شباب فقدوا بوصلتهم في متاهة المخدرات والبطالة، ليجدوا أنفسهم خلف القضبان، يدفعون ثمن لحظة غضب أو ضياع.

حان دور شاب ممتلء الجسم، عابس الوجه، شعر رأسه أسود كثيف، يكسو وجهه آثار السهر، سأله القاضي بلهجة صارمة: “مالك مخنزر، ما هي تهمتك؟”

ساد الصمت في القاعة، كان الجميع منبهرا لقصة هذا الشاب وهو يروي عن لحظة الغضب تلك التي قادته إلى هذا الموقف المأساوي، حين ضرب والدته “بكأس زجاجي، “ولماذا؟” يسأل القاضي مستنكرا تصرف المتهم، فأجابه “لم أكن أشعر بنفسي، كانت لحظة غضب عابرة”.

رد القاضي، هل تعين محاميا للدفاع عنك أم تدافع عن نفسك؟” رد المتهم: إخوتي سيتكلفون بالمحامي سيدي” أجاب المعتقل، فتبسم القاضي ابتسامة يكسوها الاستغراب وهو يقول له: “كيف سيعينون لك محاميا وأنت ضربت والدتهم؟ ألم يقاطعوك؟”

أحنى الشاب رأسه، وقال: “نعم، سيدي قاطعني الجميع خوتي بخمسة غاضبين عليا ما عدا أخي مهدي”. “هل مهدي سيعين لك محاميا؟” سأل القاضي، باحثا عن بارقة أمل في حياة هذا الشاب المظلمة، فرد بكل ثقة “نعم مهدي عزيز عليه أنا مغاديش يخليني”.

نظر القاضي إلى الشاب بشفقة، وقال له، إن أردت معانقة الحرية مرة أخرى، يجب أن تسامحك والدتك وزوجة شقيقك، وأخرّ القاضي محاكمة الشاب إلى الأسبوع المقبل، تاركا له فرصة لإصلاح ما أفسده غضبه.

السجن لن يحد من العنف ضد الأصول

سعيد بنيس أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة محمد الخامس بالرباط، شخص تزايد العنف ضد الأصول، عبر اعتماد محددات وصفها “بالواقعية والاقتصادية والنفسية وأخرى ترتبط بالانحراف المجتمعي”.

وشدد بنيس على أن “العنف ضد الأصول يمارسه في غالب الأحيان أفراد يتعاطون المخدرات أو في حالة إدمان متقدم وفي ظروف وحالات يغيب فيها الوعي بما يفعلونه ضد أباءهم أو أمهاتهم” إضافة إلى “الفراغ الذي لا يولد إلا  الانعزالية وتباعا سلوكات وممارسات عنيفة”.

وقال الأستاذ بنيس في تصريحه لجريدة “العمق”، إن العنف ضد الأصول مسألة مجتمعية تفاقمت، وصارت اليوم تتغذى عبر ثقافة السوشل ميديا، وهو ما أطلق عليه وصف “العنف الصاعد من الديجيتال لأجل ربح المشاهدات لاسيما عبر مقاطع في التيكتوك ومنصات أخرى يتم فيها استعراض عنف مادي مجاني وممسرح ضد الآباء والأمهات والجدات ” .

وعزى الأستاذ بنيس، العنف ضد الأصول كذلك، إلى العنف الأسري كالحالة التي تعانيها “زهرة”، التي صارت مطلقة وسط بيئة أسرية ومحيط قريب رافض لوضعيتها ولصفتها المجتمعية.

وشدد بنيس، على أن ” في هذه الحالات يصبح المحيط القريب وعاء للإقصاء والتنافر ولا يجسد ضنا للتعايش والاحتواء، مما يدفع الفرد إلى التفكير في خطط للعنف الذي تبدأ من عنف رمزي ولفظي لتتطور إلى عنف مادي ضد الأصول وقد تصل حد القتل وهذا ما تم رصده في حالات عدة”.

كما أرجع أستاذ العلوم الاجتماعية، سبب تزايد حالات العنف ضد الأصول إلى “غياب قيم التآزر والتعاطي مع ما هو رمزي ومادي حتى تحول هذا التعاطي غير السليم إلى نوع من الاحتباس القيمي”.

ويقول بنيس إن الخطير في الأمر هو “إذا تم التطبيع مع العنف ضد الأصول على أساس أنه عنف كباقي أنواع العنف في المجتمع كالسرقة وظاهرة التشرميل، سيؤدي هذا التطبيع إلى تفكك الأسرة وتلاشيها كمحضن للتنشئة المجتمعية وكجسر للرابط الاجتماعي.

وللحد من هذا العنف، يقول بنيس، “أنه يبدو ضروريا بناء علاقة صحية ومنسجمة بين الأصول والأبناء أساسها المسلمات الدينية والمجتمعية، وألا يكون هناك عنف، لأنه كلما كانت العلاقة متشنجة وانعدم التحاور والتفاوض وعدم الرضى في بيئة غير سليمة وأسر مركبة، هنا يمكن أن نحذر من تفشي ظاهرة العنف ضد الأصول وهي غالبا ما تكون نابعة من البيئة الداخلية للأسرة في حد ذاتها ومن طريقة تربية وأسلوب التعامل مع الأبناء”.

وشدد أستاذ العلوم الاجتماعية، على أن “السجن أو العقوبات الحبسية أو المقاربة الزجرية ليست حلا قطعيا للتعاطي مع ظاهرة العنف ضد الأصول، بل من المستحب مقاربة هذه الظاهرة على المدى المتوسط والبعيد من خلال استرجاع جميع محاضن التنشئة انطلاقا من الأسرة مرورا بالمدرسة ومحيط الأبناء بما فيه الجمعيات والنوادي لأدوارها في التربية على القيم”.

وأشار إلى أنه بالموازاة مع ذلك، “يتوجب تحسيس جميع أفراد المجتمع بأن العنف ضد الأصول ليس عنفا ضد شخص واحد أو فرد أعزل بل هو يمثل عنفا ضد سائر المجتمع وتركيبته، بل ضد تمثلاتنا القيمية كأمة مغربية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *