كلنا جلادون مع وقف التنفيذ

في بلد تتراكم فوقه الأزمات من كل الجهات – جفاف يهدد الأمن المائي، بطالة تخنق الشباب، غلاء ينهك الأسر، وتراجع ثقة يعصف بالمؤسسات – كان يُنتظر أن ينصرف النقاش العمومي إلى هذه القضايا الجوهرية التي ترسم مصير الوطن. لكن ما يحدث هو العكس تماماً: نترك ملفات المستقبل، ونغرق في تفاصيل الحياة الخاصة، نُشعل المنصات بتسريب شخصي أو إشاعة عابرة، وكأنها قضية وجودية، بينما تمر الملفات الكبرى مرور الظلال.
حادثة صانعة المحتوى (غيثة عصفور) مثال صارخ على هذه المفارقة. فقد تزامنت مع زخم من الوقائع الثقيلة: مقالات لوموند ،تسريبات “جبروت”، وأزمة الزاوية البودشيشية بما تحمله من دلالات حول اختلالات عميقة في مؤسسة روحية واجتماعية. قضايا بهذا الحجم كان يفترض أن تُشكّل لحظة وعي جماعي، ومناسبة لنقاش سياسي واجتماعي جاد، لكن ما حصل أن كل شيء ذاب في فوضى نهش الحياة الخاصة : تعليقات سطحية، هجوم جماعي، وخلط بين الخاص والعام.
لقد أصبحنا مجتمعا يمارس “الجلد الرقمي”: نجلد الأشخاص أكثر مما نُسائل السياسات، وننغمس في الفضائح أكثر مما نناقش الأزمات. التسريب، مهما كانت طبيعته، صار غاية في ذاته، مادة استهلاكية تمنحنا شعورا زائفا بالمشاركة، بينما هو في الحقيقة يسرق منا القدرة على التفكير العميق وإعادة ترتيب الأولويات.
الأخطر أن هذه الظاهرة تمنح القوى الحقيقية متعة المشاهدة من البرج العاجي. فهي تعرف أن الرأي العام غارق في اللهو الرقمي، وأن اهتمامه مشتت بين فضائح شخصية وتسريبات إعلامية وأزمات روحية، ما يتيح لها التحكم في طبيعة النقاش العمومي.
اليوم، ونحن نرى النقاش العام يُختطف من قضاياه الجوهرية، ندرك أننا أمام معضلة أخلاقية بقدر ما هي سياسية: كيف نعيد البوصلة إلى مكانها؟ كيف نحمي المجتمع من ثقافة التشهير التي تحوّله إلى جلاد بلا قضية؟ وكيف ننتقل من جلد الأشخاص إلى محاسبة البُنى التي تصنع الأزمات؟
إن لم نجب عن هذه الأسئلة، فسنظل ندور في حلقة مفرغة: كلنا جلادون مع وقف التنفيذ، نجلد بعضنا بعضاً بالكلمة والصورة، ونترك الوطن يواجه أزماته وحيداً.
اترك تعليقاً