الوحداني لـ “العمق: هكذا تم اعتقالي وتم استنطاقي بولاية أمن أكادير
https://al3omk.com/97414.html

الوحداني لـ “العمق: هكذا تم اعتقالي وتم استنطاقي بولاية أمن أكادير

محمد الوحداني، شخصية باعمرانية طبعت الساحة السياسية والجمعوية بسيدي إفني بكثير من الجدل، وذلك بسبب تحركاته التي بصمت عن لحظات ذات انعطافة تاريخية بعاصمة آيت باعمران، بدءً بأحداث السبت الأسود سنة 2008، ومرورا بتشكيل السكرتارية المحلية وانتهاء بترؤس المجلس البلدي لسيدي إفني، فدخول السجن بعد ذلك.

في هذه الحلقات المعنونة بـ “السر” والتي خص بها الوحداني جريدة “العمق المغربي”، نتعرف بشكل أقرب إلى شخصية الوحداني ومساره طيلة عشرين سنة من حياته، حيث يحكي عن تجربته بانتصاراتها وانكساراتها، حكايات وفاء وحكايات خيانة مقربين وأصدقاء، تقاطعت حكاية حياته مع حيواتهم.

الحلقة الثالثة: اكتمال المؤامرة

وما إن نزل بوليد ابراهيم، حتى وضعت الهاتف المغلق على أذني، ولأربك الأشخاص الذين قدموا إلي في السيارة / الفخ، تظاهرت، رافعا صوتي أنني أكلم أحدا ما: نعم، أنا الآن أمام مقر الإذاعة مع بوليد، وهناك أشخاص يحيطون بالسيارة!

بدأ أولئك الغرباء يدقون زجاج نافذة الفخ، ويحاولون فتح الباب الذي أغلقته، كنت أفكر بسرعة من يكونون؟ بالتأكيد ليس أولئك الذين قال عنهم الغادر الغدار: هم مواطنون يحملون ملفا لي لأنشره وأتحدث عنه في الإذاعة.

“خطر في ذهني، أنهم عصابة تريد خطفي، إنهم جهاز أمني سري، يخدم مصالح خاصة لجهة ما، وكيف انتهى “موناصير” في مستنقع مرسى أكادير، وكيف انتهى “باها” على سكة قطار مجرد أشلاء، كيف انتهى الزايدي في سيارته في طريق عمومية غارقا في شبر ماء! كيف انتهى المهدي بنبركة، بمؤامرة إجراء شريط وثائقي، في حوض مادة حارقة تذيب اللحم والعظم …. من قتل وزراء وقادة عالميين ومناضلين أيضا، لن يغلبه أن يقتلني أنا أيضا”.

مرت تلك اللحظات العصيبة، كأنها شريط حياة يمر بسرعة، أو مثل تلك اللحظات التي يغرق فيها الإنسان ويرى حياته تمر أمام عينيه وهو يتجه إلى حتفه إلى عمق غرقه. بوليد واقفا يتفرج في بقية دوره! كان الجو ذلك المساء شتائيا، السماء مكفهرة سوداء، ملبدة بالغيوم. وقد عرف المغرب تلك السنة فيضانات في مختلف جهة المملكة، كنت مرتديا معطفا أسود، وحذاء رياضيا ….

الله القادر فوق السماء المكفهرة، والسيارة الفخ رابضة في مستوقف الإذاعة، الغرباء أحاطوا بي من كل الجهات، الساحة خالية على عروشها، تبادلت نظرات سريعة معهم، قبل أن أنزل من السيارة قرأت الشهادتين، توجست أنها النهاية، هنا باعني بوليد، هنا في هذا المكان القفر انتهت قصة حياتي ….

استرقت نظرة إليه، فأحنى رأسه المثقلة غدرا، وتآمرا، اسوَد وجهه كشيطان أخرق، بطنه المتدلية، كأنه حابل بعار القبائل كلها، كمن يعيش مخاض يلد فيه مؤامرة جديدة! سيتذكر التاريخ، تاريخ الوطن وتاريخ آيت باعمران على مر كل العصور، أن الوحداني اختلف مع كثيرين وبشراسة أحيانا، لكن المختلفون معه لم يصلوا أبدا إلى هذه الخسة والدناءة، سيظل الوحداني رمزا للوفاء لأهله، وسيظل هو أكبر رمز للخيانات في تاريخ آيت باعمران. كل شيء سيمضي لكن تاريخ كل واحد سيظل شاهدا عليه، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

أقبل علي أكثر من سبعة من الغرباء، وقفت ثابتا مستعدا لأسوء الاحتمالات، طلب مني أحدهم بطاقة هويتي، فقلت له: من أنتم لأسلمكم بطاقتي، هل كل من صادفته في الشارع العام أسلمه هويتي؟ انقض اثنان من الغرباء على  يديي، حينها شككت في الأمر أردت أن أقوم برد فعل، وجلت بنظري في الأنحاء، لا أحد غير بوليد واقفا يتفرج! لم يقترب منه أحد! في لحظة سريعة أخرج واحد منهم بطاقة وأعادها إلى جيبه، كان شعار الأمن الوطني واضحا فيها، ورأيت أحدهم وراء الأشجار يحمل راديو ويتكلم فيه، حينها تيقنت أنهم رجال أمن.

كانوا بلباس مدني! وقلت لهم: الآن هاهي بطاقتي، أخذها وانسحب، ثم أراد سحبي الأمنيون إلى جهة مقابلة إلى المكان الذي اعتقلت فيه، فقلت لهم، من فضلكم أنا سأذهب معكم دون أن يضع أي أحد منكم يده علي، إلى أين سنذهب فقط؟ فأجابني واحد منهم؛ إلى السيارة، لم تكن هناك أي سيارة رسمية، فقط سيارات خاصة. ذهبنا خطوات جهة السيارات، حينها قال بوليد: أنا سأنقل حرفيا أن الوحداني أخذه بعضهم بلباس مدني! أنتم تعرفون أن الجميع في انتظاره على أثير راديو Mfm!

صعدت السيارة، كانت سيارة عادية من موديلات سيارات القرن الماضي، وضعوني بدون قيود بين اثنين منهم، وبدأ أحدهم ينادي: والحاج هيا بنا! بعد هنيهات قليلة جاء وجه جديد منهم خرج من وراء جذع شجرة ضخمة، حاملا هاتفا، ليخبرهم أن الخطة تغيرت! هناك من سيأتي من ولاية أمن أكادير ليأخذني إليها. تذكرت حينها اتصالا هاتفيا خلال الأيام السابقة.

المكالمة:

واسي محمد الله يرحم لك الوالدين ماتمشي للحوار د بوليد. وحتى التليفون تاعك ماتشعلو باقي، حيد الشريحة د الهاتف، را غادي تجي فرقة خاصة من الرباط تقلب عليك وتحدد المكان تاعك من خلال الهاتف، ولكن أنت راسك قاسح غادي تخلي الهاتف مشعول وغادي تمشي للحوار.

جاءت سيارة مهيبة، يسوقها شخص تظهر عليه علامات أنه مسؤول كبير، لباسه أنيق جدا، وجهه حليق، وأثار النعمة بادية عليه، عطر السيارة، وعطر الرجل راق. أنزلوني من تلك السيارة الخردة وأركبوني السيارة الباذخة، مجهزة في داخلها بأجهزة تواصل متعددة! انطلقت السيارة.

مكالمة:

الرجل المهم: نعم سيدي، المطلوب موجود معنا في السيارة. هل هناك من تعليمات أخرى السيد الوالي.

وبعد أن استمع إلى تعليمات السيد الوالي أنهى المكالمة.

