https://al3omk.com/194112.html

حين ينتحل الممرّض صفة (موثّق)

“هل أستدعي شخصا من رجال السّلطات المعنيّة بتطبيق القانون أو اثنين أو أكثر ليشرحوا لكَ و يقنعوك بأنّ ما تطلبه منّي بإصرار يُعتبر دعوة صريحة إلى التزوير في وثيقة رسميّة مُعتمدة ؟ ” ، لم أجد بُدّا من قول ذلك للشّخص الذي أرغى و أزبد من أجل تدوين تاريخ غير التّاريخ الحقيقي لولادة ابنه المتضمّن في إعلان الولادة الذي تسلّمه من المستشفى الجهوي ، حيث يشترط 25 يونيو بدلا عن 19 يونيو و ذلك كي لا يضطرّ إلى التصريح بالولادة عن طريق المحكمة و دفع الغرامة المستحقّة بحكم تأخّره عن التّصريح لأكثر من 30 يوما ، و قد توسّل إلى ذلك بالتّهديد و الوعيد تارة ، و بالتّطمين أنّ الأمر ليس تزويرا بل هو إجراء عادي دأب على فعله الآخرون و أن لا أحد سينتبه إلى ذلك ، و بالاستعطاف تارة أخرى و الدّفع بأن لا طاقة له بالإجراءات الإداريّة المعقّدة ، و لمّا بدا لي أنّه أصبح يشكّل عرقة لمصالح الآخرين ، هدّدته باستدعاء الطّرف الثّالث ليفكّ هذه الأحجيّة التي استعصى على لبّه استيعابها ، فخرج غاضبا حاملا أوراقه و أغراضه ، ولكنّه ما لبث أن عاد إلى رشده بعد أن ضرب الأخماس في الأسداس و حسب العمليّة من كلّ الزّوايا و تيقّن أن لا خيار له غير تسجيل ابنه بتاريخ ولادته الحقيقي.

قد تبدو غريبة هذه القصة الواقعيّة ، و لكنها ليست فريدة من نوعها بل متكرّرة عبر الزّمكان ، تتكرّر و يتكرّر معها هاجس الخوف من الوقوع في مصايد شياطين الإنس ، و حبائل الجهل بمهام بعيدة عن المهام الأصليّة للممرّض ، فحين يضطرّ إلى تدوين معلومات خاصّة بالمولود و والده و والدته ، و تاريخ و مكان ولادته في دفتر التلقيح قبل الإقدام على تلقيحه بالاعتماد فقط على تصريح من تدّعي أنّها الأم و بحضور من يدّعي أنّه الأب و بدون التوفّر على وثائق تثبت صحّة تلك المعلومات ، مع العلم أنّ بعض مصالح الحالة المدنيّة تشترط وجود صورمن دفتر التلقيح ضمن وثائق التّصريح بالمواليد ، حينئذ أعتقد أنّ الممرّض يقوم مُرغما و بشكل أو بآخر بمهام الموثق (نسبة إلى وثيقة) بدون أهليّة و بدون إذن من الوزارة الوصيّة ، و هو بذلك يقامر بمستقبله المهني و يغامر بأغلى ما عنده.

وقد تُحضِر الأمّ دفتر الحالة المدنيّة أو عقد الزّواج لتثبت إلى حدّ ما علاقتها الزوجيّة بالأب المفترض للمولود المعني بالتّلقيح، و لكنّ ذلك لا يكفي لتثبت علاقة الأمومة مع هذا الأخير، حيث من السّهل استغلال هذا الفراغ من قبل بعض الأزواج لتبنّي مواليد ليسوا من صلبهم ، وتسجيلهم بصفتهم أبناءهم بغير وجه حق ، و بذلك يساهم الممرّض من حيث يدري أو لا يدري في عمليّة تزوير وثيقة معتمدة لدى أعوان السّلطة و مصالح الحالة و المدنيّة ، و يتسبّب في نسب مولود لغير أبويه.

