وجهة نظر

انتهاء مهمة بعثة المينورسو.. ترقب وتحسب وأيادي ملكية ممدودة للسلام

عبد العزيز ملوك

هل دخلت المنطقة المغاربية مرحلة جديدة، قد تنتهي بمواجهة عسكرية تتجاوز حدود منطقة الصحراء بعد إعلان هيئة الأمم المتحدة عن انتها مهام المينورسو بالصحراء المغربية؟

هل ستستلم الجزائر ومعها البوليساريو وتذعن للقرار الأممي المتعلق بالحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية؟

أسئلة تفرض نفسها اليوم، بعد ثلاثة تطورات متزامنة، لا يمكن فصل بعضها عن بعض.

أولها : شروع المخابرات الجزائرية من خلال الجيش الجزائري في تدريب جيل جديد من مليشيات تابعة للبوليساريو داخل مواقع عسكرية جزائرية منها معسكر بومرداس، غير أن أهمية هذه المعلومة informatin de sécurité لا تكمن فقط في وجود تدريب وتمويل وتسليح ميلشيات ومرتزقة ضد مصالح المغرب الجار من طرف نظام جزائري مارق فحسب، لأن الدعم العسكري الجزائري لميليشات البوليساريو ليس جديداً وليس وليد اليوم، بل قائم منذ عقود. بل تكمن طبيعته في نوع التدريبات وتوقيتها وأهدافها.

فـحرب العصابات التقليدية لسنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تختلف تماما عن حرب زمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي اليوم، خصوصا بين جيوش نظامية وميليشيات تعتمد على الحركات المباغتة mouvement surprises وعلى التشويش harcèlement والاستنزاف، بدلاً من المواجهة المباشرة الواسعة.

ففي النزاعات التي يوجد فيها تفاوت كبير في القدرات العسكرية، قد تلجأ الأطراف الأقل تسليحاً إلى هذا الأسلوب، لمحاولة إطالة أمد المواجهة، ورفع كلفتها على الطرف الآخر، وإحداث أضرار أمنية قد ترتد بسلبيات على القدرات القتالية للجيوش النظامية وعلى الاقتصاد والسياحة والتجارة وغير ذلك.

لكن، علينا التمييز هنا بين التدريب والاستعداد العملياتي وقرار الحرب…، فالتدريب وحده لا يثبت أن قراراً بشن الحرب أو هجوم واسع قد اتُّخذ من ذالك الطرف أو ذاك…. ومع ذلك، عندما تأتي معلومات عن تدريبات من هذا النوع مباشرة بعد نهاية مهمة المينورسو، فإنها تستحق الإنتباه والمتابعة والتحليل.

غير أن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا تدرب الجزائر مليشيات البوليساريو في هذا التوقيت بالذات ؟ بل: هل يجري إعدادها لمرحلة جديدة، تختلف عن المواجهات المحدودة التي شهدتها مختلف مناطق الحزام الأمني قبل واثناء وقف اطلاق النار ؟ وهل يتعلق الأمر بتطوير قدراتها العسكرية، أم بالاستعداد لرفع مستوى التصعيد ضد وحدات القوات المسلحة الملكية المرابطة على طول الحزام الأمني في الصحراء؟

ثانيها : هل نحن أمام حرب محتملة بين المغرب والجزائر؟

للإجابة، علينا التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من التصعيد:

الأول: استمرار المواجهات المحدودة بين القوات المسلحة الملكية ومليشيات البوليساريو، مع احتمال تغيّر وتيرتها بعد رحيل المينورسو rythme et cadence .

الثاني: انتقال المواجهات إلى عمليات أكثر كثافة أو اتساعاً، بما يزيد خطر وقوع حوادث عسكرية يصعب احتواؤها.

الثالث: وهو الأخطر: تحول النزاع إلى مواجهة مباشرة بين الجيش المغربي والجزائري، خاصة في حال ظلت البوليساريو تستهدف المغرب من داخل التراب الجزائري.

من الخلال المعطيات المتوفرة حتى الآن لا وجود لأي أدلة كافية للقول إن المستوى الثالث قد تقرر أو أصبح وشيكاً… لكن هذا لا يلغي خطورة المستويين الأول والثاني. فالحروب الإقليمية لا تبدأ دائماً بقرار معلن عن خوض حرب شاملة، بل تبدأ أحياناً بأزمة محدودة، لتتوسع بسبب سلسلة من القرارات وردود الأفعال وسوء التقدير.

وفي المقابل، فإن وجود توتر عسكري شديد لا يعني أن الحرب الشاملة حتمية. فالجزائر والمغرب معا، يدركان حجم التكلفة الاقتصادية والبشرية والاستراتيجية لأي مواجهة مباشرة. كما أن الدول المجاورة والقوى الدولية ستكون معنية بمنع اتساع النزاع، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على أمن شمال إفريقيا والساحل وبلدان البحر الأبيض المتوسط.

لذلك فإن، الخطر الحقيقي الذي ينبغي مراقبته ليس مجرد صدور بلاغ لا ينتج أثرا على أرض الواقع من حكام الجزائر أو عن مرتزقة البوليساريو، بل ظهور مؤشرات على انتقال العمليات إلى مستوى مختلف، أو وقوع احتكاك مباشر بين القوات الجزائرية والمغربية. وهنا تحديداً يمكن أن يصبح الفراغ الذي تركته المينورسو عاملاً إضافياً في تعقيد الأزمة، بغض النظر عن المكاسب الاستراتيجية الكبرى التي حققها المغرب ميدانيا مع نهاية البعثة الأممية.

ثالثاً: ماذا تريد الجزائر ومعها البوليساريو من الجمع بين الإستعداد لتفاوض والاستعدادات العسكرية؟

فرغم وضوح القرار الأممي رقم: 2797، الصادر بتاريخ 30 اكتوبر 2026 وضوح الشمس فإن الجزائر عبر البوليساريو لا تزال متمسكة بما تسميه تقرير المصير، وتعلن استعدادها للتفاوض مع المغرب. وفي الوقت نفسه تستمر في إصدار بلاغات جماعة البوليساريو. وكل المؤشرات تتحدث عن تدريبات على حرب العصابات داخل مواقع عسكرية جزائرية.

وبالتالي فإن هذا التزامن يمكن أن يُقرأ بثلاث قراءات سياسية:

أولها: أن الجزائر عبر البوليساريو تريد المحافظة على حضورها العسكري، خشية أن يؤدي رحيل المينورسو إلى تراجع قدرتها على التأثير في التطورات الميدانية.

ثانيها : تحاول الجزائر سواء مباشرة أو عبر البوليساريو تعزيز موقعها التفاوضي،والتأكيد أن غياب التسوية السياسية لا يعني توقف المواجهة المسلحة.

ثالثها : الجزائر عبر البوليساريو قد تكون بصدد الاستعداد لمرحلة استنزاف أطول، مع إبقاء الباب الدبلوماسي مفتوحاً.

هذه القراءات ليست متطابقة،،، وليست مؤكدة رسميا فقد تكون هذه التدريبات مجرد تكتيك مخابراتي جزائري لذر الرماد في عيون البوليساريو من قبل النظام الجزائري تجاه مليشيات متمرسة يعي نظام العسكر في الجزائر حجم خطورتها ويعرف جيدا الكلفة الأمنية والسياسية للانقلاب عليها أو الإنقلاب عليه في أي وقت وحين كونها مسلحة أولا ومعترف بها من قبل النظام الجزائري على انها “دولة” ثانيا وتتواجد على أرضه ثالثا وأخيرا…

وبالتالي فإن التمييز بين كل هذه القراءات يحتاج إلى متابعة التطورات الفعلية والميدانية ومراقبة حركات وسكنات جيش الجزائر ورصد لقاءات ومداولات قيادته سواء بقيادة الجيش الجزائي أو بنادي الصنوبر المكان المفضل للعسكر الجزائري أو من خلال رصد جميع التحركات على حدود المملكة، وايضا من خلال رصد ومتابعة رحلات قادته خارج الجزائر وليس الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية الجزائرية “المخدومة” والملغومة.

المؤكد سياسياً أن التفاوض لا يلغي وجود الاستعداد العسكري، مثلما أن الاستعداد العسكري لا يعني بالضرورة إغلاق باب المفاوضات. والأمر الذي ينبغي الانتباه إليه هو أن الجمع بين المسارين قد يتحول إلى سياسة ضغط محسوبة، وقد يتحول أيضاً إلى مسار تصعيد يصعب التحكم في نتائجه، والتي قد تصل إلى ما لا يُحمد عقباه بالنسبة للبوليساريو تحديداً وبالنسبة للنظام الجزائري أساسا.

فمن يملك القدرة على منع الانفجار بعد رحيل المينورسو ؟

ستصبح المسؤولية السياسية والأمنية أكبر على جميع الأطراف : مغرب ينشد سلام الشجعان بأيادي ملكية ممدودة لكل بلدان الجوار من أجل بناء مغرب عربي كبير وملتزم بقرار أممي لوقف إطلاق النار ونظام عسكري أنفق الملايير من الدولارات ولا يزال ينفق من أجل إطالة عمر النزاع للنيل من الوحدة الترابية لبلد جار.

أمر لا يختلف فيه إثنان أن المغرب معني بتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى أي مواجهة مع أي كان ، بالرغم من كونه مستعد لها ميدانيا وعسكريا في إطار دفاعه عن وحدته الترابية وأمنه القومي، غير أن الجزائر عبر البوليساريو معنية كذلك بتقدير العواقب العسكرية والسياسية لأي تصعيد جديد قد يؤدي بمليشات البوليساريو إلى تصنيفها في قائمة الإرهاب الدولي وتصنيف الجزائر معها كنظام داعم لهذا الإرهاب وهذا أمر لا تتناطح فيه عنزتان الشيء الذي سيعود بالوبال على الجزائريين أولاً قبل أي بلد آخر من بلدان المنطقة.

هكذا تعلمنا دروس التاريخ مرة أخرى ،أن من صرف ثروة شعب كامل من أجل معاكسة جاره، لن يحصد في النهاية سوى “الريح” والعزلة والخسران والذل والمهانة لأن التاريخ لا يرحم، و من ضيّع مصلحة شعبه من أجل الوهم ولا شيء غير الوهم والقادم أبشع وأفظع وأشنع، إن لم يعد حكام الجزائر إلى رشدهم، ويهتموا بتنمية بلدهم والبحث في اطار علاقة التعاون مع المغرب عن الحلول لأزماتهم الداخلية، وفق ما يخدم مصالح الشعبين المغربي والجزائري، وليس وفق أحلام الوصول إلى المحيط الأطلسي التي لم ولن يجني منها النظام الجزائري سوى خسائر مالية ضخمة وسمعة سيئة للغاية بين بلدان الجوار وبين الشعوب والأمم التي تنشد السلم والسلام والأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *