بين الافتراضي والواقع: ماذا يخفي سؤال الأستاذ عن مهنة الأب؟

مع انطلاق كل موسم دراسي، تعود على منصات التواصل الاجتماعي موجة من الانتقادات الموجهة إلى الأساتذة، حيث يطالب البعض بعدم سؤال التلاميذ عن مهنة آبائهم، بدعوى أن القسم فضاء للتعلم لا علاقة له بالحياة الخاصة، وأن مثل هذا السؤال قد يسبب إحراجا للتلميذ.
لكن المتأمل في الممارسة التربوية الحقيقية يكتشف أن هذه الصورة أبعد ما تكون عن الواقع. فالأستاذ أولا لا يطرح هذا السؤال أمام الملأ لإحراج التلميذ، بل يطلب المعلومات في استمارة مكتوبة أو في وثيقة شخصية تُسجَّل فيها بيانات التلميذ. وثانيا فهو إجراء بيداغوجي وإداري يتيح للأستاذ تكوين صورة أوضح عن الوضعية الاجتماعية لتلاميذه، قصد مراعاة خصوصياتهم وفهم بعض سلوكياتهم أو صعوباتهم الدراسية.
الأهم من ذلك أن على المدرسة أن تُربي الناشئة على الافتخار بمهنة آبائهم مهما كانت، لأن الكرامة لا تقاس بالمناصب ولا بالمداخيل، بل بالعرق الذي يسيل من أجل لقمة العيش. فكم من أبٍ بسيط يكدّ ليل نهار ليضمن لأبنائه مقعدا في المدرسة، وكم من مهنة يظنها الناس متواضعة، لكنها في حقيقتها شرف وتضحية.
ولعلي هنا أستحضر تجربة شخصية، فقد كنت في سنوات الدراسة لا أتردد أبدا في كتابة مهنة والدي ” عسّاس ” كما كنا نقولها بالعامية، وأفخر بها أمام زملائي ومعلمي. لم أر فيها يوما ما يبعث على الخجل، بل رأيت فيها وسام شرف أعلّقه في صدري. إننا حين نزرع في التلاميذ روح الاعتزاز بمهن آبائهم، فإننا نربي فيهم قيم الاحترام والاعتراف بالجميل ونمنحهم ثقة في أنفسهم تقيهم عقد النقص.
إن المدرسة ليست مجرد فضاء لتلقين المعارف، بل هي أيضا مختبر للقيم والهوية. ومن غير المقبول أن نُصور سؤالا بسيطا عن المهنة وكأنه وصمة عار أو فعل تنمّر. العيب ليس في السؤال، بل في نظرتنا الدونية لبعض المهن. وإذا أردنا تربية جيل متوازن واثق من نفسه، فعلينا أن نغرس فيه حقيقة بسيطة: لا مهنة حقيرة ما دام صاحبها شريفا ويؤديها بصدق.
ومن الانتقادات التي تطال الأساتذة أيضا، دعوات تطالبهم بعدم التشديد على مسألة إحضار الأدوات المدرسية، لكن الواقع أن الأستاذ هو أول من يلتمس الأعذار، وأحيانا يغض الطرف عن بعض النواقص، بل ويذهب أبعد من ذلك حين يمدّ يد العون لشراء الأدوات لتلميذ محتاج. فالمعلم الحقيقي لا يكتفي بالتدريس، بل يمارس دوره الإنساني في الرعاية والاحتضان.
وعليه، فإن ما يروج في الفضاء الافتراضي لا ينقل الصورة الحقيقية للعلاقة بين الأستاذ وتلاميذه. فالأستاذ ليس مفتشا في شؤون الأسرة ولا متسلطا على تلميذه، بل هو قدوة ومُوجّه، يسأل ليعرف، وينبّه ليهذب، ويلتمس العذر ليعين.
ومن نافلة القول، فإن المدرسة ليست جدرانا تُلقَّن فيها الدروس فحسب، بل فضاء للتربية على الفخر بالذات والمسؤولية تجاه الواجبات. ومن واجبنا جميعا أن نعيد الاعتبار للأستاذ ودوره التربوي، وأن نزرع في الناشئة وعيا جديدا بالاعتزاز الجذور، واحترام جهد الوالدين، وتحمل مسؤولياتهم في مسارهم الدراسي
اترك تعليقاً