وإن كان توفّرُ الممرّض على دفتر الحالة المدنيّة أو عقد الزّواج ، و بطاقتي تعريف الزّوجين و إعلان الولادة المسلّمة من الطّبيب المشرف على عملية الوضع يمكّنه من تدوين المعلومات الضّروريّة في دفتر التّلقيح بكثير من الارتياح ، فإنّ إخفاء الآباء إعلان الولادة و الادّعاء أنّ الوضع تمّ في البيت و ليس في مؤسّسة صحيّة يضع من جهة صحّة المولود على المحكّ باعتبار أنّ جرعة التّلقيح الأوليّة ضدّ التهاب الكبد الفيروسي من نوع (ب) تتمّ في المستوصفات و المراكز الصحيّة فقط بالنّسبة للأطفال الذين ولدوا في البيت ، أمّا الذين وضعتهم أمّهاتهم في دور الولادة أو في المستشفيات فيتلقّون تلك الجرعة في عين المكان ، و بالتّالي فإنّ الكذب الذي يلجأ إليه الآباء لأسباب مختلفة يؤدّي إلى أن يتلقّى الطّفلُ جرعتين من نفس التّلقيح خلال أقلّ من شهر و هو أمر يشكّل خطرا على صحّته ، كما يؤدّي كذبُ الآباء حول تاريخ و مكان ولادة أبنائهم بالممرّضَ إلى توثيق معلومات مزيّفة في وثيقة رسميّة قد تجرّ عليه مشاكل قانونيّة لن يعذره القانون و لا السّلطات المعنيّة لجهله أو تساهله أو تهاونه في أمرها.

في مثل ظروف عمل كهذه حيث تتقاطع مهام وزارة الصحّة مع مهام مصالح إداريّة أخرى، بل و يُعهد إلى الممرّض أداء مهام ليست من محض اختصاصه و لم يتلقّ بشأنها أيّ تكوين أساسي أو مستمر ، و لا يتمتّع خلال أدائها بأيّ حماية لا من القطاع الذي ينتمي إليه و لا من القطاعات الأخرى ، يلجأ بعض الممرّضين إلى اجتهادات شخصيّة لتوفير الحدّ الأدنى من الحماية و تقليص الخسائر في حالة وقوع مصيبة كانت منتظرة ، و تختلف هذه الاجتهادات من مدينة إلى أخرى بل و من مؤسّسة صحيّة إلى أخرى ، فمنهم من يشترط وثائق إضافيّة من قبيل شهادة ولادة مسلّمة من السّلطات المحليّة تحمل أسماء الأب و الأم و الطّفل و تثبت العلاقة الزّوجيّة و الأبويّة بينهم ، أو إقرارا مثبّت الإمضاء لدى السّلطات المحليّة تقرّ من خلاله السيّدة أنّها هي أمّ الطّفل المعني بالتّلقيح ولدته بالتّاريخ المذكور و من زوجها المذكور اسمه ، أو وثيقة مصادق عليها تقرّ من خلالها (القابلة) أنّها هي من أشرفت على وضع فلانة زوجة فلان بالتاريخ الفلاني و بالعنوان الفلاني ، أو فتح سجلّ تدوّن فيه كلّ المعلومات و توقّع عليه الأمّ ببصمتها إقرارا بصحّتها .

ليس بطلا و لكنه مضطرّ- ما استطاع إلى ذلك سبيلا – إلى ابتداع و اختراع آليات شخصيّة لحماية نفسه مستفيدا من اجتهادات السّابقين و التي سوف يورّثها إلى اللّاحقين ، و سيبقى على هذا الحال إلى أن ينتبه المشرّع إلى الفراغ القانوني الذي يقضّ مضجع الممرّض فينظّم المهنة و ينظّف طريق المشتغلين بها من ألغام يعتبر ما خفي منها أكثر ممّا ظهر .

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك