وجهة نظر

خرافة الجلسات الرقمية في القضاء المغربي: لماذا نحتاج إلى التقاضي الرقمي أكثر من الجلسة الرقمية؟

خرافة الجلسات الرقمية في القضاء المغربي: لماذا نحتاج إلى التقاضي الرقمي أكثر من الجلسة الرقمية؟

ليس كل ما هو رقمي تقدماً، وليس كل توظيف للتكنولوجيا داخل المحاكم دليلاً على تحقق التحول الرقمي. ففي خضم النقاش المتنامي حول تحديث منظومة العدالة المغربية، يبرز مفهوم الجلسات الرقمية باعتباره أحد مظاهر المحكمة الحديثة، بل أحياناً باعتباره مؤشراً على نجاح رقمنة القضاء. غير أن هذا التصور يطرح إشكالية تستحق نقاشاً أعمق: هل يكمن مستقبل العدالة المغربية في نقل الجلسات من قاعات المحاكم إلى الشاشات الإلكترونية، أم في إعادة هندسة المسار القضائي بكامله وفق نموذج رقمي يراعي خصوصية القضاء المغربي وضمانات المحاكمة العادلة؟ إن ما يمكن وصفه بخرافة الجلسات الرقمية لا يتعلق بالتشكيك في جدوى التكنولوجيا، وإنما بالاعتقاد بأن تغيير وسيلة انعقاد الجلسة يكفي لإحداث تحول حقيقي في منظومة العدالة.

فالقضاء المغربي له خصوصيته القانونية والمؤسساتية والاجتماعية، ولا يمكن التعامل مع الجلسة القضائية باعتبارها مجرد لقاء تقني بين أطراف الدعوى. إنها فضاء لممارسة وظيفة دستورية تتجسد فيه علنية المحاكمة وحقوق الدفاع والمواجهة المباشرة بين الأطراف، وتتفاعل داخله أدوار القاضي والمحامي والنيابة العامة وكتابة الضبط وباقي مساعدي القضاء. ومن هذا المنطلق، فإن الحضور المادي داخل قاعة الجلسات لا يمثل دائماً مجرد إجراء شكلي يمكن تعويضه باتصال سمعي بصري، بل قد يشكل ضمانة أساسية لحسن سير المحاكمة وإدراك تفاصيلها الإنسانية والإجرائية. وهذا لا ينفي إمكانية اللجوء إلى المحاكمة عن بُعد في الحالات التي يجيزها القانون وتبررها الضرورة أو المصلحة الإجرائية، شريطة احترام الضمانات القانونية والتقنية، وإنما يقتضي عدم تحويل الاستثناء أو الإمكانية التقنية إلى غاية مؤسساتية قائمة بذاتها.

إن التمييز بين الجلسة الرقمية والتقاضي الرقمي يمثل، في تقديري، المدخل الحقيقي لفهم طبيعة التحول المطلوب. فالجلسة عن بُعد تظل وسيلة لإنجاز إجراء قضائي محدد باستخدام تقنيات الاتصال، بينما يشكل التقاضي الرقمي تحولاً بنيوياً يمس دورة حياة الملف القضائي، انطلاقاً من تسجيل الدعوى وإيداع المقالات والمذكرات، مروراً بالتبليغ وتبادل الوثائق وتجهيز الملفات وتدبير الجلسات، وصولاً إلى إصدار المقررات القضائية وممارسة الطعون والتنفيذ والأرشفة. وبذلك، يمكن لمحكمة أن تعتمد الجلسات الحضورية التقليدية، لكنها تشتغل وفق منظومة رقمية متقدمة تحقق مستويات عالية من النجاعة والشفافية، في حين قد تعقد محكمة أخرى جلساتها عن بُعد دون أن تتجاوز الاختلالات المرتبطة بتشتت المعطيات أو بطء الإجراءات أو ضعف التنسيق بين المتدخلين.

وتتضح أهمية هذا التمييز عندما نستحضر طبيعة الإشكالات العملية التي تواجه الإدارة القضائية المغربية، حيث لا يرتبط جزء مهم من الزمن القضائي بمدة انعقاد الجلسة، وإنما بمراحل إعداد الملف وجاهزيته، وصعوبات التبليغ، وإنجاز الخبرات، وتبادل المذكرات، وتتبع الإجراءات والطعون والتنفيذ. ولذلك فإن الاستثمار في رقمنة الجلسة وحدها، دون معالجة هذه الحلقات المترابطة، قد يؤدي إلى تحديث الواجهة التقنية للمحكمة مع استمرار البنية الإجرائية التقليدية. أما الرهان الأجدى فيتمثل في بناء ملف قضائي رقمي موحد، وتطوير قابلية التشغيل البيني بين الأنظمة المعلوماتية، وتمكين مختلف المتدخلين من تبادل المعطيات والوثائق بصورة مؤمنة، واعتماد أدوات رقمية لمراقبة الآجال والكشف المبكر عن التعثرات الإجرائية وتحديد أسباب التأجيل والتراكم.

ويكتسي هذا التوجه أهمية أكبر في ظل الإمكانات التي تتيحها حوكمة البيانات القضائية والذكاء الاصطناعي، إذ يمكن الانتقال من مجرد تسجيل الإجراءات إلكترونياً إلى تحليل تدفقات القضايا واستشراف الاختناقات وتوجيه الموارد البشرية والتنظيمية بناءً على مؤشرات موضوعية. غير أن هذا الانتقال ينبغي أن يقوم على بنية رقمية وطنية موثوقة، تحترم حماية المعطيات الشخصية وسرية الملفات القضائية، وتضمن الأمن السيبراني واستمرارية الخدمات وقابلية تتبع العمليات، مع المحافظة الكاملة على استقلال القاضي وسلطته التقديرية. كما أن نجاح هذا النموذج يستلزم تأهيل الموارد البشرية، وإعادة هندسة المساطر، وتطوير الكفاءات الرقمية داخل كتابة الضبط، باعتبارها فاعلاً محورياً في إدارة دورة حياة الملف القضائي، وليس مجرد منفذ للإجراءات الإدارية.

ومن هنا، فإن تقييم نجاح التحول الرقمي في القضاء المغربي ينبغي أن يتحرر من المؤشرات التقنية الشكلية، مثل عدد الجلسات المنعقدة عن بُعد أو عدد التجهيزات المعلوماتية المثبتة بالمحاكم، ليرتبط بمؤشرات الأثر الحقيقي على جودة العدالة، وفي مقدمتها تقليص الزمن القضائي، وتحسين جاهزية الملفات، والحد من التأجيلات غير المبررة، وتسريع التبليغ والتنفيذ، وتيسير الولوج إلى المعلومة والخدمة القضائية. كما يتعين أن يراعي هذا التحول الفوارق المجالية والرقمية بين المتقاضين، حتى لا تصبح التكنولوجيا عائقاً جديداً أمام الولوج إلى العدالة بالنسبة للفئات التي لا تتوفر على الوسائل أو الكفاءات الرقمية اللازمة.

إن المغرب لا يحتاج إلى استنساخ نماذج المحاكم الافتراضية لمجرد أنها تمثل اتجاهاً تكنولوجياً حديثاً، بل إلى بلورة نموذج مغربي للتقاضي الرقمي ينطلق من واقعه التشريعي والمؤسساتي، ويستثمر التجارب المقارنة وفق حاجاته وأولوياته. نموذج يحافظ على القيمة القانونية والإنسانية للجلسة القضائية، ويستفيد في الوقت نفسه من الرقمنة لتطوير ما يسبقها وما يليها من إجراءات. فالتحديث الحقيقي لا يعني بالضرورة إلغاء الحضور داخل المحكمة، وإنما التخلص من التنقلات غير الضرورية، والتكرار الإداري، والوثائق الورقية التي يمكن تعويضها، والانتظارات التي يمكن تفاديها بفضل المعلومة الرقمية الدقيقة والمتاحة في الوقت المناسب.

وخلاصة القول، إن مستقبل العدالة المغربية لا ينبغي أن يُختزل في تحويل قاعات الجلسات إلى فضاءات افتراضية، وإنما في الانتقال من محكمة تستعمل التكنولوجيا إلى محكمة تعيد تنظيم عملها اعتماداً على التكنولوجيا والبيانات وحكامة الإجراءات. فالمحكمة الذكية ليست تلك التي يختفي منها القاضي وراء الشاشة، بل تلك التي يصبح فيها الملف القضائي أكثر تنظيماً، والإجراء أكثر وضوحاً، والزمن القضائي أكثر قابلية للضبط، والحق في التقاضي أكثر فعالية.

ولذلك، فإن السؤال الاستراتيجي الذي ينبغي أن يؤطر ورش العدالة الرقمية بالمغرب ليس: متى تصبح جلساتنا رقمية؟ بل: متى يصبح مسار التقاضي رقمياً ومتكاملاً، من تسجيل الدعوى إلى تنفيذ الحكم، دون أن تفقد العدالة المغربية هويتها القانونية والإنسانية والمؤسساتية؟

* خبير تحول رقمي في مجال العدالة وباحث في الذكاء الاصطناعي وسيادة القانون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *