مستعد يكتب.. العروي، الريسوني والمالكي.. ومثقفو أزمة الريف

تعددت النداءات الموجهة إلى المثقفين ليتخذوا موقفا إزاء ما يحدث في الريف من حراك ربما تحول إلى أزمة. وهي نداءات من شأنها أن تثير، لأول وهلة، شعورا برد الإعتبار وبعودة الروح والتقدير إلى المثقفين ودورهم في المجتمع بعد أن صاروا بدون قيمة واعتبار، في نظر السلطة، في عصر ثقافة التبضيع والتمييع والتطرف.

هي نداءات انتهازية تبدو مثل موضة أطلقتها بعض أبواق السلطة ولم تجرؤ حتى السلطة على إطلاقها مباشرة بعد أن صارت في ورطة، وأصبح يتبناها اليوم كثير من المتاجرين بقضايا الوطن، ومن الباحثين عن الريع، تدفعهم السلطة دفعا لجلب النخب المثقفة بإغراءات المال وبغيره بهدف تعبئتها، وليس بهدف الإنصات إليها.

لكن المثقف الحقيقي لا يحتاج إلى نداء السلطة ليتكلم أو ليكتب وإلا صار موظفا عندها. والمقصود بالمثقف هنا هو المعنى السوسيولوجي والتقني لمهنة المثقف إلى جانب المعنى الأخلاقي. وهو مثقف يشتغل اليوم بين مطرقة “دكتاتورية اللحظة الإعلامية”، وسندان تهمة “صمت المثقفين” الموجهة إليه بسبب هذه الدكتاتورية (حسب موسوعة أنسكلوبيديا أونيفرساليس).

منذ عقود وكبار مثقفينا يؤكدون ويرددون بأن الثقافة هي الأساس والمرجع. لأن الديمقراطية هي في الأصل ثقافة وتربية، والإرهاب ثقافة، والمسلسلات المكسيكية والتركية ثقافة، والتحكم والتسلط هو أيضا ثقافة. كل شيء في التنظيم البشري يبدأ وينتهي بالثقافة. علينا فقط أن نختار أي ثقافة نريد.

كم نحن في حاجة إلى مثقف من قيمة عبد الله العروي وإلى أفكاره النيرة في مثل هذه الأزمات عوض تهميشه داخل وطنه. لا نحتاجه لعبادته وتأليهه ولكن لفتح النقاش وتسليط الضوء على تاريخ الريف والتوافقات الممكنة قبل فوات الأوان. وقد صدق نور الدين صدوق حين قال مؤخرا عن العروي: “إن صناعة التجاهل هي أقوى ما يحذقه التوجه الرسمي سياسة وثقافة”.

وأضاف أن هذا التوجه الرسمي يقوم بتشجيع “تفكير التفاهة الذي يكرس وجوها إعلامية لا تعمل إلا على لغونة ما تمنح من معطيات وأضاليل”. لكن وجب الإعتراف هنا بأن المسؤولية لا تقع على السلطة فقط لأنها تقوم بدورها في الإستقطاب للحفاظ على الوضع القائم عوض التحديث والتقدم. فالمثقفون يتحملون أيضا جزءا كبيرا من المسؤولية بنرجسيتهم وتشتت صفوفهم، وتراجع أدوار تنظيماتهم. وهناك مسؤولية تاريخية للعديد من أشباه المثقفين.

في 2004، قمت كصحفي بتغطية زلزال الحسيمة مع فريق القناة الثانية. وبمجرد وصولي إلى المدينة، كان بعض سكانها يضايقوننا في الشارع عندما كنا نمر أمامهم ليعبروا عن احتجاجهم على طريقة تغطية القناة للزلزال، وهي ظروف ليس المجال هنا للتفصيل فيها. لم نكن لنلوم السكان وهم يعيشون ظروف الموت والتشريد التي كانوا يعيشونها. لكنني فهمت منهم أنهم كانوا غير راضين، بغيرتهم الوطنية، عن كون التلفزة الإسبانية كانت قد سبقت القناة الثانية إلى تغطية خبر الزلزال وآثاره المدمرة، وبالتالي فإنهم كانوا يعبرون عن رفضهم للتهميش الإعلامي الذي تعرضت له أخبار منطقتهم.

قانونيا، تلزم دفاتر تحملات قنوات القطب العمومي بضرورة “الإخبار الآني عن كل الأحداث ذات البعد الوطني التي تستأثر باهتمام الرأي العام”. لكن شتان ما بين القانون والواقع، ما بين الكفاءات المتوفرة وتوجيهات الإعلام الرسمي، ما بين خطاب الحداثة المعلن عنه والممارسة.

إن التهميش الإعلامي قد يكون، أحيانا، أخطر من التهميش التنموي بالنسبة لساكنة الريف التي عاشت تاريخا ومسار نفسيا خاصا. وإن كان من الضروري الحذر من أوصاف مثل “شلوح العز” التي وصف بها الزميل الرقيق سليمان الريسوني أهلنا في الريف لأنها قد تدخلنا في كليشيهات وتصنيفات عنصرية خطيرة. فجميع المغاربة لهم عزهم وجميعهم يرفضون “الحكرة”.

ما يحدث في الحسيمة اليوم قد تلخصه ثلاثة عوامل: تاريخ سنوات الرصاص والتهميش، ومحاولات الإنقاذ من التهميش، ثم عودة “التحكم”. لقد ظهرت في مسار المصالحة وبناء المستقبل التي تم تدشينها رسميا، كما يقول الأستاذ امحمد المالكي، “حلقة أو حلقات مفقودة يجب الإعتكاف عليها لفهمها، والقطع معها. وهي الحلقات التي نبه إليها تقرير الخمسينية وتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة”.

ولعل من أهم المفاتيح لتسوية هذه الأزمة الخطيرة هي البحث عن سبل مصالحة جديدة من خلال الإفراج عن المعتقلين وفق مبدأ لا غالب ولا مغلوب، ومن خلال فتح المجال الواسع لحوار عمومي وطني وشفاف بجميع أشكاله: سياسيا وثقافيا وإعلاميا وقانونيا، مع ضرورة تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق لتعزيز دور المؤسسات التمثيلية وهيآت الوساطة التي تلقت ضربة كبرى نتيجة الحسابات الانتخابية القصيرة لبعض الأحزاب وهو ما صار يهدد جميع المؤسسات، وذلك بهدف المحاسبة عن أي مسؤولية وقعت منذ مقتل بائع السمك محسن فكري. كل ذلك وفقا لمبدأ واحد ووحيد هو الحوار ولا شيء غير الحوار.

تعليقات الزوّار (0)