بعد خطاب العرش الكرة في ملعب الجزائر !
“نجدد الدعوة الصادقة لأشقائنا في الجزائر للعمل سويا، دون شروط، من أجل بناء علاقات ثنائية أساسها الثقة والحوار وحسن الجوار. ذلك لأن الوضع الحالي لهذه العلاقات لا يرضينا، وليس في مصلحة شعبينا، وغير مقبول من طرف العديد من الدول. فقناعتي أن الحدود المفتوحة هي الوضع الطبيعي بين بلدين جارين وشعبين شقيقين” : الملك محمد السادس
1- عودنا العاهل المغربي محمد السادس على التعاطي بالغ الإيجابية والاحترام مع موضوع العلاقة المغربية الجزائرية ، فعلى الأقل منذ سنة 2008 وهو يمد يده إلى حكام الجزائر من أجل طي صفحات الصراع غير المجدي، و الانضواء في معركة السلام والبناء ، لا بل إنه توقف في عدد من خطبه الرسمية للدعوة إلى بلورة ثورة تنموية بحصر المعنى، في أفق تقوية البناء المغاربي وتجسيد تطلعات وآمال وطموحات شعوب المنطقة .. لكننا فوجئنا بالمحتوى العام لخطاب العرش الأخير ، فلئن كنا قد تعودنا على منهجية وميكانزمات خطب هذا العيد الوطني المخصوص، المتمثلة أساسا في استعراض القرارات والمشاريع التي شهدها عام بكامله ، عبر منظور نقدي موضوعي بعيدا عن التغني غير المفيد بالذات، فإننا نجد أنفسنا هذه المرة مع خطاب خصص جله لإثارة الوضع غير الطبيعي القائم بين الدولتين الجارتين الشقيقتين، في سياق جيوستراتيجي بالغ الحدة. وقد تميز بقدر كبير من التوازن اللغوي والدلالي ، ومنسوب عالي الجودة من حيث الرؤية السياسية المنفتحة، والهادفة إلى إنجاز انعطافة جوهرية في مضمار ” بناء علاقات ثنائية أساسها الثقة والحوار وحسن الجوار”.
2- وفي الإطار ألفنا من ممثلي النظام الجزائري سياسيين رسميين وإعلاميين .. الرفض السريع والأوتوماتيكي لأي عرض يأتي من الرباط قصد التهدئة و إفساح المجال للأمل والحياة، أما الآن فقد مر أكثر من أسبوع على هذه الدعوة الصادرة عن مركز السلطة في المملكة المغربية دون أن يكون هناك موقف رسمي ملموس، صحيح لقد انبرت الصحافة الورقية والإلكترونية للجارة الشرقية في معركتها المقدسة للرد على خطاب الملك والتشكيك في نواياه والمصادرة على المطلوب، وهل كنا ننتظر غير ذلك من إعلام منغلق محكوم بالمطلقات و الأطروحات ذات الصلة بالسياق البائد للحرب الباردة؟ لكن في المقابل عرف خطاب العرش المعني بالأمر إشادة دولية وعربية وإقليمية لما حمله من رغبة صادقة في إذابة الصقيع، وتعبيد الطريق نحو تطبيع العلاقة وفتح الحدود المغلقة منذ أكثر من 27 سنة، بل إن مسؤولين سياسيين ومواطنين جزائريين خارج البلد عبروا عن تأييدهم لرسالة اليد المغربية الممدودة ويقينهم بجدوى الحلم المغاربي المعلق.
3- وقد سبق لصاحب هذه السطور أن نشر مقالات كثيرة في الموضوع آخرها كان بعنوان : من أجل قمة القرن بين المغرب والجزائر، دعوت فيها مثلما دعا آخرون إلى حتمية الإقدام على خطوات التطبيع والعمل المشترك قبل فوات الأوان، لكن يبدو أن النظام العسكري في عمومه غير راغب في التقارب والإنجاز الثنائي المنتج، اعتقادا منه أن المغرب في أزمة اجتماعية واقتصادية طاحنة تجعله “يستجدي” ويطلب ود الجزائر، مما يدفع هذا النظام إلى “طرح” ورقة الشروط والاعتذارات عن اعتداءات مغربية مزعومة، خوفا من “مغامرة” فتح الحدود التي ستكون “حتما” في صالح المغرب، كما كان يحلو للرئيس عبد العزيز بوتفليقة أن يقول ويعيد القول طيلة مرحلة “حكمه”.
في اعتقادي المتواضع لقد حقق الخطاب الملكي هدفه المنشود المتجسد في هدم “الأساطير المؤسسة” لعقدة النظام الجزائري حيال المغرب، ورمى ربما آخر كرة في ملعبه، عسى أن يفكر مليا ويسددها بتمعن وهدوء، بغية الظفر بكأس التنمية الشاملة والإقلاع المغاربي، نحو الديمقراطية ومستلزماتها الحيوية من حرية وعدالة وكرامة إنسانية !
اترك تعليقاً