كنت أجهل نهاية كل هذه المؤامرة! بدأت السيارة تتجه صوب ولاية أمن أكادير. السائق المهم بجانبه واحد كان يتبادل معه أطراف الحديث، وأنا بين اثنين من الغرباء الأمنيين! حينما دخلنا إلى داخل حرم الولاية، انسحب السائق المهم الذي كان بوليس الولاية يؤدون له تحية صارمة، ومعه رفيقه الجالس بجانبه. كنت مع الاثنين، وهم واقفين بجانبي يحرسانني، فإذا ببعض رجال الأمن قادمين من أحد الردهات، ولما وصلوا قبالتنا، قال أحدهم لنا نحن الثلاثة: شكون انتوما اش كتديروا هنا؟  لحظتها أجاب أحدهم بسرعة: حنا جينا مع نائب السيد الوالي. ثم انفرد بهم وبدؤوا يتاهمسون، ثم عادوا. نظر إلي أحد بوليس الولاية وقال: واييه السيد الرئيس، ثاني جابوك، الله يحد الباس أسي الوحداني، وذهب …

طلبت من أحد الحراس أن أذهب إلى المرحاض، فأجابني، يجب أن نأخذ الإذن، قلت له: أنا را مزير دابا واه دقيقة واحدة وفين كاع غادي نهرب هنا؟ ولا را ماعندي مشكل نقضي غرض غير هنا نيت … فبدأ يضحك، وقال لي أنت تديرها معيط أسي الوحداني. كان هناك مرحاض قريب اتجها معي صوبه. دخلت إليه ولزما هما بابه. بعد أقل من دقيقة خرجت. هاهو رئيس الشرطة القضائية الولائية قادم ومعه بعض البوليس، تسلموني من الأمنيين الغرباء وودعوهما. أخذ المسؤول الولائي هاتفي، وأدخلني إلى غرفة التحقيق.

استأذنت في الجلوس. فقال لي: مرحبا.

غرفة التحقيق، فيها أكثر من مكتب، وامتلأت حركية، دخل أكثر من رجل أمن بلباس مدني ولباس ميري، يتفرجون على معتقل بروفايل خاص: وجه معروف إعلاميا، وكاتب مقالات، ومناضل وحقوقي ورئيس بلدية سابق، الفرجة والتشويق…

دخل أحدهم، مع بوليسي، وجلس. سلم علي، ظننته معتقلا، أحضروه للاستنطاق؛ نظرت إليه، سبق لي أن جالسته أو صادفته، قال لي: السيد الرئيس ياك مامحتاج شي حاجة. قلت له: كأس ماء. أجابني: سمعا، كرمك سابق السيد الرئيس! خرج، وبدأت أحاول أن أتذكر أين رأيته. دخل حاملا معه قنينة ماء، توجه إلي قائلا: من فضلك خذها افتحها، إنها مغلقة وغير مستعملة، تسلمتها ضاحكا وفتحتها، وقبل أن أشربها، خطفها من يدي، وصب منها كأسين واحدة له وواحدة لرفيقه.

ثم سلمها إلي وبدأ يشرب من كأسها هو وصاحبه. قائلا: إوا دابا شرب مع راسك، باش ماتقول البوليس شربوك شي حاجة في الماء هههه! شربت كأس ماء، وأتبعتها ثانية. ثم قلت له أين رأيتك بالله عليك؟ قال لي كنا في مهمة في افني، وانتهينا متأخرين وبما أن المقاهي أغلقت لم نجد ما نأكله، وصادفناك واستفسرنا عن مكان لنتعشى فيه، فقلت لنا: هاد الوقت ماغادي تلقاو والو، يلاه تعشاو معيا أنا باقي ماتعشيت وانتوما وزهركم، ولكن مايمكن تجو لآيت باعمران وتبقاو بلا عشاء، وذهبنا معك وأكرمتنا دون أن تعرفنا. وودعني وقال لي: قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا، الله يخفف، ياك مانجيب لك شي ماتاكل، را ماشي غير آيت باعمران اللي فيهوم الكرم، المغاربة كلهم فيهم الكرم. قلت له: الله يرحم الوالدين، والله يسقينا ويسقيك من زمزم.

ثم بدأ التحقيق

اسمك واسم أبيك وأمك وتاريخ ازديادك، معلوماتك الشخصية موجودة عندنا. قبل أن يكمل المحقق استنطاقه، دخل مسرعا أحدهم، نظر إلي وقال لي على سلامتك، ماغادي يستمعو لك هنا في أكادير، سيستمعون إليك في إفني! وهذا أخف الأضرار. قلت لهم أريد أن أجري المكالمة القانونية المسموح لي بها، كي أخبر عائلتي بأنني معتقل، فأجابني أنت باقي ماشي معتقل هههه، ممكن تكون في حراسة نظرية، ممكن بعد الاستماع لك تتابع في حالة سراح أو لما لا حفظ الملف.

مرت أكثر من ساعة ونصف وأنا في انتظار المكالمة القانونية لأخبر أهلي. استأذنت في الذهاب إلى المرحاض مرة ثانية، خصوصا أنني أعاني من ارهاصات البروستات. كان الوقت ليلا، والظلام حالك، اتجه معي أحد البوليس إلى حيث المرحاض، دخلت وخرجت بسرعة، وجدته يتكلم في هاتفه، وكانت سيارة أمن كبيرة مركونة هناك بجانب غرف الخدمات الصحية، كان هناك اثنان يتحدثان: شكون هادوك أصاحبي لجابو الوحداني د إفني، سمعت أنهم من الرباط!

عاد بي رجل أمن بجانب غرفة التحقيقات، هاهو رئيس المنطقة الولائية للشرطة القضائية قادم إلينا، قائلا لي: ستتجهون إلى إفني. فقلت له: أريد أن أجري مكالمتي القانونية مع أهلي، قال لي: صافي غير تحركوا را صدعونا عليك باش تمشي لإفني، غادي نقول لواحد في الدراري تاعنا اللي غادي يمشو معك يعطيك التلفون تتكلم مع الواليد، ولكن ماطول.

أقلوني سيارة الأمن، كانوا أربعة السائق، وثلاثة رجال أمن، خرجنا من الولاية، ثم بعد لحظات جاء أحدهم بجنبي وأراد وضع الأصفاد بيدي، فقلت له: لاش؟ فقال لي: أستاذ رانك قاري وعارف القانون، فقلت له: القانون غار عليا أنا أما حقي في المكالمة القانونية اللي كيضمنها ليا القانون، هاديك ماشفتوها، وتبليغي بأنني مبحوث عني قانونيا هاديك حتى هيا بلاش، وحقنا حنا آيت باعمران اللي عاطيه لينا القانون والدستور هاداك حتى هو بلاش …

ثم قال له أحدهم صافي أصاحبي بلاش! فأجابه أنت عارف آش كاين! ثم توجه إلي قائلا: را مزيان الرئيس يدوز المينوت في يد الواحد، را كيحيد السحور، ضحكت وقلت له، عندك الصح أنا نيت مديور ليا السحور ماكيبان ليا غار آيت باعمران … فسلمته يدا واحدة فقط فصفدها مع جزء من حاجز حديدي، وانطلقت صافرة السيارة تقطع صمت الليل والطريق وكأن الأمن المغربي، اعتقل زعيم خلية إرهابية، كانت تريد تفجير العاصمة. فقلت له: ياك أودي لاباس؟ فأجابني إنها المسطرة.

يتبع …

 

ملحوظة: إن هذه المادة لا تعبر عن موقف جريدة “العمق المغربي” وإنما تعبر عن رأي كاتبها، لذلك وجب التنويه أن الجريدة لا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ما تتضمنه هذه المادة.