وجهة نظر

إصلاح انتخابي أم سياسي، هل تعي النخبة السياسية مسؤولياتها؟

على هامش وضع الأحزاب لمقترحاتها بشأن مراجعة منظومة الانتخابات، يطرح النقاش السياسي في المغرب أسئلة جوهرية حول طبيعة هذا المسار وأبعاده المستقبلية. فهل يتعلق الأمر بمجرد تعديل تقني يهدف إلى إعادة ترتيب شروط التنافس الانتخابي، أم أننا أمام إصلاح سياسي أعمق يمكن أن يمنح للنخبة الحزبية أدوارا جديدة في هندسة مغرب المستقبل (مغرب الأوراش الكبرى)؟ إن هذا التساؤل يقتضي بالضرورة استحضار موقع النخبة السياسية في النسق المغربي وحدود استقلاليتها، في ظل استمرار حضور سلطة الدولة كفاعل مركزي وضابط للتوازنات الكبرى.

ونحن نناقش دور النخبة في الإصلاح السياسي، لا يمكن أن نقفز على أطروحة جون واتربوري في مؤلفه “أمير المؤمنين الملكية والنخبة السياسية المغربية”، الذي بين أن النخب المغربية لم تتطور في فضاء مستقل وإنما نشأت داخل منظومة (مخزنية) أي نسق سياسي أحكمت الملكية من خلالها السيطرة على مسارها ووظائفها. فمنذ فترة ما قبل الحماية كانت النخب التقليدية المتمثلة في الأعيان والزوايا ورجال المخزن تشكل قناة رئيسية للوساطة بين السلطة والمجتمع، ومع نشوء الحركة الوطنية وبروز الأحزاب السياسية الحديثة، استمر هذا الارتباط حيث لم تنجح الأحزاب في بناء استقلالية كاملة عن القصر بل وجدت نفسها تشتغل ضمن هوامش محدودة ترسمها المؤسسة الملكية، وبذلك تكرس نمط من التعايش السياسي قوامه أن تكون النخب طرفا مشاركا في اللعبة السياسية ولكن دون أن تمتلك قدرة فعلية على تقرير مساراتها بمعزل عن إرادة الدولة.

في هذا الإطار تبدو الدعوة إلى إصلاح انتخابي خطوة تحمل أكثر من دلالة، فمن جهة هي تعبير عن حرص الدولة على إشراك الأحزاب في النقاش حول قواعد اللعبة الديمقراطية وهو ما يعزز مظهر التعددية والتوافق. لكنها من جهة ثانية تظل مرتبطة بهواجس تقنية تركز على تفاصيل محددة مثل العتبة الانتخابية أو نمط الاقتراع أو شروط الترشيح. دون أن تلامس جوهر العملية الديمقراطية الذي يقتضي تعزيز موقع المؤسسات المنتخبة وتوسيع صلاحياتها، أي استعادة المبادرة السياسة وليست انتظار ما تقرره الدولة، فلاحظنا مثلا أن الأحزاب لم تثير نقاش التعديل الانتخابي إلا بعد الخطاب الملكي الذي دعي له مباشرة جلالة الملك.

وهنا يطرح السؤال الجوهري حول الأفق السياسي لهذا الإصلاح الانتخابي، هل يتعلق الأمر بإعادة توزيع المقاعد وإعادة ترتيب التوازنات داخل المشهد الحزبي أم أن المقصود هو فتح أفق سياسي جديد يتيح للنخب أن تتحول من مجرد الانخراط فيما تقرره الدولة عبر أجهزتها (وزارة الداخلية) إلى فاعلين أساسيين في صناعة القرار السياسي؟

الملاحظ أن جزءا كبيرا من النخبة الحزبية يتعامل مع هذا الإصلاح من زاوية تقنية محضة منغمس في منطق الحسابات الانتخابية الضيقة بما يضمن تحسين موقع الحزب أو الحفاظ على حصته في التمثيل، دون أن يمتلك رؤية استراتيجية واضحة لمستقبل الحياة السياسية. وهذا ما يجعل الإصلاح في نظر كثير من الفاعلين مجرد عملية تدبيرية تتحكم فيها وزارة الداخلية باعتبارها الطرف الذي يحتكر ضبط المسار الانتخابي أكثر من كونه مشروعا سياسيا يفتح أفقا جديدا للمشاركة والديمقراطية.

غير أن اللحظة الراهنة تقتضي طرح أسئلة أكثر عمقا، هل تعي الأحزاب والنخب المغربية أن الإصلاح الانتخابي ليس مجرد آلية تقنية لضبط التوازنات وإنما ينبغي أن يكون مدخلا لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والسياسة؟، وهل تدرك أن دورها لا يختزل في التفاعل مع مقترحات وزارة الداخلية بل يتطلب منها تقديم بدائل سياسية قادرة على صياغة تعاقد جديد مع المواطنين، لمحاربة الظواهر السياسة (فقدان الثقة في الأحزاب، العزوف الانتخابي، ابتعاد الشباب عن السياسة..) إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد إن كنا أمام إصلاح سياسي بمعناه الحقيقي أو أمام مجرد عملية تقنية تكرس استمرار النمط نفسه من التدبير.

لقد أظهرت التجارب السابقة من دستور 2011 إلى محطات الانتخابات المتعاقبة أن المؤسسة الملكية كانت ولا تزال الطرف المركزي الذي يحدد سقف الإصلاح. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية تفرض اليوم أن تتحمل النخب السياسية نصيبها من المسؤولية عبر تجاوز منطق الحسابات الجزئية والتفكير في أفق وطني أشمل. الإصلاح الانتخابي إذا ظل مجرد عملية تقنية لن يكون سوى إعادة إنتاج لنفس المعضلات القائمة من ضعف المشاركة والعزوف السياسي وتآكل المصداقية. أما إذا تحول إلى إصلاح سياسي يدمج البعد المؤسساتي والتمثيلي فإنه يمكن أن يشكل فرصة لإعادة بناء الثقة وإعطاء معنى جديد للممارسة الديمقراطية ببلادنا.

إن التحدي الأكبر يكمن في قدرة النخب المغربية على الوعي بهذا الأفق السياسي وعدم الاكتفاء بأدوار شكلية في مسار تقرره وزارة الداخلية أو توجهه، فيجعل الفاعل السياسي من هذا المسار عقيدته في ممارسة السياسة وضابطه في التواصل مع الموطنين. الإصلاح الحقيقي لن يتحقق إلا إذا استطاعت النخب أن تجدد نفسها وأن تعبر عن هموم المجتمع ومطالبه، بنفسٍ ديمقراطي حقيقي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *