الحكومة الترابية التي نريدها: 12 جهة، 120 برلمانياً، 24 وزيراً

إن النقاش حول إصلاح النموذج المؤسساتي بالمغرب ينبغي ألا يقتصر على عدد الوزراء أو البرلمانيين، بل يجب أن ينطلق من سؤال جوهري: كيف يمكن بناء حكومة تنطلق من القواعد، وتعكس التعددية المجالية للمغرب، وتجعل الجهات أساساً في صناعة القرار الوطني؟
إن المغرب، بجهاته الاثنتي عشرة، يحتاج إلى تصور جديد لتدبير الشأن العام، يقوم على احترام التمثيلية الجهوية، وإعادة توزيع المسؤوليات، وتقريب القرار من المواطنين. فالتنمية لا يمكن أن تظل رهينة منطق المركز، ولا يمكن أن تتحقق العدالة المجالية دون أن يكون لكل جهة صوت مسموع وحضور فعلي في المؤسسات الوطنية. ومن هذا المنطلق، نقترح فتح نقاش عمومي حول نموذج مؤسساتي يقوم على شعار واضح: 12 جهة، 120 برلمانياً، 24 وزيراً.
12 جهة: أساس التمثيلية والتنمية
ينطلق هذا التصور من اعتبار الجهات الاثنتي عشرة وحدات أساسية في تنظيم الحياة السياسية والتنموية بالمغرب. ويقتضي ذلك تعزيز حضورها في المؤسسات الوطنية، وضمان تمثيلية تراعي خصوصياتها الديمغرافية والمجالية، دون إقصاء الجهات الأقل سكاناً أو الأقل استفادة من الاستثمارات.
فالجهوية ليست مجرد تقسيم إداري، بل ينبغي أن تكون آلية لإشراك المواطنين والمجالات الترابية في تحديد الأولويات وصناعة السياسات العمومية.
120 برلمانياً: تمثيلية جهوية واضحة
يقترح هذا النموذج إعادة التفكير في بنية المؤسسة البرلمانية، من خلال تصور يقوم على 120 برلمانياً، مع ضمان تمثيلية الجهات الاثنتي عشرة وفق قواعد واضحة ومنصفة. ولا يتعلق الأمر بتقليص العدد فقط، بل بإعادة بناء العلاقة بين الناخب وممثله، وتعزيز المساءلة، وربط العمل البرلماني بقضايا الجهات وحاجيات سكانها.
ويستدعي هذا المقترح دراسة دستورية وقانونية وانتخابية تحدد كيفية توزيع المقاعد، وضمان التعددية السياسية، وتمثيل النساء والشباب، والتوفيق بين العدالة الديمغرافية والإنصاف المجالي.
24 وزيراً: حكومة منسجمة ومسؤولة أمام الجهات
يقترح التصور حكومة تتكون من 24 وزيراً، تقوم على تجميع القطاعات المتقاربة، وتحديد المسؤوليات، وتنسيق السياسات العمومية مع الحاجيات الفعلية للجهات.
ولا ينبغي أن تكون الحكومة مجرد جهاز مركزي يصدر القرارات، بل مؤسسة وطنية تنطلق سياساتها من الواقع الميداني، وتستمع إلى المنتخبين المحليين والجهويين، وتربط البرامج الحكومية بمؤشرات واضحة للإنجاز.
إن تقليص عدد أعضاء الحكومة، إذا تم اعتماده، يجب أن يواكبه إصلاح في طريقة العمل والتنسيق والتقييم، حتى لا يتحول إلى مجرد تغيير في الأرقام دون أثر ملموس على حياة المواطنين.
حكومة من القواعد لا من المركز فقط
إن جوهر هذا المقترح هو الانتقال من منطق تدبير الشأن العام انطلاقاً من المركز وحده، إلى منطق مؤسساتي يعطي للجهات والمواطنين دوراً أساسياً في تحديد الأولويات.
فالحكومة التي نريدها هي التي تستمع إلى مطالب السكان، وتستثمر في المعرفة الميدانية، وتمنح الجهات صلاحيات وموارد تتناسب مع مسؤولياتها، مع إخضاع الجميع للمراقبة والمحاسبة.
كما أن ترشيد المال العام وإعادة النظر في الامتيازات غير الضرورية للمسؤولين يمكن أن يشكلا جزءاً من هذا الإصلاح، شريطة الحفاظ على الوسائل اللازمة لممارسة المهام الدستورية، وضمان الشفافية في النفقات العمومية.
نحو نقاش وطني حول التمثيلية الجهوية
إن شعار 12 جهة، 120 برلمانياً، 24 وزيراً ليس مجرد اقتراح عددي، بل مدخل لطرح أسئلة أساسية حول شكل الدولة، وطبيعة التمثيلية السياسية، وحدود المركزية، ومكانة الجهات في صناعة القرار.
ويظل نجاح أي تصور من هذا النوع مرتبطاً بمدى احترام الدستور، وضمان التعددية، وتكافؤ الفرص بين الجهات، وإشراك المواطنين في النقاش حول مستقبل المؤسسات.
إن الرهان الحقيقي ليس فقط في تقليص عدد المسؤولين، بل في إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع والمجال الترابي؛ حتى تصبح الجهات شريكاً في القرار الوطني، ويصبح المواطن أساس السياسات العمومية وغايتها.
12 جهة، 120 برلمانياً، 24 وزيراً: تصور للنقاش من أجل تمثيلية جهوية أكثر وضوحاً، وتدبير عمومي أكثر قرباً من المواطنين، وتنمية أكثر إنصافاً بين مختلف مناطق المغرب.
اترك تعليقاً