وجهة نظر

7 غشت.. يوم احتفت اسطنبول بالشهداء والديمقراطية

بعد فشل المحاولة الانقلابية في 15تموز/يوليو المنصرم، وابتداء من صبيحة 16 يوليو خرج الشعب التركي إلى الميادين بجميع المدن والولايات التركية في مظاهرات “صون الديمقراطية” في 22 يوم متواصلة تنديدا بالمحاولة الانقلابية الفاشلة، تعبيرا عن تمسكم بالشرعية والديمقراطية وصونا لمؤسسات الدولة ورموزها، وتلبية لدعوة الرئيس التركي الطيب رجب أردوغان ليلة الانقلاب والليالي التي بعدها.

واليوم السابع من آب/اغسطس، اجتمع الأتراك بساحة “يني قابي” بمدينة اسطنبول بمشاركة رئيس الجمهورية “الطيب أردوغان”، ورئيس الوزراء “بن علي يلدريم”، ورئيس البرلمان “إسماعيل قهرمان”، وزعيمي حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية المعارضين “كليجدار أغلوا” و ” دولت باهجهلي”، ورئيس الأركان التركي “خلصي أكار”، وعدة شخصيات سياسة تركية وأجنبية رفيعة المستوى، والمواطنين الأتراك الذي شكلوا مليونية عظيمة، عدت الأكبر في تاريخ تركيا الحديثة، مليونية قدرت ب 5 ملايين شخص بحسب تحليل ميداني أجرته الشرطة التركية ونقلته وكالة الأناضول.

وصدق بن علي يلدريم حينما قال:” نعيش الان يوما كيوم فتح إسطنبول على يد محمد السلطان محمد الفاتح”.

لاشك أن هذا اليوم الذي قارنه يلدريم بيوم فتح اسطنبول، يوم عظيم على جميع المستويات، يوم وحدة وتضامن وأخوة وشجاعة وصمود وافتخار، يوم تاريخي لن يكون كقبله من الأيام، فلأول مرة في تاريخ السياسة التركية زعماء الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة يتحدثون من منصة واحدة ويرفعون شعارا واحد هو “صون الديمقراطية والاحتفال بالشهداء”، ويخطبون مقدسا واحد هو “الوطن”.

يوم فرح به كل أحباب تركيا وأصدقاءها، ويوم حزن وقهر لأعداء تركيا والأتراك والإنسانية كصبيحة 16 يوليو، يوم أثبت فيه الشعب التركي أن تركيا بلد لا يمكن تدميره، وشعب لا يرضى العبودية والإذلال والوصاية الإمبريالية، يوم فُضح فيه أدعياء الإنسانية وحقوق الإنسان والديمقراطية والتسامح ومحاربة الإرهاب وغيرها من الشعارات الخداعة والتي طالما احتلت شعوب باسمها ودمرت أوطان بسببها، واستعبدت أقوم بمسمها.

هذا الشعب الذي احتقره الانقلابين وقللوا من شئنه، ولم ينظروا لتاريخه وبطولاته العظيمة والتي شهد بها الأعداء قبل الخلان والأحباب، وجهلوا ذلك أو تجاهلوه، وقعوا في شر جهلهم ومكرهم. مدبرو الانقلاب الفاشل بالداخل والخارج خططوا لكل شيء، لكن الله مكر بهم، فأنساهم همة الشعب التركي وسببه وقوته، أفشل سعيهم ودمر أمرهم، وأذلهم وشردهم.

هذا الشعب العظيم بمواقفه وتاريخه وحضارته، رزق قادة عظماء كذلك، كانوا على قدر الحدث وفي مستواه، -والرجال بالمواقف- فتسابقوا في الوقوف ضد المحاولة الانقلابية الدموية، منذ اللحظات الأولى لانطلاقها، فنجحوا في القضاء على الانقلابين وإفشال محاولتهم الخائنة، وأثنوا على شعبهم ومدحوه، وأرجعوا له الفضل بعد الله تعالى في جعل 15تموز نصرا عظيما ويوما تاريخيا.
فخطبوا وقالوا:

بدأ رئيس الشؤون الدينية التركي “محمد غورماز” فقال 🙁 أدعو الله تعالى أن يعزز وحدة وتكاتف الشعب التركي في مواجهة كافة محاولات الانقلاب والمؤامرات التي تُحاك ضدّه، ورحم الله شهداء محاولة الانقلاب الفاشلة، وعجل الله تعالى بشفاء الجرحى، وأن يلهم كافة أطياف وشرائح المجتمع التركي محبة بعضهم البعض).

أما زعيم حزب الحركة القومية ” دولت بهشي لي” فقال: (أنا مسرور لأنني أشاهد بفخر انتفاضة بلادنا، أنا سعيد لأن الأمة والإرادة والعقيدة هنا، والذراع الذي لا يثنى، والرأس الذي لا يطأطئ، والأمة المقتدرة التي لا تهزم، هنا في الميدان، أحي تصدي المواطنين الأتراك للانقلابين في 15 يوليو، لقد وقفنا بثبات وشجاعة رغم كل المؤامرات التي حيكت ضدنا ولقنّا الخونة درساً وأوقفنا الإرهابيين عند حدهم).

و أكد رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض” كمال كليجدار أوغلو” أنه يجب الدفاع عن الديمقراطية تحت أي ظرف، وأن تركيا تعيش يومًا هامًا في حياتها السياسية، ولقد خطت خطوة هامة في تاريخها الديمقراطي، كما بدأت عهدًا جديدًا وإذا تمكّنت من حماية ثقافة التفاهم والتصالح التي نشهدها اليوم، فسيكون الأتراك قد أنشؤوا بلدًا جميلًا لأبنائهم.

أما رئيس الأركان التركي “خلوصي أكار” فقال بعد إلقاء التحية العسكرية على الحاضرين: (مجموعة من عصابة غير قانونية قامت بالتغلغل داخل بنية القوات المسلحة التركية، ولطّخت تاريخ الجيش المجيد وجعلت البلاد تشهد عار المحاولة الانقلابية، القوات المسلحة التركية بكامل أركانها تخضع لإمرة الشعب، وتتبنى مبدأ أساسياً واحداً هو: “السيادة المطلقة للشعب”، وعناصر القوات المسلحة الذين يحبون وطنهم وشعبهم وعلمهم بريؤون من منظمة “غولن” الإرهابية).

وأجمل رئيس البرلمان التركي “اسماعيل قهرمان” كلمته في أربع نقاط هامة وأساسية قال فيها: (- نجتمع اليوم هنا لنبلغ العالم بأنّنا طوينا صفحة الانقلابات وفتحنا صفحة العيش كأمة واحدة تحت علم واحد وضمن وطن واحد وفي ظل دولة متماسكة. – الشعب التركي عاقب على أكمل وجه خونة الوطن الذين تغلغلوا في مؤسسات الدولة التركية. – الشعب تصدى للانقلاب الفاشل جنبًا إلى جنب مع قواتنا الأمنية الوطنية. – صمدنا في وجه من حاول الإيقاع بين أطياف مجتمعنا، وأعطيناهم درساً قوياً في الصمود والتحدي والوفاء).

وقال رئيس الوزراء التركي زعيم حزب العدالة والتنمية “بن علي يلدريم”:( 15تموز كانت حرب استقلال ثانية أرادوا احتلال أراضينا من خلال ارتدائهم البزّة العسكرية التركية، لكن الشعب التركي أفشل خططهم، لن نتنازل عن الديمقراطية وسنوسّع الحريات وسنُقلل من أعدائنا ونزيد أصدقاءنا، و لن نفرّط بالتوافق الحاصل في الساحة السياسية وسنعمل على تعزيز مبدأ التعاون والتفاهم.. إن الحماس الذي تعيشه إسطنبول يذكّرنا بيوم فتحها على يد السلطان محمد الفاتح عام 1453م).

وختم قائد النصر العظيم ومحبوب الأتراك، رئيس الجمهورية التركية “الطيب رجب أردوغان” بخطاب تاريخي حمل رسائل لداخل والخارج.

فقال مخاطبا الحشود المليونية : (إن الشعب التركي الذي ملء الشوارع ليلة المحاولة الانقلابية نال شرف الكفاح والشهادة وكتب اسمه بحروف من ذهب، والشيء الوحيد الذي لم تحسب له منظمة “فتح الله غولن” الإرهابية حساباً هو الشعب التركي وإيمانه ووعيه، لن يتمكن أحد من جلب العبودية والإذلال لهذا الشعب، إن حالة الإيمان التي تجلّت بكل المدن التركية في 15 تموز شبيهة بإلإيمان عند حرب الاستقلال، ما يجب أن نفعله الآن هو السعي للارتقاء إلى ما فوق مستويات الحضارات المعاصرة والتضامن فيما بيننا لمواصلة طريقنا، وإذا الشعب التركي باعتباره صاحب القرار المطلق ارتأى إعادة تطبيق أحكام الإعدام فإنني أعتقد بأنّ الأحزاب السياسية أيضاً ستتوافق مع هذا القرار).

أما رسائله للخارج فقال فيها: (البرلمان التركي هو المخوّل بإصدار قرار إعادة تطبيق عقوبة الإعدام وفي حال صدر قرار من هذا القبيل سأصادق عليه، قد تتغيّر مسمّيات التنظيمات الإرهابية، ولكن حقيقة عدائها للشعب التركي لا تتغيّر إطلاقًا، منطقتنا كانت ستُقدّم على طبق من ذهب لأطراف يعرفها الجميع لو نجح الانقلاب، نحن نعلم جيدًا تلك القوى التي تقف وراء منظمة “غولن” الإرهابية وتدعمها وسنحاسبها عندما يحين الوقت المناسب…وضعنا هذا المساء فاصلةً على سطر مظاهرات “صون الديمقراطية” وسنضع نقطة ختامها مساء الأربعاء- بعد رجوعه من الزيارة المهمة لروسيا”).

هبة الشعب التركي في 15تموز، ومليونية 7 أغسطس، كانت أقوى رسائل الشعب التركي للعالم، بأنه شعب حضاري وقوي يحمي الشرعية والديمقراطية، ويقدم الشهداء من أجلهما، وأن ديمقراطيته وصلت لمستوى أن تذوب كل الخلافات السياسية، وتُترك كل الأهواء الإيديولوجية، ويلتف الأتراك على علما واحد” العلم الأحمر ذو الهلال والنجمة”، رمز الدولة التركية، والتي تحتضن الجميع وتقبل بالجميع، إلا الإرهابين والانقلابين الخونة.