سياسة

تضخيم أثمان الصفقات وصرف أموال عن أشغال غير منجزة.. الجماعات تتصدر ملفات الفساد

تضخيم أثمان الصفقات وصرف أموال عن أشغال غير منجزة.. الجماعات تتصدر ملفات الفساد

كشف التقرير السنوي للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، برسم سنة 2025، عن معطيات تتعلق باختلالات في تدبير المال العام داخل عدد من المرافق والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، بعدما قررت النيابة العامة لدى المحاكم المالية متابعة 196 شخصا في ملفات شملت 83 جماعة ترابية ومؤسسات عمومية أخرى، فيما أحال المجلس الأعلى للحسابات 20 ملفا على رئاسة النيابة العامة للاشتباه في أفعال قد تكتسي صبغة جنائية، من بينها أداء مستحقات عن أشغال غير منجزة والمبالغة في أثمان الخدمات والتوريدات.

وأفاد التقرير، المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 30 أكتوبر 2026، بأن المعطيات المستخلصة من أعمال المحاكم المالية خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى نهاية شتنبر 2025، كشفت عن مواطن هشاشة في تدبير الموارد العمومية والصفقات والتعمير والممتلكات الجماعية، إلى جانب اختلالات مرتبطة باحترام قواعد المنافسة وتنفيذ الالتزامات التعاقدية وممارسة مهام الرقابة والإشراف.

وأوضح التقرير أن النيابة العامة لدى المحاكم المالية قررت متابعة 196 شخصا، بناء على دراسة 111 طلبا لرفع القضايا، أفضت إلى إصدار 76 ملتمسا لإجراء التحقيق، مشيرا إلى أن المتابعات شملت، إلى جانب الجماعات الترابية الـ83، مرفقين تابعين للدولة، وثماني مؤسسات عمومية، وشركة عمومية، وشركة للتنمية المحلية، ومؤسسة عمومية محلية.

واعتبرت الهيئة أن أهمية هذه المعطيات لا ترتبط بعدد الأشخاص المتابعين فقط، وإنما باتساع نطاق الجهات المعنية، بما يكشف أن الاختلالات لا تنحصر في قطاع أو مستوى إداري معين، بل تمتد إلى مجالات متعددة من التدبير العمومي، وتطرح إشكالات مرتبطة بفعالية أنظمة الرقابة الداخلية وآليات التفتيش والمساءلة.

أشغال غير منجزة وتضخيم أثمان الصفقات

وعلى مستوى الملفات التي تحمل شبهات جنائية، كشف التقرير أن الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات أحال، خلال الفترة نفسها، 20 ملفا على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، استنادا إلى مقتضيات المادة 111 من مدونة المحاكم المالية.

وأوضح أن هذه الإحالات تتعلق بأفعال اعتبرتها المحاكم المالية قابلة لأن تشكل جرائم فساد تستوجب عقوبات جنائية، مشيرا إلى أن الجماعات الترابية تستأثر بالحصة الأكبر منها، وهو ما يثير، بحسب الهيئة، تحديات مرتبطة بحكامة الموارد المالية والاستثمارية التي أصبحت تدبرها هذه الجماعات، ومدى فعالية الرقابة على استعمالها.

وحدد التقرير ثلاثة مجالات رئيسية تتركز فيها المخاطر التي كشفت عنها الإحالات، يتصدرها مجال الطلبيات العمومية، حيث رُصدت حالات تتعلق بالإدلاء بوثائق غير صحيحة، والمساس بقواعد المنافسة، وأداء مستحقات عن أشغال غير منجزة، فضلا عن المبالغة في أثمان الخدمات والتوريدات.

واعتبرت الهيئة أن هذه الممارسات تكشف استمرار مخاطر الفساد وتضارب المصالح واستغلال النفوذ داخل مجال المشتريات العمومية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بتخصيص الموارد المالية وإسناد العقود وتنفيذ النفقات العمومية.

ولا تقتصر الاختلالات التي أوردها التقرير على مرحلة إسناد الصفقات أو تحديد أثمانها، بل تمتد إلى مراحل تنفيذها ومراقبتها، بما يشمل الشروع في تنفيذ بعض الصفقات قبل استكمال المساطر القانونية، وتسوية نفقات خارج الإطار التعاقدي، وتحميل الميزانيات العمومية مصاريف لا تدخل ضمن اختصاصاتها.

وتبرز هذه المعطيات، وفق قراءة الهيئة، أن مخاطر الفساد قد تنشأ من ضعف احترام القواعد القانونية والتنظيمية المؤطرة للإنفاق العمومي، حتى قبل وصول بعض الاختلالات إلى مستوى الأفعال المجرمة جنائيا.

استغلال الممتلكات العمومية واختلالات في التعمير

أما المجال الثاني الذي حددته الهيئة، فيرتبط بتدبير المال العام والممتلكات العمومية، من خلال حالات تتعلق بالاستيلاء على موارد عمومية، أو تحصيل مبالغ دون سند قانوني، أو استعمال الممتلكات العمومية لأغراض شخصية، أو السماح باستغلالها خارج الأطر القانونية.

ويمتد المجال الثالث إلى التعمير والتدبير العقاري، حيث أشار التقرير إلى حالات إصدار رخص أو شواهد غير مطابقة للقانون، أو الإعلان عن تسلم أشغال رغم عدم احترام الالتزامات التعاقدية المرتبطة بها.

وتكتسي هذه الاختلالات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الصلاحيات التي تمارسها الجماعات الترابية والإدارات المعنية بالتعمير، سواء تعلق الأمر بمنح التراخيص أو تدبير العقارات والممتلكات العمومية أو مراقبة تنفيذ المشاريع والأشغال.

وخلصت الهيئة إلى أن مخاطر الفساد لا تتوزع بصورة عشوائية بين مختلف مجالات التدبير العمومي، وإنما تتركز أساسا في القطاعات التي تعرف تفاعلا مباشرا بين القرار الإداري والموارد المالية والاقتصادية.

واعتبرت أن اتساع السلطة التقديرية في تخصيص الموارد ومنح الامتيازات وإسناد العقود يرفع احتمالات ظهور ممارسات الفساد، خصوصا عندما لا تواكبه آليات فعالة للرقابة والشفافية والمساءلة.

محدودية مساهمة أجهزة الرقابة الداخلية

وفي تشخيصها لمصادر اكتشاف الاختلالات، سجلت الهيئة أن أغلب المتابعات المالية جاءت نتيجة أعمال الرقابة والتدقيق والتحقيق التي باشرتها المحاكم المالية نفسها، في حين ظلت مساهمة الجهات الخارجية محدودة نسبيا.

واعتبر التقرير أن هذا المعطى يؤكد الدور المحوري الذي تضطلع به المحاكم المالية في الكشف عن الاختلالات، لكنه يثير في المقابل تساؤلات بشأن فعالية أنظمة الرقابة والتفتيش وآليات الإحالة والتبليغ المعتمدة داخل الإدارات والمؤسسات العمومية.

وأبرز أن طبيعة الأفعال موضوع المتابعات تكشف امتداد مواطن الهشاشة إلى مختلف مراحل تدبير المال العام، بما فيها تنفيذ النفقات، وتحصيل المداخيل، وتدبير الموارد البشرية والممتلكات العمومية، وممارسة مهام الرقابة والإشراف.

كما أشار التقرير إلى استمرار اختلالات في مجالات التدبير المفوض وتحصيل الموارد العمومية ومراقبة تنفيذ الالتزامات التعاقدية للدولة وأشخاص القانون العام، معتبرا أن جانبا مهما من مخاطر الفساد لا يرتبط دائما بأفعال جنائية مباشرة، وإنما قد ينشأ نتيجة ضعف التخطيط والرقابة واحترام قواعد التدبير المالي والإداري.

وفي هذا السياق، شددت الهيئة على أن أهمية القضاء المالي لا تنحصر في ترتيب العقوبات عن المخالفات المرتكبة، بل تمتد إلى تشخيص مواطن الخلل التنظيمي والرقابي التي قد تتحول، في حال استمرارها، إلى ممارسات فساد أو اعتداءات على المال العام.

20 ملفا أمام القضاء الجنائي

وبخصوص مآل الملفات العشرين التي أحيلت على رئاسة النيابة العامة، أفاد التقرير، استنادا إلى معطيات هذه الأخيرة، بأن جميعها أُحيلت على الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف المختصة، وكانت توجد، بحسب المعطيات التي تضمنها التقرير، إما في طور البحث أو معروضة على أقسام جرائم الأموال.

وتعكس هذه الإحالات انتقال بعض الاختلالات المكتشفة من نطاق المساءلة المالية إلى دائرة البحث في المسؤولية الجنائية المحتملة، دون أن يعني ذلك ثبوت التهم أو صدور أحكام بالإدانة في حق الأشخاص المعنيين.

وفي سياق متصل، أورد التقرير أن عدد القضايا الرائجة أمام أقسام الجرائم المالية بلغ 529 قضية خلال سنة 2025، مقابل 874 قضية سنة 2024، بانخفاض نسبته 39,47 في المائة.

غير أن الهيئة حذرت من تفسير هذا الانخفاض باعتباره دليلا على تراجع الفساد، موضحة أن تراجع عدد القضايا الرائجة قد يرتبط بالجهود المبذولة لتصفية الملفات أو بتغير وتيرة الإحالات والكشف عن الجرائم، ولا يسمح بمفرده باستخلاص نتائج بشأن تطور حجم الفساد الفعلي.

وأكدت الهيئة أن القراءة المجمعة للمعطيات القضائية والمالية تكشف تمركز مخاطر الفساد في الصفقات والطلبيات العمومية والتدبير الترابي والتعمير والتدبير المفوض وتحصيل الموارد ومراقبة تنفيذ العقود، معتبرة أن مواجهة هذه المخاطر تقتضي تجاوز الاقتصار على اكتشاف المخالفات بعد وقوعها، نحو تقوية آليات الوقاية والرقابة الداخلية والتدخل المبكر داخل المرافق والمؤسسات العمومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *