وجهة نظر

ذكرى عيد العرش المجيد بالمغرب.. الجدور والدلالات والمقاصد

ذكرى عيد العرش المجيد بالمغرب.. الجدور والدلالات والمقاصد

مقدمة

إذا كان لكل أمة أعيادها وأعرافها وتراثها الذي تعتز به، فإن المغاربة يعتزون بأعيادهم الدينية والوطنية، ومنها عيد العرش المجيد الذي يستحضر فيه المغرب ملكا وشعبا معاني المحبة والالتحام والوفاء الذي يجمعهم على مدى قرون من الزمن، ففي هذا العيد تكون كل مكونات الشعب المغربي على موعد استحضار  محطة سنوية تفتخر بها الامة، وتجدد فيها البيعة وتستحضر فيها معاني الوفاء و التلاحم والمحبة التي تجمع العرش بالشعب.

وسنعرض في هذه المقالة لجدور احتفالات الشعب المغربي بعيد العرش المجيد، والوقوف عند الأبعاد الدينية والسياسية لهذه الذكرى، مع توضيح الدلالات التي تحيل عليها، والمقاصد من تخليدها.

أولا: جدور الاحتفال بعيد العرش بالمغرب وأبعاده الدينية والسياسية:

1-     جدور الاحتفال بعيد العرش بالمغرب:

تعود قصة عيد العرش المجيد تاريخيا ‘لى سنة 1933م، زمن الاحتلال الفرنسي للمغرب، حين نظم الوطنيون المغاربة حفلا بهيجا بفاس استقبل خلاله جلالة المغفور له محمد الخامس تعبيرا عن التلاحم والمسؤولية التي تربطهم بالعرش العلوي المجيد، وهي مسؤولية البيعة التي تطوق أعناقهم بموجب عقد شرعي يسهر على خطه أهل الحل والعقد.

إن أول احتفال بعيد العرش المجيد بالمغرب، كان بمثابة رسالة مشفرة موجهة من الوطنيين إلى المستعمر الفرنسي والاسباني تعبيرا عن العلاقة الروحية التي تربطهم برمز الأمة بموجب عقد البيعة الشرعي والمقدس .

ويذكر محمد بن الحسن الوزاني في كتابه “حياة وجهاد” أن محمد صالح مسة مدير مجلة المغرب التي كانت تصدر بالرباط  حينئذ، كان أول من اقترح فكرة الاحتفال بذكرى تولية السلطان محمد الخامس خلفا لوالده المولى يوسف.

 

2- الأبعاد الدينية والسياسية للذكرى:

2-1-الأبعاد الدينية:

يستمد المغاربة الاحتفال بذكرى عيد العرش المجيد من التراث الإسلامي، وسيرة الخلفاء الراشدين، ذلك أن أول من بويع من الخلفاء بعد الرسول “ص”، كان الخليفة أبي بكر الصديق، بيعة غير مكتوبة، وتبعته بيعة الخلفاء الراشدين من بعده عمر وعثمان وعلي، وعلى هذا المنوال سارت بيعة الملوك العلويين وفق شروط يحددها أهل الحل والعقد منذ الأدارسة  وحتى يومنا الحاضر، حيث عرف المغرب منذئذ بالدولة السلطانية القائمة على مذهب أهل السنة والجماعة مجسدا في مذهب الإمام مالك.

لذا، فإن بيعة المغاربة لأمير المؤمنين وسليل الدوحة الشريفة، هي بيعة دينية وشرعية، تؤكد حضور الإسلام في هذه الديار، كما تؤكد السلطة الشرعية الدينية للملك، لأن أهل الحل والعقد حينما يوقعون، يؤكدون سلامة الاختيار، ويوافقون على تحقق الشروط الشرعية التي تزكي ذلك التعاقد المأمور به في قوله تعالى : “إن الذين يبايعونك، إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيما”[1].

وجدير بالذكر أن البيعات المكتوبة في تاريخ المغرب الحديث، لم يصلنا منها حسب المصادر، إلا ما ارتبط بالنصف الثاني من القرن 19م، وأما نصوص البيعة المرتبطة بالفترات السابقة، فهي قليلة، بل تكاد تكون منعدمة بالنسبة لبعض الفترات، غير أن ذلك لا ينفي وجودها، وإنما المصادر التي وصلتنا، هي من أغفلت التدوين وأهملت الإثبات.

ومن النماذج المذكورة عن بيعات السلاطين العلويين، ما أورده أكنسوس في الجيش العرمرم عن بيعة السلطان المولى إسماعيل حيث ذكر: ” فانعقدت له البيعة وحضرها الأكابر من أهل المغرب، ووافق عليها أهل الحل والعقد من العلماء والأشراف كالشيخ محمد عبد القادر الفاسي والشيخ أبي علي اليوسي…”. كما نقل الزياني نص بيعة مولاي عبد الله في البستان الظريف، ونقل الناصري نص بيعة أهل فاس للسلطان مولاي سليمان، وكذا بيعة اليزيد بن محمد بن عبد الله من طرف أهل مراكش.

و نجد نصوصا كثيرة لبيعات متعددة تخص السلطان عبد الرحمان بن هشام،  والسلطان الحسن الأول، ونجلاه المولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ، وكذا والمولى يوسف، وخلفه محمد الخامس، ثم نصوص بيعة تخص المغفور له الملك الحسن الثاني و الملك محمد السادس حفظه الله.

ويحدد المؤرخ أكنسوس في بداية كتابه ” الجيش العرمرم” الأصول الفقهية للبيعة موضحا شروط أهل الحل والعقد ومبينا أن ” الإمامة هي رياسة عامة في أمور الدنيا والدين خلافة عن النبي (ص). وعليه أمكن التأكيد على البعد الديني للبيعة المستمدة من التراث الإسلامي، وسيرة الرسول (ص) والخلفاء الراشدين من بعده، وهي رابط مقدس، يطوق أعناق المبايعين والمبايع له.

2-2- الأبعاد السياسية:

إن ذكرى عيد العرش المجيد بالمغرب، أبعادا سياسية، ففيها تتجدد البيعة، وهي مناسبة لإعادة تزكية ولي الأمر، وتعزيز الاستمرارية المؤسساتية، وتأكيد التلاحم بين القائد والشعب، ولا غرو ففي هذه المناسبة يتم تجديد البيعة كألية سياسية للحفاظ على استقرار  النظام السياسي،  ومنع الفراغ المؤسساتي، و التأكيد على وحدة الأمة وتماسك النسيج الاجتماعي والسياسي تحت قيادة واحدة وملك واحد.

ثانيا-دلالات الاحتفال بعيد العرش:

إن عيد العرش المجيد، من حيث الدلالة والرمزية، يظل غير منفصل في طقوسه واحتفالاته عن ثقافة المغرب والمغاربة، ومن خلال هذه الطقوس يتم تجديد البيعة من طرف كل مكونات الأمة عن طريق حضور نوابها، ومسؤولين إداريين مدنيين وعسكريين في جهاز الدولة، في احتفالات بهيجة، وذات دلالات عميقة لدى المغاربة ملكا وشعابا.

ومعلوم أن الاحتفال بعيد العرش المجيد لدى المغاربة، يكتسي دلالات يتداخل فيها الوطني بالتاريخي بالروحي بالاجتماعي، فالاحتفال بعيد العرش، له دلالات وطنية وتاريخية تحيل على مرحلة الكفاح والتلاحم والصمود ضد الاستعمار، حين التف المغاربة حول عرشهم وملكهم باعتباره رمز الوحدة والسيادة الوطنية.

ويحيل الاحتفال بعيد العرش المجيد، على دلالات العهد والوفاء ففي هذه المناسبة، يجدد الميثاق المتبادل، والتعاقد المستمر بين الشعب والمؤسسة الملكية، تجسيدا للمقولة الخالدة “العرش بالشعب والشعب بالعرش”، والشعار الخالد للأمة المغربية : “الله -الوطن- الملك”.

وغني عن البيان، أن الاحتفال بعيد العرش، يحيل على دلالات روحية، حيث يستحضر المغاربة، روابط عقد البيعة الشرعية الذي يربطهم بملكهم وأمير المؤمنين، وهو عقد شرعي ملزم للطرفين، يستحضر فيه المغاربة  قيم الاخلاص والمحبة المتبادلة التي تربطهم بملكهم.

ثالثا: مقاصد الاحتفال بذكر ى عيد العرش المجيد:

وتتعدد مقاصد احتفال المغاربة بذكرى عيد العرش المجيد، ففضلا عن التأكيد على لحمة الاستقرار  وتعزيز الشعور بالانتماء والاعتزاز بالهوية المغربية وصيانة وحدتها الترابية، يخلد المغاربة هذه الذكرى من أجل:

*-تجديد روابط البيعة والولاء واستعراض مسار التنمية والبناء، والتعبير عن الحب والثقة والتلاحم الذي يربط العرش بالشعب.

*-الاحتفال بالإنجازات التي تم التعاقد عليها من قبل الراعي والراعية، كل من جهته والمهام المنوطة به،

*-التعبير عن الفرح بأداء الواجب الديني الذي هو واجب البيعة المقلد به كل مسلم اتجاه ربه وملكه رمز البلاد الذي طوقه الله بأمانة جسيمة تتمثل في حماية الدين والوطن.

*- إن الاحتفال بعيد العرش، هي مناسبة لتقديم الرصيد التاريخي للأجيال الحاضرة والقادمة، واحياء هذا الرصيد، له مقاصد وطنية وروحية أهمها التذكير بالروابط المقدسة التي تربط الراعي بالرعية.

*- الاحتفال بعيد العرش، هي مناسبة للتذكير بالمحطات النضالية التي جمعت الملك بالشعب، زمن المحن، واستحضار المحطات النضالية المستقبلية المتمثلة في استكمال مشاريع التنمية بتوجيهات من طرف الملك، وتحت إشرافه المباشر، حرصا على مصلحة الوطن والشعب.

خلاصة واستنتاج

ومما سلف، يمكن التأكيد على أن ذكرى عيد العرش المجيد، تجسد محطة وطنية خالدة، بما توحي به من دلالات تاريخية وروحية، فهي تحيل تاريخيا على نضال مستمر، يجمع بين العرش والشعب، من أجل صيانة وحدة الوطن وسيادته، من جهة، ورفع التحديات التنموية من جهة ثانية، كما تحيل على دلالات وعلائق روحية تربط الملك بالشعب في إطار نظام سياسي منبثق من الأصول الإسلامية، وقائم على عقدة بين الراعي والرعية، في إطار نظام البيعة الشرعية الذي يسهر عليها أهل الحل والعقد فضلا عن ممثلين لفئات الأمة التي ترد في البيعة.

وعليه، فإن نظام البيعة بالمغرب، يعتبر بحق دستور التأسيس الأول في الدولة، فهي العقد الضامن لاستمرارية النظام السياسي، واستمرارية نظام المؤسسات، ومحطة لتجديد فروض الولاء والطاعة لولي الأمر والراعي الأول للأمة المغربية في إطار نظام الملكية الدستورية ذات الثوابت الراسخة والمستمدة من روح الشريعة  الإسلامية.

لذلك، يبدو من اللازم الحفاظ على الأصول والجدور وعدم التفريط فيها، والحرص على تخليد مختلف المحطات والأعياد الوطنية، بكل ما تستحقه من عناية واعتزاز، وذلك ترسيخا لقيم المواطنة الصادقة، وروح الوفاء والتضحية، لدى الأجيال الحاضرة والقادمة، قصد الإسهام في بناء مغرب الغد، بقيم سامية وثوابت وطنية وروحية راسخة، تمكن من رفع التحديات التنموية لهذا البلد العزيز، خدمة للشعار الخالد الله الوطن الملك.

 

[1] – سورة الفتح، الآية: 10

* أستاذ باحث، جامعة السلطان مولاي سليمان، كلية الآداب والعلوم الانسانية، شعبة التاريخ، بني ملال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *