الممارسة السياسية في المغرب بين آفة التقليد وآفاق التجديد
يبدو أن الحديث عن الواقع السياسي في المغرب في هذا الوقت بالذات قد أصبح ضرورة فكرية بل والتزاما أخلاقيا يتجاوز منطق الترف الفكري المبني على تسويد البياض دون أن تكون له قيمة تذكر.فالمرحلة التي نعيشها الآن تستحق بالفعل إلتفاتة تحليلية وتفكيكية في أفق إنكشاف بعض الغيوم المبلدة،والهدف هو محاولة إيضاح وتوضيح “المعالم الكبرى” لهذا الواقع وفق جدلية الإقتراب والإبتعاد التي تحفظ لصاحب الرأي إلتزامه في التعبير عما يعتقد بأنه صواب كما تحفظ له في جانب ثاني موقفه النقدي الذي يتعالى عن “الأيديولوجي والسياسي” مع محاولة تبويئ “المعرفي” مكانته المستحقة.
مناسبة هذا المقال إذن هو هذا السياق الذي نعيشه آنا،أي بعد مرور أكثر من خمس سنوات على الحراك الذي عاشه المشهد السياسي بعد أن خرجت حركة 20 فبراير إلى الشارع صارخة في وجه الإستبداد واللا توازن والتحكم،السمات الأساسية لدولة ما قبل الحراك. هذا الإرتجاج قام بتحريك مياه السياسة الراكدة في مغرب “العهد الجديد” حيث أفرز تشكيلة سياسة جديدة بخطاب جديد ونفس جديد اختلف عما كان سائدا وما كان يمكن أن يكون سائدا لولا أن رأووا برهان 20 فبراير في سياق اتسم بالتوتر.
هذه “الفكرة الجديدة” بناءا على متابعة مواقفها قبل الحراك وغداته وبعده، تتبنى موقفا يجمع بين منطق التغيير ومنطق الإستمرار في آن واحد وفق رؤية “إصلاحية” تقع بين منزلتين:
منطق المحافظة: وهو منطق مبني على الجمود وإبقاء الأوضاع كما كانت عليه سابقا حيث التحكم والإستغلال بشتى أشكاله مع ضمان إستفادة طبقة مهيمنة من إمتيازات لا حدود لها في مختلف المجالات.
هذا المنطق بنى لنفسه منذ السنوات الأولى من “الإستقلال” ثروات طائلة من خلال ريع سياسي اقتصادي وثقافي،وهو نتاج طبيعي لبنية الدولة ولتصور وضع الإحتلال الأجنبي الكولونيالي لبناته الأساسية ولم “يخرج” من البلد إلا بعد أن ضمن له كافة الشروط الضرورية لإستمراره أطول مدة ممكنة في سعي حثيث لضمان بقاء علاقات الهيمنة بين الغرب ك”عالم أول” والعالم الآخر “كعالم ثالث” يقبع خارج التاريخ.
ومع كل ذلك لا ينبغي أن ينظر إلى هذا التيار على أنه معطى تابث بل إنه يتغير ويحاول أن يبدل لبوسه وشكله ليتلاءم مع مستجدات السياق ومن خلال ذلك تمويه الرأي العام في أفق إستحماره مرة أخرى،وهذا هو المفتاح الذي قد يمكننا من فهم بروز بعض الظواهر الصوتية في المشهد الحزبي مباشرة بعد خفوت الحراك،فالهدف هو إبقاء الحال على ما كان عليه آنفا وتثبيط أي إصلاحات إجتماعية مهما كانت هزيلة.
المنطق الثاني: هو منطق ذو نفس جذري في التغيير ويقع على طرف نقيض من المنطق الأول كما أن مشروعيته يستمدها من شساعة المساحة بين الفئات المكونة للمجتمع،آفاق هذا التيار المتزايد(بفعل مجموعة من العوامل منها التعليم) هو الهدم الكلي لقواعد اللعب و إعادة بنائها من جديد، أي من أساسها وجذورها.
يمكن القول أن هذا التيار ليس بالكل المنسجم وإنما يضم تلاوين واتجاهات قد تكون مختلفة إختلافا حادا في منطلقاتها الفكرية ومرجعياتها الأيديولوجية بالرغم أن ما يجمع بينها هو “حلم” التغيير وعدم الرضى بالواقع،وقد حملت هذه الفكرة حركة 20 فبراير على أكتافها على مدى أسابيع وشهور في مختلف المدن والمناطق المغربية قبل أن تتصدع بفعل المنسوب الهزيل من ثقافة القبول بالإختلاف والقسمويات التي ما تزال تحيى كبنية أيديولوجية…ومع ذلك لابد من القول أن حيوية هذا التيار وتيقظه هو الضامن الأساسي لبناء التوازن مع منطق المحافظة وذلك من خلال الرقابة الشعبية التي تطورت أشكالها وبالتالي لجم منطق التحكم الساعي لإعادة بناء نفسه من جديد.
بين هذا وذاك هناك منطق آخر يسعى إلى إمساك العصى من الوسط يتبنى شعار “التاريخ يصنعه الوسط” سمة هذا التيار الواقعية والبراغماتية( ليس لذلك أي بعد تفضيلي بقدرما هو وصف لحالة) تبنى منهج التغيير وفق ضمن الإستمرار وهو منهج يفترض صعوبة تغيير البناء الثقافي في مدة وجيزة ويعتبر أن ذلك لن يتم إلا وفق مسار تراكمي يبنى إجتماعيا، الشيئ الذي يستلزم مسايرة هذه السيرورة بنفس “إصلاحي وتدريجي” تحفظ من خلاله للدولة ثوابتها الأساسية لكن مع القيام بإصلاحات اقتصادية و إجتماعية تقلص الفروقات الشاسعة بين من يملك ومن لا يملك.
بناءا على هذا الأساس فلسفة هذا التيار كما هي واضحة في وثائقه المرجعية ليست قائمة على مبدأ التنازع والصراع بل على مبدأ التدافع والتعاون حيث يفترض في “الحاكم الفعلي” قراءة الواقع وبالتالي التجاوب الإيجابي مع ما يفرضه الواقع مما سيجنب البلد السيناريو التونسي والليبي والسوري والمصري..
المفيد: المسؤولية التاريخية ملقاة على عاتق الشعب بمختلف مكوناته وتلاوينه، نحن الآن في مرحلة خطيرة تستدعي منا التيقظ والتنبه ضدا على أشكال الإستحمار، لا بد من الإشتغال ضد أي نزعة نكوصية تحكمية تريد إرجاع المنطق التقليداني الذي عشعش في دوالب الحكم واستفاد من خيرات هذا الشعب، “تفرسوا في الوجوه جيدا” وسل نفسك أي معدن أنت،لابد من الإشتغال بمنطق الموازنات وهذا لا يتناقض من وجهة نظري على أن الرهان الحقيقي يجب أن ينصب في التغيير الجذري “الحالم”…
فالقدرة على الحلم هي شهادة حياتنا فعلا، لكن صناعة التاريخ تكون من خلال الواقع الذي يفترض فيه التفكير والبناء…الهدف واحد بناء دولة ديمقراطية حقيقية يكون فيها الحكم والحكومة لمنتخبينا وممثلينا…هؤلاء الذين يفترض فيهم أن يستمدوا وجودهم من الداخل لا أن يستمدوا وجودهم من الخارج كما قال المهدي بن بركة في “الإختيار الثوري”.